عثرات الكتابة السردية!

مدونات - الكتابة
التخطيط الجيد للعمل قبيل البدء به يُضيّق دائرة المخاطر إلى حد كبير (مواقع التواصل الاجتماعي)

لعل الهاجس الأكبر أمام كل روائيّ حينما يخوض في كتابة عمله هو الإمساك بخيط السرد مشدودًا من دون هنات أو ترهل أو فقدان للوجهة، وهذا أمر تحكمه أشياء كثيرة بعضها مما ينبغي عمله وأخرى يلزم تفاديها. فكأنه والحال هذه، يسير في منحنيات زلقة بعضها متوقع والآخر طارئ، وبقدر ما يتحرك قدما صوب وجهته، يتنازعه الخوف من احتمال التعثّر والسقوط.

التخطيط الجيد للعمل قبيل البدء به يُضيّق دائرة المخاطر إلى حد كبير، ومع هذا فإنّ الكتابة بطبيعتها مخاتلة يمكن أن تفلت في أيّ مرحلة ما إذا فقد الكاتب انتباهه وإمساكه بمفاصل النص ووعيه بما يفعل وما هو مقدم عليه.

 

قد تسقط الكتابة في مأزق الوهن أيضا رغم فعل كل شيء على نحو جيد، لكنها تلك الجودة التي استخدمت كثيرًا حد الابتذال. هناك من يتشرّب الكتابة الصحيحة كما فعلها كثيرون، يسير على النهج نفسه لغة وبناء، يخلق شخصيات أو يعيد خلقها بالأحرى، فتبدو الكتابة في مرتها الأولى ممضوغة فاترة

تفلت الكتابة عادة إذا انقاد الكاتب إلى إغراء قول كل شيء، فالحكايات والمعارف يفضي بعضها إلى بعض، فتتلاشى الحدود وتعظم الرغبة في المواصلة، والحصافة هنا تقتضي معرفة وقت التوقف والاكتفاء بشيء على حساب أشياء، وحتى الحكاية الجيدة قد لا تصلح في سياقات ما وهذا أمر ينبغي للكاتب الانتباه إليه وحسمه بصرامة؛ كل شيء قد يقود آخر الأمر إلى لاشيء!

على مقربة من المشكلة السابقة تظهر أخرى وتتقاطع معها وهي سوء توزيع الكتل، سواء في ما يخص الأحداث أو حضور الشخصيات، إذ ينبغي أن يكون التوزيع بقصدية تامة فلا تحضر حكاية أو تنال شخصية أكثر مما تستحق في سياق النص أو متطلباته؛ الأولوية دائما للشخصيات الرئيسة ولخطاب الرواية الأساسي ثم تتقلّص المساحات بالتدرج. وقد يحدث، وهنا الإشكال، أن تطغى أحداث أو شخصيات أقل أهمية فقط لأنها منطقة الكاتب المفضلة معرفة أو شعورًا.

ومن الأمور التي توهن خيط السرد الخروج من بيئة العمل إلى بيئة أخرى، ويحدث ذلك عبر اللغة حينا وعبر أفكار وسلوك الشخصيات حينًا آخر. فيجب مثلا ألا تتسلّل الأفكار الطارئة في وقتنا هذا إلى رؤوس شخصيات عاشت في زمن أقدم، أو مكان تختلف أولوياته، فقط لأنها الطريقة الرائجة اليوم للنظر إلى الأمر؛ ينبغي للكاتب أن يسأل نفسه مرارًا عن الطريقة الأكثر إقناعًا التي كان بطله سيفكّر أو يتصرف بها تبعًا لزمنه وسياقات مجتمعه، لا أن يسقط عليه أفكار وتصرفات اليوم.

وقد تسقط الكتابة في مأزق الوهن أيضا رغم فعل كل شيء على نحو جيد، لكنها تلك الجودة التي استخدمت كثيرًا حد الابتذال. هناك من يتشرّب الكتابة الصحيحة كما فعلها كثيرون، يسير على النهج نفسه لغة وبناء، يخلق شخصيات أو يعيد خلقها بالأحرى، فتبدو الكتابة في مرتها الأولى ممضوغة فاترة يعرفها القارئ فلا تضيف إليه شيئًا؛ إنها الكتابة الثانية على الدوام مهما تعددت موضوعاتها.

لكن في المقابل هناك من يضع بصمته ويفعل الأمور الجيدة بطريقته لكنه يبالغ في اللجوء إلى مصدر تفرده، فيستثقل القارئ تلك الشقلبات سواء أكانت سردية أم لغوية.

ومما يوقع في المآزق أثناء الكتابة هو عدم ألفة الكاتب مع حكايته ألفة كافية، فيحدث أن تطرأ أفكار جيدة في منتصف العمل يتطلب إدخالها إدخالًا صحيحًا يتّسم بالفهم الوافي لأثرها في الحكاية وأبطالها. عدا ذلك سيظهر الارتباك ولا شك في بنية النص، ويمكن طبعا تفادي المشكلة بتفاوت من دون تلك الألفة تبعًا لخبرة الكاتب وتمرّسه.

ويحدث أن يرسم الكاتب خطته في خطوطها العريضة تاركًا كثيرًا من التفاصيل للحظة الكتابة، وهذا لا بأس به شريطة ألا تأتي تلك التفاصيل متعجلة مبتورة فتتسع الفوارق بين الأجزاء المخطط لها وتلك المتروكة لوقت التنفيذ. ويتفاوت الكتّاب في القدرة على توليد الحكايات الصغيرة أثناء الكتابة، وتبعا لذلك التفاوت ينبغي أن يكون مستوى التخطيط ودقته والمناطق التي يصل إليها تفاديًا لإفلات النص من يد كاتبه.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة