كافالا.. أزمة جديدة بين تركيا والغرب

رجل الأعمال التركي عثمان كافالا (الفرنسية)

استدعت الخارجية التركية سفراء 10 دول غربية لديها وسلمتهم تحذيرًا بسبب تدخلهم في عمل القضاء التركي، ثم هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعلانهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم ببلاده، قبل تراجعهم عن موقفهم، إثر بيان مشترك لهؤلاء السفراء بخصوص محاكمة رجل الأعمال التركي عثمان كافالا.

عثمان كافالا

ولد عثمان كافالا عام 1957 في باريس، ودرس في عدة جامعات، قبل أن يترك برنامج الدكتوراه خارج تركيا عام 1982 إثر وفاة والده ليتابع الأعمال التجارية لعائلته، وفي مقدمتها مجموعة كافالا.

كما أسس كافالا في ثمانينيات القرن الماضي مؤسسة "الأناضول للثقافة"، ويرأس مجلس إدارتها، وهو عضو في إدارة عدد من مؤسسات المجتمع المدني الأخرى المهتمة بالسياسة والثقافة والتاريخ، إضافة إلى عضوية وقف "المجتمع المنفتح" التابع لرجل الأعمال المجري المعروف جورج سوروس.

في البعد السياسي؛ تخطى السفراء حدود عملهم وفق ما تنص عليه اتفاقية فيينا، متدخلين بشكل مباشر في شؤون تركيا الداخلية، مصدرين بيانًا كأنه يملي على القضاء التركي ما ينبغي فعله أو يعطيه تعليمات باتجاه ما

أوقف عثمان كافالا في أكتوبر/تشرين الأول 2017 بتهم تمويل وإدارة أحداث "جزي بارك"، وهي احتجاجات على حديقة وسط مدينة إسطنبول في 2013 تحولت لأعمال شغب، وعدَّتها الحكومة حينها محاولة لإسقاطها.

في أكتوبر/تشرين الأول 2019 صدر قرار ببراءة كافالا من تهمة "محاولة إسقاط النظام الدستوري" وإطلاق سراحه، كما صدر قرار ببرائته في قضية "جزي بارك" في فبراير/شباط 2020، لكن اعتقاله تم تمديده بتهم تتعلق بالتجسس والمحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016، وما زال معتقلا على ذمة القضية حتى اللحظة.

لجأ كافالا إلى المحكمة الدستورية ضمن بند "الطلبات الفردية"، ملتمسًا إطلاق سراحه من باب انتهاك حريته وأمنه، لكن المحكمة ردت الدعوى. ثم تقدم بطلب مماثل لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية التي رأت في قرارها الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2019 أن سجن كافالا سياسي، و"عقاب له على معارضته الحكومة"، مشيرة إلى أن استمرار اعتقاله انتهاك لحقوقه، وطالبت بـ"إطلاق سراحه فورًا"، وهو ما لم يحصل.

وفي فبراير/شباط 2021، أبطلت محكمة الجزاء رقم 3 في إسطنبول قرار البراءة بحق كافالا و8 متهمين آخرين في ما يتعلق بقضية "جزي بارك"، مما يعني استمرار محاكمته في عدة قضايا دُمجت مع بعضها البعض.

السياسي والقانوني

في 18 من الشهر الجاري، أصدر سفراء الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا وهولندا والدانمارك والسويد والنرويج وفنلندا وكندا ونيوزلندا بيانًا مشتركًا بخصوص عثمان كافالا. وقال البيان إن "تأجيل البت في القضية بشكل مستمر" عبر دمج قضايا مع بعضها البعض و"خلق" قضايا جديدة بعد قرار البراءة "يلقي بظلاله على مبادئ احترام الديمقراطية ودولة القانون والشفافية" لدى القضاء التركي. ودعا البيان تركيا إلى "إطلاق سراح عثمان كافالا فورًا"، معبرًا عن قناعة الدول العشر بضرورة إنهاء القضية بشكل عادل وسريع، و"بما يتناسب مع مسؤوليات تركيا الدولية وقوانينها المحلية".

الخارجية التركية استدعت السفراء والقائمين بالأعمال مصدري البيان، وحذرتهم بخصوص "التصريح المرفوض والمتجاوز" للحدود في ما يتعلق بمسار قانوني يقوم عليه القضاء التركي. ونبهتهم الخارجية -وفق بيان لها- بأن هذا التصريح الذي يسعى "لتسييس القضايا القانونية ومحاولة الضغط على القضاء التركي" مرفوض، وأنه يتناقض مع سيادة القانون والديمقراطية واستقلال القضاء التي "تدّعي السفارات المعنية" أنها تدافع عنها. كما لفت بيان الخارجية التركية الأنظار إلى "ازدواجية معايير وعدم مصداقية" من تجاهلوا قرارات عديدة أصدرتها محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بحق دول أخرى ولم تطبق منذ سنوات، في حين يركزون على القضايا المتعلقة بتركيا، وقضية كافالا على وجه التحديد.

وقال أردوغان إن بلاده "لا تملك رفاهية" الإبقاء على هؤلاء السفراء على أراضيها، ثم قال إنه أصدر تعليماته لوزارة الخارجية بإعلانهم شخصيات غير مرغوب فيها (Personna Non Grata) في تركيا، وهو التوصيف الدبلوماسي لـ"طرد" سفير دولة ما من أراضي دولة أخرى.

وفي البعد السياسي؛ تخطى السفراء حدود عملهم وفق ما تنص عليه اتفاقية فيينا، متدخلين بشكل مباشر في شؤون تركيا الداخلية، مصدرين بيانًا كأنه يملي على القضاء التركي ما ينبغي فعله، أو يعطيه تعليمات باتجاه ما.

هذا التجاوز الدبلوماسي ليس الأمر الغريب الوحيد الملفت في الأمر؛ فالدول التي وقّعت سفاراتها على البيان ليست كلها أعضاء في الاتحاد الأوروبي ليقال إن البيان من باب "وصاية" الأخير على تركيا بعدِّها طالبة للانضمام له وتحت التقييم، ولا هي كلها أوروبية حتى ليقال إنها معنية بقرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية.

يضاف إلى ذلك أن البيان أتى جماعيًّا وليس موقفا منفردا لكل دولة على حدة، فضلا عن تصديره على ألسنة سفراء تلك الدول في تركيا وليس وزارات الخارجية مثلا، وهو أمر ملفت في حد ذاته، ويطرح علامات استفهام حول الهدف الرئيسي للبيان.

أحد الذين طرحوا التساؤلات الكاتب التركي كمال أوزتورك، حيث لفت إلى أن البيان بهذا الشكل ليس في مصلحة كافالا وقضيته، بل إنه يحرج المدافعين عنه، خاصة أن البيان بدا كأنه يملي على القضاء التركي ما يفعل ويعطيه تعليمات، وهو أمر -وفق أوزتورك- تدركه هذه الدول بالتأكيد، وبالتالي لا يبدو أن مساعدته هي الهدف الرئيسي.

أما قانونيًّا؛ فلا شك أن هناك ثغرات في قضية كافالا، وغيره من الموقوفين، لا ينفيها كثير من الحقوقيين والساسة الأتراك، وهي ثغرات تسللت من خلالها تصريحات السفراء الغربيين. وفي مقدمة هذه الثغرات اثنتان: الأولى طول فترة الاعتقال على ذمة القضايا ذات العلاقة، لا سيما أن هناك من يجادل بأن أسباب استمرار الاعتقال (مثل تغيير مسرح الجريمة أو التلاعب بالأدلة وغيرها) لم تعد قائمة بعد كل هذه السنوات، وأن هناك خيارات قانونية أخرى غير إطالة مدة الاعتقال. من جهة أخرى، فقد حدد مرسوم رئاسي المدة القصوى لذلك بـ5 سنوات في الجرائم المرتبطة بأمن الدولة والنظام الدستوري ودعم الإرهاب، مما يعني أن فترة اعتقاله تبقى في الإطار القانوني، لا سيما بحساب القضايا الجديدة التي يحاكم وفقها.

وأما الثغرة الثانية فهي عدم الالتزام بقرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، وهي محكمة تابعة لمجلس أوروبا (منظمة تضم 47 دولة، مختلفة عن المجلس الأوروبي أو مجلس الاتحاد الأوروبي) وقراراتها يفترض أنها ملزمة بموجب المادة 90 من الدستور التركي. ولذلك فإن عددًا من الشخصيات والأحزاب التركية -المعارضة تحديدًا- رفضت بيان السفراء لكنها دعت في الوقت نفسه للتنبه لهذه الثغرات وأشباهها وتصحيحها، لا سيما أن الحكومة تعمل حاليًا على حزمة إصلاحات قضائية.

انعكاسات

نزع البيان اللاحق الذي نشرته بعض السفارات الغربية حول التزامها باتفاقية فيينا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لتركيا فتيل الأزمة، وحال دون تنفيذ أنقرة تهديدها بإعلان السفراء أشخاصًا غير مرغوب فيهم على أراضيها؛ وبالتالي فلم يعد سيناريو طرد السفراء -وربما طرد تلك الدول سفراء تركيا لديها في المقابل والأزمة الكبيرة التي ستتسبب فيها تلك الخطوات، بما فيها ارتداداتها السياسية والاقتصادية- قائمًا، لكن ذلك يبدو حلاً مؤقتًا فقط.

فأنقرة ما زالت تنظر لكافالا على أنه "سوروس الأحمر" كما يطلق عليه، وأن مؤسساته الثقافية والحقوقية ما هي إلا غطاء لنشاطه الرئيسي المرتبط من جهة برجل الأعمال سوروس (المتهم عادة بمعاداة بعض الأنظمة ودعم الانقلاب عليها)، ومن جهة أخرى بدعم العمال الكردستاني، ويبدو أنها مقتنعة بأنه لعب أدوارا في تمويل وإدارة أحداث مثل "جزي بارك"، وربما الانقلاب الفاشل.

كما أن الدول الغربية -وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية- لن تتورع عن العودة لانتقاد تركيا في القضايا المشابهة، لا سيما في قضيتي كافالا والرئيس الأسبق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش.

ومن الأمور التي توحي بذلك بعض السوابق التي ارتبطت فيها مسارات قانونية بسياقات سياسية، وفي مقدمتها قضيتا الراهب الأميركي أندرو برونسون الذي أطلق سراحه بعد أزمة مع الولايات المتحدة في 2018 والصحفي الألماني (من أصل تركي) دنيز يوجال الذي أطلق سراحه بعد تدخل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في العام نفسه.

وفي المحصلة، فقد تجنبت تركيا أزمة كبيرة وربما قطيعة مع عدد من الدول الغربية في مقدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا، والتبعات المتوقعة لهاـ وخصوصًا على صعيد الاقتصاد، وقد سجلت انتصارًا نسبيا من خلال تراجع السفراء الغربيين عن بيانهم وإعلان التزامهم بحدود عملهم الدبلوماسي وعدم التدخل في الشؤون التركية الداخلية. لكن العلاقات التركية-الغربية ستبقى على ما يبدو قائمة على أساس مضطرب وقابل للاهتزاز بذرائع سياسية أو حقوقية أو اقتصادية حتى وقت غير قصير، وهو أمر تزداد أهميته وكذلك خطورته كلما اقتربت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، التي يُنظر لها على أنها استثنائية ومصيرية.