حسن حنفي ومشاريع قراءة التراث (1)

المفكر المصري "حسن حنفي (الجزيرة)

كتب الراحل حسن حنفي في مذكراته "أتمنى أن أدفن بجوار من أحببت طيلة حياتي،… أتمنى أن تكون ضغطة الموت خفيفة؛ فقد تعبت في حياتي وأرجو ألا أتعب في وفاتي. وأتمنى أن ألقى من كتبت عنهم: فشته وبرجسون والأفغاني وإقبال. وأتمنى أن ألقى أساتذتي عثمان أمين وجان جيتون، وطلابي نصر حامد أبو زيد وعلي مبروك. وأتمنى أن أرى أولادي… وأحفادي… أتمنى أن يغفر الله الذنوب ويعفو عني، وأن آتيه بنية صافية (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). أتمنى ألا يكون في القبر وحشة بل أنس. أتمنى أن أرى النور في الظلام؛ نور القلب في ظلام المكان. أتمنى أن أشم رائحة الورود بدلا من رائحة الجسد المتحلل. أتمنى يكون اللقاء الأخير معك أنت دون رؤية بصرية بل يكفي حضورك وحديثك. أتمنى أن تعفو عني في جميع من آذيتهم عن غير قصد. أعود إليك صافيا مثل آدم ومحمد (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)".

يعبر هذا النص -بدقة- عن شخصية حنفي على المستويين الشخصي والفكري، فهو يجمع بين نوازعه الإنسانية المختلفة؛ الطبيعية والفلسفية والدينية، وهي التركيبة التي وسمت مشروعه المركب من مكونين؛ فكري وسياسي، حاول فيه أن يؤلف أو يمزج بين الإسلام والماركسية، وبين التراث والتجديد، وبين النص والواقع، وبين المشروع النظري والمشروع السياسي. وقد التقط هذه التوليفة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله تعالى- حين عبر حنفي في ملتقى الجزائر سنة 1981 عن بعض أفكاره التي كان قد دونها في المقدمة النظرية لمشروعه الذي حمل عنوان "التراث والتجديد" سنة 1980.

يمثل حنفي -برأيي- آخر أصحاب المشاريع الكبرى في قراءة التراث، والتي شاعت منذ سبعينيات القرن الماضي بعد هزيمة حزيران 1967 التي تركت أثرا بالغا، وخاصة في نفوس وعقول النخبة "التقدمية" آنذاك.

دعا حنفي في تلك المقدمة -والمحاضرة أيضا- إلى التحول من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ومن لغة اللاهوت (إله، رسول، ثواب، حساب، عقاب، ملاك، شيطان،…) إلى لغة "أكثر عقلانية وانفتاحا وإنسانية" (الإنسان، العقل، النظر، العمل، الفضيلة…). فهو يرى أن اللغة الأولى لغة مغلقة وخاضعة للرمز الديني، بينما الثانية يمكن لأي فرد -أيا كانت ثقافته- أن يعقلها. وهو يظن أنه بهذا يصوغ "بدائل تقدمية مكان البدائل السائدة" في التراث والوعي الديني، وهو في واقع الأمر كان يستخدم التصورات واللغة السائدة في زمنه بل في وسطه الأيديولوجي.

استمعت النخبة الفكرية والدينية في الملتقى لحنفي وهو ما أثار جدلا في حينها، فقد اعترض عليه الزرقا قائلا "كل من يقرأ محاضرتك لا يخرج منها إلا بأنك تريد أن تُزلق الفكر الماركسي وتدسّه في تفسير القرآن"، وقد أيد اقتراح محمد المبارك عدم إدراج نص محاضرة حنفي ضمن أعمال الملتقى المطبوعة؛ مطالبا له بتقويم "ما فيها من اعوجاج، وحذف ما فيها من ضلالات"؛ لأن مقتضى كلام حنفي -بحسب الزرقا- التسوية بين المؤمن والكافر، وأن تتحول مسائل الإيمان والكفر إلى مجرد رياضة فكرية أو فلسفيّة.

يمثل حنفي -برأيي- آخر أصحاب المشاريع الكبرى في قراءة التراث، والتي شاعت منذ سبعينيات القرن الـ20 الماضي بعد هزيمة حزيران 1967 التي تركت أثرا بالغا، وخاصة في نفوس وعقول النخبة "التقدمية" آنذاك. وقد توسلت تلك المشاريع بمرجعيات مختلفة، وحرّكتها مقاصد متنوعة، ولكن جمعتها الأيديولوجيا والآمال العريضة التي أقنعت أصحابها أن بإمكان واحد منهم -منفردا- أن يعيد تقويم معارف خصبة وثرية لأمة ممتدة في الزمان والمكان والحقول والتخصصات، أي أن إنتاج أمة وأجيال من العلماء والمتخصصين عبر القرون وفي مختلف المجالات يمكن أن يؤول إلى صياغة فردية يتولاها مفكر فرد يعيد تقديمها لأمة العصر الحاضر ليغير مجرى الحاضر ويصوغ المستقبل.

ضمت تلك المشاريع أسماء مثل حسين مروة وطيب تيزيني ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري، إلى جانب حسن حنفي الذي رحل عنا قبل أسبوع. وهي مشاريع لديها مواقف مختلفة مما سمته "التراث"، وهو اصطلاح يَضيق تارة ليشمل العلوم التي نشأت في الحضارة الإسلامية حول النص الديني فقط، ويتسع أخرى ليضم إلى تلك العلوم نصوص الوحي نفسه (قرآنا وحديثا)، وقد كانت جميع المشاريع مشغولة بسؤال النهضة أو الحداثة أو التقدم أو العقلنة على اختلاف التسميات.

وولدت تلك المشاريع في ظل صراعات سياسية وأيديولوجية حفلت بها الأوساط الفكرية والثقافية والدينية بين سبعينيات القرن الماضي وتسعينياته، وقد تحول معها التراث الإسلامي -برمته- إلى مستوى جديد انفتح فيه على قراءات تأويلية كثيفة ومتضاربة في الوقت نفسه تعكس أيديولوجيات قارئي التراث وأولوياتهم هم، ومن ثم اختلط فيه المعرفي بالأيديولوجي، أي تلاشت الحدود الفاصلة بين التراث (منظورا إليه من داخله ووفق مناهجه ومفاهيمه وآلياته)، وبين تحيزات وتوجهات القائمين على قراءته، وهي توجهات سابقة على قراءة نصوص التراث نفسه، ومدفوعة بأفكار وتيارات ومناهج غربية من نخبة درس بعضها في أوروبا وتتلمذ بعضها الآخر على منتجات الفكر الغربي فعصفت به أفكارها وبدلت حاله ووجدانه.

وخلال الحرب الباردة (بين أربعينيات القرن الماضي وتسعينياته) هيمن نموذجان للحل؛ هما الاشتراكي التقدمي والرأسمالي الرجعي، وكانت دولة الاستقلال في العالم العربي (وقد استقلت الدول العربية بين عامي 1940-1960) قد قادت إلى تهميش التراث وحركات إحيائه التي سادت في النصف الأول من القرن الـ20، وفي الستينيات تنامى التحول نحو الاشتراكية الثورية وتفاقمت -على إثره- القطيعة بين الإسلاميين والدولة التي سميت "وطنية" أو "قومية"، ثم جاءت هزيمة 1967، فـ"انكسرت آمال وسُدّت آفاق وتحطمت آراء ونظريات، وانطرح البحث في المسلّمات السياسية والفكرية والاجتماعية لدى كلّ ذي لبّ"، بحسب تعبير أستاذنا طارق البشري -رحمه الله- الذي كان من ضمن من تحوّلوا من الفكر اليساري إلى الفكر الإسلامي في السبعينيات التي شهدت اعترافا من جانب بعض التقدميين بضرورة بناء ثقافة عربية ذاتية تعيش العصر وهمومه ومشكلاته، ولا تتنكر لذاتها وخصوصيتها الثقافية والحضارية.

وفي هذا السياق ظهرت أعمال عديدة تتناول سؤال النهضة وتعرض "التراث" بوصفه "إشكالية" من جهة، وساحة للصراع الأيديولوجي ضد "الرجعية الدينية" (ممثلة بالإسلام السياسي) من جهة أخرى. وقد كان الإسلام السياسي يعارض الحلين المعروضين معا، ويعرض حلا ثالثا هو "الحل الإسلامي". وربما اعتبر بعض حَمَلته أنفسهم امتدادا لإصلاحيي القرن الـ19 الذين حاولوا -بدءا من رفاعة رافع الطهطاوي ثم محمد عبده ومدرسته- إيجاد صلة بين المعطيات الثقافية الغربية ومحتوى الإسلام ممثَّلا بتراثه، وهي الفكرة التي ولّدت -في حينها- الصراع بين الحديث الوافد والقديم الموروث.

وقد أوجدت مشاريع قراءة التراث مقاربات متعددة يمكن أن نميز فيها بين 3 مقاربات:

المقاربة الأولى: ثورية أو تثويرية، وتتضمن توجهين؛ الأول انتقائي حاول إبراز الجوانب التقدمية في التراث بما ينسجم مع التوجهات الثورية السائدة في مرحلة السبعينيات كما نجد لدى حسين مروة (1974)، ومحمد عمارة في مرحلته الأولى (1974)، وطيب تيزيني (1978). والثاني تركيبي حاول إعادة بناء علوم الإسلام لتتلاءم مع الواقع وتخدم حاجات الحاضر في التأسيس لنهضة شاملة على مقاس تصورات أصحابها وانحيازاتهم، كما نجد لدى حسن حنفي على وجه الخصوص. والسمة الغالبة لهذا التوجه هي الأفكار الماركسية التي شكلت -فيما بعد- مرجعية محمد شحرور الذي حاول في التسعينيات إعادة صياغة إسلام جديد بأصوله وأركانه وأحكامه ويوضح لنا الشريعة التي لم نفهمها لا نحن ولا أجيال العلماء لقرون مضت!.

المقاربة الثانية: تفكيكية؛ بهدف تحرير "العقل الإسلامي" من سلطة الماضي المتمثلة في النص الديني والنص التراثي عامة؛ وهي خطوة ضرورية للتحديث المنشود كما نجد لدى محمد أركون من خلال مشروعه الذي سماه "الإسلاميات التطبيقية" والتي طبق فيها جملة كثيفة من المفاهيم والمناهج الغربية.

المقاربة الثالثة: مقاربة تجزيئية تقويمية، تفتش في "العقل العربي" عن الجذور والأصول، وتبحث في عناصره ومكوناته المختلفة بمفاهيم غربية أنتجت لتراث غير التراث وفي سياق غير السياق، لتنتقي منه الجوانب العقلية البرهانية وتستبعد ما عداها (أي البيان والعرفان). وترى هذه المقاربة أن العقلانية هي البداية الضرورية لتحديث "العقل العربي"، وأن التراث هو ساحة المعركة الحقيقية مع الإسلاميين لانتزاع سلطته منهم ومن ثم كسب الجمهور، ويمثل هذه المقاربة محمد عابد الجابري.

وهكذا تحول التراث إلى مشكلة وأداة في المعارك الأيديولوجية بعد أن كان لعقود سبقت حقبةَ السبعينيات عنوانا لنهوض ثقافيّ عام لا يجد أيّ حرج أو إشكال في العودة إليه أو إعادة نشره وإحيائه، وتحويله إلى فن علمي له تقاليده وقواعده، أو في تعميق الوعي به وبناء معارف جديدة على أساس منه، كما ساد لدينا في النصف الأول من القرن الـ20.

ولم يكن استشكال التراث -برمته- قاصرا على إعادة قراءته أو الانتقاء منه أو سحب سلطته من يد الإسلاميين في حمأة الصراع على الجمهور ومشاريع التغيير في العالم العربي؛ بل فرض أيضا -لدى فئة أخرى- التساؤل عن جدوى العودة إليه؛ إذ رأى فريق عربي في مجرد العودة إلى التراث مشكلة وتعبيرا عن سلطة ماضوية تناهض عمليات التحديث (أي رجعية إسلامية!)؛ بالرغم من أن مشاريع قراءة التراث لدى أصحاب تلك المشاريع كانت ذات نزوع نهضوي تغييري بغض النظر عن شكل ومرجعية ذلك التغيير.

ويمكن أن يُقرأ مشروع حنفي تحديدا على أنه محاولة للعودة إلى "أصول" تشكل وجدان الجمهور، ومن ثم حاول تحليل الوعي الديني الذي يراه أشبه بوعي مغترب في الزمان والمكان، وثمة حاجة إلى تحويله إلى وعي إنساني متناسق لإعادة بناء الحضارة، واكتشاف الإمكانات الذاتية عبر تغيير محاور الاهتمام متوسلا بإعادة بناء العلوم من أجل ذلك، في حين انشغل غيره من قراء التراث بمناهج التحليل البنيوي والتاريخي.

وبناء على هذه الرؤية الشعورية، يتم التمحور حول الإنسان بدلا من التمحور حول الله، وحول تحرير الأرض بدلا من التمحور حول توحيد الله، وهكذا…، فالجنة والنجاة تكون هنا على الأرض.

وضع حنفي مشروعا لنقد الحاضر والماضي والتوجه نحو الفردوس الأرضي المفقود، ولكن يبدو أنه عاد في الفقرة الافتتاحية التي كتبها في ذكرياته (1935-2018) إلى اللغة التي دعا هو نفسه إلى التحول عنها، وهي اللغة اللاهوتية التي سبق أن وصفها بالانغلاق، وهي لغة رؤية الله، وضغطة الموت، ووحشة القبر وأنسه، والمغفرة، والذنوب، والنور والظلام. نسأل الله لنا وله الرحمة.

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة