طالبان على أبواب الإمارة الثانية | (6) ثمن الحرب وأوليات إعادة البناء

مقاتلون من حركة طالبان (الأوروبية)

منذ الانقلاب على الملك محمد ظاهر شاه عام 1973، وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، عانت أفغانستان والشعب الأفغاني من ويلات الحروب والصراعات المسلحة المتتابعة ما لم تعان منها أمة من الأمم المعاصرة، قبل أن تنفجر الصراعات المسلحة في بعض دول الربيع العربي. وأخيراً انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان بعد 20 عاماً من الاحتلال، ضمن اتفاقية وقعتها مع حركة طالبان لإحلال السلام في أفغانستان نهاية فبراير 2018.

وأياً كانت دوافع الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، فإن طالبان استعادت السلطة في أفغانستان قبل حوالي شهرين، وأصبحت من جديد المسؤول الأول عن إدارة الدولة وتحقيق مصالح الشعب، فهل تتمكن طالبان من إيقاف طاحونة الحرب في أفغانستان؟ وهل تنجح في إحلال السلام وتحقيق الاستقرار، ومواجهة استحقاقات المرحلة القادمة؟

 

إحلال السلام في أفغانستان يقف على رأس أولويات المرحلة الانتقالية الراهنة، وبدونها لا يمكن السير قدماً في بناء الدولة، وعلى طالبان أن تضع في اعتبارها أن تكون الحرب الأميركية هي آخر الحروب، للعقود الثلاثة القادمة على أقل تقدير، حتى تتمكن من اجتياز المرحلة الانتقالية بأمان، وتؤسس الاستقرار اللازم لبناء الدولة.

في المقالات الخمس السابقة من هذه السلسلة، تناولنا بنود اتفاقية إحلال السلام في أفغانستان، التي وقعتها طالبان مع الولايات المتحدة الأميركية، وما أثير من حديث حول الملاحق السرية المتعلقة بها، وشخصية المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد، ووقفنا عند طبيعة الانتصار الذي حققته طالبان، وطبيعة الهزيمة التي لحقت بالولايات المتحدة بعد 20 عاماً من الاحتلال. ونختم هذه السلسلة بالحديث عن الثمن الذي تدفعه أفغانستان في هذه الحروب، وقدرة طالبان على مواجهة تحديات المرحلة القادمة.

الثمن الذي قدمه الشعب الأفغاني

كثيرا ما ينسى القادة السياسيون والعسكريون أن البطل الرئيسي الذي يقف وراء انتصاراتهم، ويتحمل مرارة هزائمهم هو الشعب، الشعب الذي يقدم الجنود، ويتحمل معاناة الحرب، ويقف وراء القادة بانتظار أن تتحقق آمالهم وآمال أطفالهم وأطفال أطفالهم من بعدهم.

لقد قدم الشعب الأفغاني على أيدي الاحتلال السوفياتي والحكومات الشيوعية المحلية الموالية له، في ثمانينيات القرن الماضي، حوالي 1.8 مليون قتيل، و1.5 مليون معاق، و7.5 ملايين لاجئ، وتدمير حوالي 14 ألف قرية، لشعب ثلاثة أرباعه يعيشون في الريف.

وعلى أيدي الاحتلال الأميركي وحلفائه والحكومات المحلية الليبرالية الموالية له، قدم الشعب الأفغاني 165 ألف قتيل من المدنيين وقوات الحكومات المحلية وطالبان، وحوالي مثلهم من المصابين والمعاقين. إضافة إلى 4 ملايين نازح داخل أفغانستان، و2.6 مليون لاجئ موزعين على أكثر من 70 دولة.

كثيراً ما ينسى القادة السياسيون والعسكريون أن البطل الرئيسي الذي يقف وراء انتصاراتهم، ويتحمل مرارة هزائمهم هو الشعب، الشعب الذي يقدم الجنود، ويتحمل معاناة الحرب، ويقف وراء القادة بانتظار أن تتحقق آمالهم وآمال أطفالهم، وأطفال أطفالهم من بعدهم

أفغانستان حالياً من أكثر الدول معاناة في العالم، بنسبة تصل إلى حوالي 90%، حيث تشهد انهياراً شاملاً في المرافق والبنى التحتية والخدمات الأساسية، وانخفاضاً كبيراً في معدلات التنمية في شتى المجالات.

عندما استولت طالبان على السلطة عام 1996، كان عدد الشعب الأفغاني حوالي 13 مليون نسمة، وعندما استلمت السلطة في أغسطس/آب الماضي كان هذا العدد قد تضاعف 3 مرات، تحت وطأة الحرب والمعاناة، ولم تكن هذه الزيادة -من قبل- في حسابات طالبان التي كانت منشغلة بمقاومة الاحتلال. هذا الشعب الذي قدم التضحيات وعانى من ويلاتها، ورحّب بعودة طالبان، ينتظر من قادتها أن يضعوه على رأس الأولويات، وأن يجعلوه محور الاهتمام، في الخطط والبرامج، والاتفاقيات، والمشروعات الحالية، والمستقبلية.

أولويات المرحلة الانتقالية

تقف طالبان على أبواب مرحلة جديدة، تتطلع فيها إلى ترسيخ دعائم "إمارة أفغانستان الإسلامية". هذه المهمة الصعبة تمرّ بمرحلتين أساسيتين، انتقالية ودائمة، تضعان الحركة أمام أولويات كثيرة، تواجهها العديد من التحديات الداخلية والإقليمية والدولية.

أما المرحلة الانتقالية، والتي يفترض ألا تزيد على 3 سنوات على أكثر تقدير، فتتلخص أبرز أولوياتها فيما يأتي:

أولاً: إحلال السلام

وتقف هذه الأولوية على رأس سائر الأولويات، وبدونها لا يمكن السير قدماً في بناء الدولة، وعلى طالبان أن تضع في اعتبارها أن تكون الحرب الأميركية هي آخر الحروب، للعقود الثلاثة القادمة على أقل تقدير، حتى تتمكن من اجتياز المرحلة الانتقالية بأمان، وتؤسس الاستقرار اللازم لبناء الدولة. وهذه الأولوية تحتاج إلى القيام بعدة إجراءات حاسمة يأتي على رأسها:

  1. تحويل قوات الحركة من مجموعات جهادية مقاتلة إلى قوات نظامية ذات عقيدة عسكرية وأمنية وطنية منضبطة.
  2. إحكام السيطرة الأمنية على كافة الولايات الأفغانية، وعدم السماح بوجود أي مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة تحت أي انتماءات أو مسميات.
  3. معالجة كافة مظاهر التسلح الحزبي والقبلي التي كانت في المرحلة السابقة.
  4. وضع خطة تدريجية لاستيعاب قوات الأمن والجيش الأفغاني السابق، ضمن العقيدة العسكرية والأمنية الوطنية الجديدة، حتى لا تتحول إلى عنصر تهديد مستقبلي، ومصدر قادر على التحريض، وإثارة القلاقل، وتنفيذ الأعمال الكيدية.

ثانياً: تعزيز الأمن

وهذه الأولوية تتمة لازمة للأولوية السابقة، من أجل تعزيز إحساس المواطنين بالأمان الشخصي على أنفسهم، وعائلاتهم، وأطفالهم، وأرزاقهم، في حلّهم، وترحالهم. ولتحقيق ذلك لا بد من القيام بما يأتي على سبيل الأولوية:

  1. فرض النظام والقانون، وهذا الأمر بحاجة إلى الإسراع في مراجعة النظام والقانون القائمين، وإدخال التعديلات اللازمة، وتعميمهما على الشعب وكافة الجهات المعنية، ومراقبة العمل بمقتضاهما.
  2. تفعيل النظام القضائي، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، دون محاباة أو مواربة.
  3. القضاء على الأعمال التي تزعزع الأمن، كالسرقة، والبلطجة، وقطع الطريق، وفرض الإتاوات، واحتكار السلع والخدمات، والقضاء على الفساد الإداري والمالي بكل مستوياته.
  4. القضاء على الجيوب الإرهابية التي تعيق المسيرة وتروّع الآمنين.

ثالثاً: الإنعاش العاجل

أفغانستان بحاجة ماسة إلى القيام بخطوات إنعاشية عاجلة لتحسين حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، في التعليم والصحة والعمل، وتوفير الماء والغذاء والطرق والمواصلات، بما يبعث الأمل في صدور المواطنين ببدء مرحلة الاستقرار الفعلي.

وتعتمد هذه الأولوية -بشكل أساسي- على العامل الاقتصادي، والخبرات الفنية المتخصصة. وأمام الضغوط التي تحاول الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فرضها على طالبان، فإن بإمكان الحركة الاستعانة بخيارات بديلة تساهم في تنفيذ هذا الإنعاش، ومن ذلك:

  1. استنهاض همم التجار والمستثمرين الأفغان.
  2. دعوة الدول الصديقة، وعلى رأسها باكستان وقطر وتركيا، للمساهمة في سد احتياجات المرحلة الراهنة.
  3. دعوة دول الجوار الإقليمي، وعلى رأسها الصين وإيران وطاجكستان وأوزبكستان.
  4. دعوة الشركات الاستثمارية، العربية والإسلامية، للاستثمار في أفغانستان.
  5. دعوة منظمات الإغاثة الإنسانية الأفغانية والعربية والإسلامية والدولية، لبذل أقصى ما في وسعها للمساهمة والوقوف إلى جانب الشعب الأفغاني.

وهذا الأمر يحتاج من قادة طالبان الإسراع في التواصل مع هذه الأطراف، وترتيب الآليات المناسبة لذلك، إضافة إلى تقديم التسهيلات والامتيازات والضمانات المشجعة لهذه الأطراف على تحمل تبعات المخاطرة، في ظل الظروف الانتقالية الاستثنائية الراهنة التي لا تخلو من القلق والتردد.

رابعاً: استمالة القوى الأفغانية السابقة

إن إدارة الظهر للقوى الرئيسية المكونة للمشهد السابق في أفغانستان، هو من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها طالبان في المرحلة الانتقالية، وعلى طالبان استمالة هذه القوى وإشراكها في الهم الوطني العام، وتسخيرها لصالح إنجاح المرحلة الانتقالية، والاستفادة -ما أمكن- من تخصصاتها وخبراتها في مشروعات الفترة الانتقالية، وذلك لقطع الطريق على الأطراف الخارجية من استغلال حالة الخصومة والسخط الذي قد تقع فيها هذه القوى بسبب تهميش طالبان لها، وفي مقدمة هذه القوى:

  •  القوى السياسية، الحديثة منها والقديمة، على اختلاف توجهاتها.
  • القوى الاجتماعية، القبلية والعرقية والمدنية.
  • النخب المؤثرة اقتصادياً وإعلامياً وأكاديمياً.

كانت هذه أبرز أولويات المرحلة الانتقالية من وجهة نظر كاتب المقال، وبقي هناك العديد من الأولويات التي لا بد من تحقيق إنجازات مقدّرة فيها، كالإعلام والتعليم والتواصل الاجتماعي والحريات وإدارة الدولة داخلياً وخارجياً.

أولويات المرحلة الدائمة

أما أولويات المرحلة الدائمة، فهي لا تقل أهمية عن أولويات المرحلة الانتقالية، وتنتظرها العديد من التحديات التي تفوق في خطورتها تحديات المرحلة الانتقالية، ولكن نجاح طالبان في اجتياز المرحلة الانتقالية وتحقيق أولوياتها بجدارة واقتدار، سيؤسس لتحقيق أولويات المرحلة الدائمة ووضع الدعائم الراسخة التي تقوم عليها دولة أفغانستان الإسلامية. وسنرجئ الحديث حول أولويات هذه المرحلة لوقت لاحق، في انتظار معرفة ما ستحققه حركة طالبان من أولويات المرحلة الانتقالية، وما ستقوم به للتغلب على تحدياتها.

إن أولويات المرحلة الانتقالية التي أمام حركة طالبان، أكبر بكثير من طاقتها وقدراتها، وإن عملية إحلال السلام الدائم في أفغانستان، تحتاج إلى تضافر جميع القوى الأفغانية، وإن وجود طالبان على رأس السلطة لا يعفي بقية القوى الأفغانية من القيام بدورها الوطني في هذه المرحلة التاريخية الحساسة، لضمان الإيقاف التام الشامل للحرب، وإحلال السلام، وإطلاق قطار البناء والتنمية. فإن بناء جسر عبور فوق أحد الأنهار يحتاج من الوقت والجهد والبشر والنفقات أكثر بآلاف المرات مما يحتاجه تدمير هذا الجسر.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة