الفضاء السيبراني.. نحو امتلاك "ناصية القوة"

National Security Commission On Artificial Intelligence Holds Annual Summit
القمة السنوية للجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي (الفرنسية)

أحدث التطور السريع للتكنولوجيا المعلوماتية، وخاصة في الشبكات، تحولا كبيرا في مفهوم القوة، ترتب عليه دخول العالم في مرحلة جديدة تلعب فيها هجمات الفضاء السيبراني دورا أساسيا سواء في تعظيم القوة أو الاستحواذ على عناصرها الأساسية. وأصبح التفوق والتسابق المحموم للسيطرة على هذا الفضاء يشكل عنصرا حيويا لأمن الدول الحيوي في تنفيذ عمليات ذات "تأثير" على الأرض والبحر والجو والفضاء.

من هنا أضحى اﻟﻨظﺎم اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ اﻟﯿوم يواجه أحد أﻛﺒر اﻟﺘﺤديات اﻟﺨطرة، بعد دخول المجال الإلكتروني ضمن المحددات الجديدة لمؤشرات القوة وأبعادها الجديدة من حيث طبيعتها وأنماط استخدامها، بل وأيضا طبيعة الفاعلين، وهو ما كان له انعكاس على قدرات الدول وعلاقاتها الخارجية.

اليوم مع تدفق المعلومات والبيانات الهائل في الفضاء الرقمي وهيمنة العالم الافتراضي على تفاصيل حياتنا، ظهرت العديد من التحديات الجديدة المرتبطة بسيطرة هذا العالم على حياة الإنسان في ظل اكتسابه قوة عالمية من خلال قدرة الثورة المعلوماتية والاتصالية الطاغية على جذب كافة شرائح المجتمعات وتقديمها لبدائل تواصلية مجانية وفعّالة.

فكثير من الدول وغير الدول تسعى للدخول لهذا الفضاء كساحة للصراعات الدولية، حيث يستطيع أحد أطراف الصراع أن يوقع خسائر فادحة ويتسبب في شل البنية المعلوماتية والاتصالية للطرف المستهدف عن طريق أسلحة وقدرات تكنولوجية وعسكرية كبرامج التجسس والفيروسات، وبالتالي أضحى المفهوم الجديد للأمن يدور في فلك الحفاظ على سلامة الدولة في ظل تلك التطورات التكنولوجية. ومن هنا أصبح الصراع الجديد يعنى بكل ما من شأنه التنافس والترابط التكنولوجي وارتباط شكله وأنماطه في عصر المعلومات بمعرفة من يعرف وأين ولماذا وكيف.

هيمنة العالم الافتراضي

اليوم مع تدفق المعلومات والبيانات الهائل في الفضاء الرقمي وهيمنة العالم الافتراضي على تفاصيل حياتنا، ظهر العديد من التحديات الجديدة المرتبطة بسيطرة هذا العالم على حياة الإنسان، في ظل اكتسابه قوة عالمية من خلال قدرة الثورة المعلوماتية والاتصالية الطاغية على جذب كافة شرائح المجتمعات وتقديمها لبدائل تواصلية مجانية وفعّالة.

إنّ نظرة متفحصة اليوم إلى التأثير المتعاظم لهذا العالم على حياة وواقع البشر يؤشر بوضوح إلى عمق السيطرة المتحققة لهذه الأجهزة الذكية وما تحمله من تطبيقات مبهرة ومتنوعة، على حياة الإنسان بشكل يومي، لننظر إلى هذا العالم بلغة الأرقام، نجد أكثر من 4.9 مليارات مستخدم فعّال للشبكة العنكبوتية وحوالي 4.3 مليارات يدخلون إلى 198 مليون موقع فعّال للإنترنت عن طريق هواتفهم الذكية، وما يزيد على 7 ملايين مقال يتم نشره يوميا، وأكثر من 500 ساعة من الفيديوهات يجري تحميلها على اليوتيوب كل دقيقة، حتى بات المستخدم يقضي ما يزيد على 6 ساعات يوميا على الإنترنت.

لقد أحدث هذا العالم ثورة جديدة ستغير شكل الحياة البشرية تقودها التقنيات فائقة التقدم، فهي ثورة رقمية شاملة على مختلف المستويات، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وذلك لأن التطبيقات الذكية تتعدد وتتزايد بصورة يصعب حصرها، ثورة هائلة في كل مفصل من مفاصل حياتنا المهنية والعملية والعلمية والصحية والترفيهية والخدمية، وها نحن نشعر بتأثيراتها في ثقافتنا وسلوكنا ونمط غذائنا وعلاقاتنا وخصوصيتنا التي باتت مكشوفة لا بل مسلوبة، حيث يستطيع أحدنا وهو في مكتبه أو غرفة نومه أو سيارته من إنهاء معاملاته مكان عمله أو في البنك والمؤسسة والسوق، وأن يضارب في الأسهم والسندات وشراء ما يلزمه والتواصل مع أي شخص في هذا العالم بكبسة زر.

هل يستطيع أحدنا أن يستغني عن هاتفه الذكي الذي يحمله في جيبه ويتضمن عشرات التطبيقات والوسائل وكما هائلا من المعلومات والبيانات التي باتت ترشدنا إلى وجهتنا وتصحح لنا أخطاءنا وتعلّمنا ما نجهله وتحيطنا بأحداث العالم السياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها؟

اليوم، وبعد اختراق الشبكة هواءنا لم تعد افتراضية بالمطلق، والشاهد على ذلك الكثير من الدلائل أو الحقائق، تمر قرب شخص لا تكاد تعرفه، وفي هاتفك الخلوي تطبيق لفيسبوك وكذلك الشخص الغريب، وما هي إلا دقائق حتى يقترح عليك فيسبوك أن تكوّن صداقة معه. ثمة ما هو أخطر، فالكثير منا سمع بإمكانية تجسس هواتفنا علينا، لكن ما يدعو إلى القلق أن عمليات التجسس لا تقوم بها الدول فقط، فاليوم باتت الشركات تفعل ذلك، ربما يقال إنها لغايات التسويق والإعلان، لكنها تبقى الفكرة الأعمق، لم نعد وحدنا في منازلنا.

والشعور الذي تمنحك إياه الحواس الخمس بأنك في منزلك وحيد وآمن هو شعور زائف. اخضع نفسك لهذه التجربة، قلْ شيئاً أمام هاتفك عن رغبتك بالسياحة في إحدى البلدان وما هي إلا لحظات حتى يقترح عليك تطبيق فيسبوك مرة أخرى أن بإمكانك زيارة المكان الفلاني في البلد الفلاني.

الهجمات السيبرانية.. أرقام مقلقة

لا أحد ينكر أن الهجمات السيبرانية التي يواجهها المجتمع الدولي يوميا وتجري لأغراض"التجسس والتخريب والتلاعب" باتت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى على مدار السنوات الأخيرة، إذ عانت أنواع التكوينات الإلكترونية المختلفة والعديد من القطاعات الصناعية والمالية والاقتصادية من مجموعة كبيرة من الهجمات السيبرانية والتهديدات الإلكترونية، لا سيما مع جائحة كورونا وتغير نمط الحياة، بحيث أسفرت عن بعض النتائج المُدمرة.

وقد تجلّت تلك السبل في هيئة برمجيات فدية وفيروسات ضارة خبيثة وطرائق تلاعب وتصيد إلكتروني احتيالي، حتى أصبحت هذه التهديدات من التعقيد بمكان، بحيث بات من الصعب حصرها أو تطوير إستراتيجيات مُحكمة لمواجهتها بشكل كامل، خاصة مع تعدد وتنوّع أشكالها ومصادرها، وتطورها المتسارع والمستمر.

من المعلوم أن الهجمات الإلكترونية مثل ( اﻟﻘرﺼﻨﺔ Piracy كأﺤد اﻷﺸﻛﺎل اﻟﺸﺎﺌﻌﺔ ﻟﺠراﺌم الإنترنت، واﻟﺠراﺌم اﻟﺴﯿﺒراﻨﯿﺔ اﻟﺘﻘﻠﯿدﯿﺔ Conventional cybercrime واﻟﺘﻬديدات اﻟﺴﯿﺒراﻨﯿﺔ للأﯿدوﻟوﺠﯿﺎ Cyber threats of ideology أصبحت بما لا يدع مجالا للشك العنوان الأبرز كأحد أهم العناصر المؤثرة في أوجه الصراع الدولي، بعد انتقال جزء كبير من الصراعات بين القوى المؤثرة إلى الشبكة العنكبوتية والوسط الرقمي.

وعايشنا خلال السنوات القليلة الماضية كيف أن أحد أطراف الصراع بات قادرا على إيقاع خسائر فادحة بالطرف الآخر وشل بنيته المعلوماتية والاتصالية الخاصة به، وما ترتب على ذلك من خسائر عسكرية أو اقتصادية أو أمنية من خلال قطع أنظمة اتصال أو بث فيروسات أو تضليل معلومات أو سرقتها والتلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها، أو حتى مسحها من الوجود.

الأرقام المتعلقة بالأمن السيبراني مقلقة لا بل مفزعة، فمثلا حجم الخسائر التي يتكبدها العالم تقدّر بمليارات الدولارات سنويا جراء الهجمات الإلكترونية، بعض الأرقام تشير إلى حوالي 6 تريليونات دولار فقط في العام الجاري 2021، ويتوقع الخبراء بأن هذه الهجمات ستُكلّف العالم أكثر من 10 تريليونات دولار بحلول عام 2025.

على الجهة المقابلة نجد حجم الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني بازدياد أيضا، فمثلا قُدّرت نسبة الإنفاق لعام 2020 بنحو 180 مليار دولار، لم تستحوذ الدول العربية منها سوى على 5% وبما يوازي 9 مليارات دولار فقط. هذ الارتفاع في حجم الإنفاق على مواجهة الهجمات السيبرانية هو ضرورة ملحّة، حيث إن كل دولار واحد يتم صرفه على إدارة المخاطر المتعلقة بأمن المعلومات سيقابله حوالي 10 دولارات خسائر إذا لم يتم إنفاقه لهذا الغرض.

لذا نرى الكثير من الخطط التي أعلنت عنها دول متقدمة وشرعت بزيادة نشاطها ووضع بنود في موازنتها العامة بملايين الدولارات (وهنا نتحدث عن الولايات المتحدة والصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية تحديدا) لمجابهة التحديات والمخاطر السيبرانية وتكثيف جهودها لحماية أمنها الإلكتروني وتحصين بنيتها الَّتحتيَّة الحيويَّة، وتطوير سياسات لرفع الوعي حول قضايا الأمن السيبراني وتطوير المخططات الوطنية لتحفيز وتعظيم الوسط الرقمي لها، بهدف تقليص مخاطر وآثار الهجمات السيبرانية التي يتعرض لها العالم كل دقيقة.

لهذا أولت دول متقدمة اهتماما واضحا في توظيف الفضاء الإلكتروني لتعزيز قوتها، من خلال إيجاد ميزة أو تفوّق أو تأثير في بيئة الوسط الرقمي؛ وبالتالي ظهر ما يسمي "الإستراتيجية السيبرانية" للدول، والتي تشير إلى القدرة على التنمية، وتوظيف القدرات للتشغيل في الفضاء الإلكتروني، وذلك بالاندماج والتنسيق مع المجالات العملياتية الأخرى لتحقيق أو دعم إنجاز الأهداف، عبر عناصر القوة القومية، بحيث أصبح التفوق في ذلك المجال عنصرا حيويا في تنفيذ عمليات ذات فاعلية في الأرض والبحر والجو والفضاء، واعتماد القدرة القتالية في الفضاء الإلكتروني على نظم التحكم والسيطرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

مؤشرات جديدة للقوة

لم تعد قوة الدول تُقاس بالمساحة وعدد السكان والثروة الطبيعية والقدرة العسكرية، وإنما باتت تتحدد بامتلاك وسائل العلوم والمعلومات والتكنولوجيا. فالقوة كمفهوم نسبي ومتغير لم يبق بذات المعنى التقليدي في الأدبيات الكلاسيكية أو كما كان سائدًا في النظام العالمي السابق، ومع ما درسناه قبل سنين في مقررات العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كتابات "هوبز" و"تريتشكا" و"ستيفن لوكس" و"هارولد لاسويل" و "مورتون كابلان" و "هانز مورغنثاو" و"كيسنجر"، هناك مؤشرات القوة والنفوذ للدول اليوم تبدو مختلفة بعد انتقال العالم من تقانات الثورة الصناعية إلى الثورة التكنولوجية المعلوماتية.

نحن على أعتاب الثورة الصناعية الخامسة القائمة على الذكاء الاصطناعي، لم يعد بإمكان أي دولة أن تقيس مكانتها كقوة إقليمية، أو دولية، بالاعتماد فقط على عوامل القوة التقليدية (الصلبة)، إذ باتت تحتم المعطيات امتلاك الدول للقوة السيبرانية، التي أزاحت العديد من عناصر القوة التقليدية من مكانها، حيث لم يعد امتلاك الدول للأموال، والثروات، والقدرات العسكرية والجغرافيا الشاسعة كافيا لبلورة دورها كقوة فاعلة ومؤثرة وذات نفوذ في السياسات العالمية

مثلا تبوأت إسبانيا في القرن الـ16 مكانة عظيمة من خلال سيطرتها على المستعمرات وتكديس الذهب، بينما اعتمدت هولندا في القرن الـ17 على عنصري التجارة والمال، وفي القرن الـ18 لعب عامل السكان والقوة العسكرية الدور الأهم لدى الإمبراطورية الفرنسية، بينما في القرن الـ19 اعتمدت بريطانيا على نتائج الثورة الصناعية والقوة البحرية حتى وصل العالم إلى الثورة المعلوماتية كأحد متغيرات القوة المركزية.

إنّ القوة بمفهومها الصلب لم تعد في عالمنا المعاصر، ترتبط بشكل أساسي ومركزي في مساحة الدول وعدد سكانها، ومواردها الاقتصادية، وترسانتها العسكرية. فكثرة عدد سكان دولة ما يمكن أن يتحول إلى عبء كبير عليها، وحتى المساحات الكبيرة لم تعد ميزة اقتصادية أو أمنية بحد ذاتها، خصوصا بعد أن كثفت أو قلّصت وسائل الاتصال المسافات واختصرت الزمان والمكان. وحتى الموارد الاقتصادية، فهي لا تستطيع وحدها أن تفعل شيئًا إذا لم يقترن وجودها بإدارة رشيدة، وقدرات تكنولوجية متطورة، وبنية مؤسساتية فاعلة، هذا دون أن نقلل من أهمية الميزات المذكورة، لكن عوامل قوة الدول وكيفية قياس مؤشراتها، في عصر الثورة العلمية التكنولوجية، باتت أعقد وأوسع من ذلك بكثير.

ونحن على أعتاب الثورة الصناعية الخامسة القائمة على الذكاء الاصطناعي، لم يعد بإمكان أي دولة أن تقيس مكانتها كقوة إقليمية، أو دولية، بالاعتماد فقط على عوامل القوة التقليدية (الصلبة)، إذ باتت تحتم المعطيات امتلاك الدول للقوة السيبرانية، التي أزاحت العديد من عناصر القوة التقليدية من مكانها، حيث لم يعد امتلاك الدول للأموال والثروات والقدرات العسكرية والجغرافيا الشاسعة كافيا لبلورة دورها كقوة فاعلة ومؤثرة وذات نفوذ في السياسات العالمية.

اليوم تسعى كثير من الدول لامتلاك القدرات السيبرانية، وباتت هذه الأخيرة تأخذ شكلًا جديدًا في طبيعتها ووسائلها وأدواتها، ونرى اليوم أن الصراع الدولي يتجه بالأساس نحو المغالبة والتنافس في ساحة الإنجازات التكنولوجية التي غيرت من شكل الحروب وأدواتها وأثرت على الفاعلين بها، وساهمت في إعادة التفكير في حركية وديناميكية الصراع.

خلاصة

إن الثابت اليوم في العلاقات الدولية وتوازنات القوى أن الحرب الباردة والصراع السياسي والتجاري بين الأقطاب في العالم تحوّل إلى حرب سيبرانية صامتة، وقد تكون مدمرة في الأعوام المقبلة؛ من هنا بدأت دول العالَم، الواحدة تلو الأخرى، تستكشف الخيارات المتاحة لتعزيز قدراتها الهجومية في الفضاء السيبراني، وقد أعدت دول كثيرة عدتها للتحول إلى مرحلة جديدة لإعادة حساباتها ومراجعة أولوياتها حتى تكون على أهبة الاستعداد للتعامل مع حروب المستقبل التي بالضرورة مبنية على مخرجات تكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، وأضحى من يسيطر ويحكم قبضته على الفضاء الرقمي هو من يفوز بالرهانات المستقبلية.

باتت السيبرانية مجالا آخر لاستعراض القوى وممارسة النفوذ وتحقيق التفوق والتنافس الدولي، فلم تعد ترسانات الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل هي المعيار الأساس لقياس القوة بعد الثورة المعلوماتية، هذا مع العلم أن امتلاك ناصية القوة (السيبرانية) يتطلب أيضا من الباحثين إيجاد نماذج لقياس مؤشراتها وتصنيفها كما هو الحال للقوة الصلبة، لأن بناء أدوات تقيس قدراتها سيساهم في فهم هذا الفضاء البالغ الأهمية لتحسين الإستراتيجية والسياسات الإلكترونية للدول، مع التذكير أن تدفق المعلومات التي تمارسها دول متقدمة اليوم تحمل في طياتها تهديدات ومخاطر جديدة على معظم دول العالم الثالث، ومنها عالمنا العربي، الأمر الذي يحتّم عليه تحصين أمنه والحفاظ عليه وسط جو عاصف من المتغيرات والتطورات المعلوماتية الكبيرة.