تركيا والعالم العربي.. رؤية واقعية ونظرة مستقبلية

Turkish President Recep Tayyip Erdogan
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الجزيرة)

تحتفل تركيا بالعيد 98 لتأسيس الجمهورية، وهي مناسبة عزيزة على الشعب التركي، الذي كافح لنيل استقلاله وتوحيد أراضيه في إطار الدولة الحديثة التي أسسها الغازي مصطفى كمال أتاتورك.

في مثل هذا اليوم، أعلن مصطفى كمال أتاتورك تأسيس الجمهورية التركية في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1923.

يكتسب الحدث أهمية كلما اقتربنا من الذكرى الـ100 لتأسيس الجمهورية، في ظل استعداد شعبي ورسمي لانطلاقة ناهضة نحو المستقبل، بعد قرن من النضال الشعبي شهدت فيه تركيا تحديات جساما، واستُهدفت في كيانها ووجودها بمحاولات انقلابية فاشلة، ليس آخرها ما حدث في يوليو/تموز 2016، لكن يقظة الشعب كانت بالمرصاد، ويظل هو الحارس الأمين للهلال يحتضن نجم الوطن، في مسيرة ترصعها دماء الشهداء؛ هكذا يرمز علم البلاد، ويحكي تضحياتها نشيد الاستقلال.

حين نستحضر هذه المناسبة العزيزة على قلوبنا لا نكتفي فقط بالنظر بإعجاب إلى الماضي ومآثره؛ فتركيا تدرك جيدا موقعها الإقليمي، وتتعاطى مع معطيات الواقع السياسي، وتفهم جذور المشكلات في منطقة ليست غريبة عنها.

تسعى تركيا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها إلى علاقات حسن جوار مع كل جيرانها، وتدعوهم إلى خارطة طريق نحو مستقبل تشاركي يحقق الرفاه والعدل للجميع، وغير خاف علينا شواهد خفض التوتر في الشرق الأوسط، في ما يمكن وصفه بالتهدئة العاجلة لحرائق سياسية ودبلوماسية حذرت تركيا مرارا وتكرارا من خطورة تداعياتها على الجميع.

تتمتع تركيا بحدود هي الأطول بريا مع جيرانها العرب في كل من العراق وسوريا، وإذا كانت هذه هي حقائق الجغرافيا، فوقائع التاريخ تنبئنا أيضا بأن ما يربطنا بالشعوب العربية ثقافيا ودينيا لا يمكن فصله أو القفز عليه، وحين نكون متصالحين مع هذه العوامل المشتركة، يمكننا العمل سويا لمعالجة جميع الشواغل من دون حاجة إلى تدخل خارجي من أحد.

شراكة إقليمية

تسبب الانسحاب الأميركي من أفغانستان على نحو مفاجئ وغير منظم في حالة إرباك للمشهد السياسي، وأثار مخاوف أمنية جمة، لكن هذا الحدث الذي أثر على المنطقة برمتها لم يخل من دروس مهمة لا غنى عنها؛ أهمها أنه لا يمكن استيراد استقرار دائم عبر جنود ينقلون من آلاف الكيلومترات. لقد أثبت انهيار الجيش الأفغاني المدعوم ماديا وفنيا أن فرض نظام حكم عبر الوصاية الثقافية والحماية الأجنبية لا يقود إلى بناء بلد أو تحقيق تنمية منشودة.

بحكم عملي سفيرا لبلادي تركيا لدى دولة قطر، يمكنني دائما تأكيد أن الأمن الجماعي للخليج العربي هو في قلب المعادلة الأمنية التركية، لذلك رحبت جمهورية تركيا باتفاق العلا بين الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وشجعت الحوار الثنائي من دون شروط مسبقة كآلية لفض النزاعات والاختلافات في الرؤى مع حق كل دولة في انتهاج منهج مستقل في الممارسة السياسية

من هذا المنطلق، تسعى دائما تركيا إلى عقد شراكات إقليمية تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق؛ إن تحقيق العدالة للجميع يصل بنا إلى معادلة أمن ورخاء دائمين، ولذلك كانت تركيا دائما إلى جوار جيرانها وحلفائها، وهذا هو جوهر تعاونها مع أذربيجان في استعادة أراضيها كحق كفلته قرارات مجلس الأمن ومبادئ القانون الدولي، وهو المنطق ذاته الذي يحكم تعاونها مع ليبيا، وحكومتها الشرعية السابقة والحكومة المؤقتة الحالية، ورغم محاولات التشويه الدائمة من بعض الدخلاء على المنطقة أثبتت تركيا أنها حريصة على التوافق بين مكونات الشعب الليبي وانفتاحها على الجميع، ودعمها المطلق لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية في موعدها المقرر في ديسمبر/كانون الأول المقبل من دون عراقيل تفاقم معاناة الشعب الليبي الكريم، كما أوضح وزير خارجية الجمهورية التركية مولود جاويش أوغلو.

دبلوماسية نشطة

تعكف المؤسسة الدبلوماسية التركية العريقة على ترميم ما تضرر من علاقات رسمية بين الدول في المنطقة استجابة لرغبة مشتركة، وهي إذ ترحب بهذه الجهود تتبع سياسة دبلوماسية ديناميكية تسعى إلى تصفير عداد المشكلات، ومنطقها في ذلك يعود إلى رغبة حقيقية في مد أيدي التعاون الاقتصادي والثقافي بين شعوبنا كقاطرة لتحسين العلاقات السياسية، بما لا يخل بحق الشعوب في الاختيار الحر والمباشر لحكامها، والمشاركة في صياغة مستقبلها، ولذلك تنشط زيارات دبلوماسية مهمة إلى أنقرة، ومنها مع وفود رسمية رفيعة من مصر والإمارات والسعودية وغيرها من الدول العربية؛ في مسعى مشترك يعكس حقيقة صعوبة الانفصال عن واقعنا ومحيطنا الجغرافي والحيوي، وتستعيد المجالس الاقتصادية التركية وروابط رجال الأعمال اجتماعاتها لبحث الفرص الاقتصادية المناسبة مع نظرائهم في مختلف الدول العربية.

تركيا والخليج

وبحكم عملي سفيرا لبلادي لدى دولة قطر، يمكنني دائما تأكيد أن الأمن الجماعي للخليج العربي هو في قلب المعادلة الأمنية التركية، لذلك رحبت جمهورية تركيا باتفاق العلا بين الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وشجعت الحوار الثنائي من دون شروط مسبقة كآلية لفض النزاعات والاختلافات في الرؤى، مع حق كل دولة في انتهاج منهج مستقل في الممارسة السياسية.

كما تولي تركيا أولوية خاصة لأمن إمدادات الطاقة وحرية الملاحة في المياه الدولية، وتدين كافة أشكال انتهاكات الأجواء وقصف المنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتدعو كافة أطراف الصراع في اليمن إلى سرعة إنهاء معاناة الشعب اليمني الكريم.

استقلالية دفاعية

لقد حققت تركيا ما تصبو إليه من حماية لمصالحها بفضل سياسة الاعتماد على النفس التي خطها رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، وأصبحت اليوم تحمي سماءها وترابها وتحرس حدودها بتكنولوجيا دفاعية محلية الصنع، فائقة التقدم والتطور، ولا تستجدي تركيا سلاحها من أحد، فقد وصلت في كثير من التخصصات الدفاعية إلى الاكتفاء الذاتي، ونمت صادراتها من الأسلحة المصنعة محليًّا بنسبة 30%، خلال السنوات الخمس الماضية المنتهية في 2020، مقارنة مع الفترة المقابلة المنتهية في 2015، طبقا لتقرير معهد "سيبري" (SIPRI) الدولي لأبحاث السلام.

وفي المقابل، سجلت واردات تركيا من الأسلحة انخفاضا بنسبة 59% في السنوات الخمس الماضية (2016 – 2020) مقارنة مع الفترة بين 2011 و2015 طبقا للتقرير ذاته.

كما تنظر تركيا إلى المستقبل عبر تشجيع انخراط شبابها في التكنولوجيا المتقدمة، وتبني برنامجا فضائيا طموحا، أطلقت فيه أقمارا صناعية عسكرية ومدنية تضمن قدما لتركيا وسط الدول المتقدمة في هذا المجال، إيمانا بأن استقلال القدرات الدفاعية هو ضمان لحماية حق البلاد والحلفاء من أية اعتداءات تستهدفها.

وفي الوقت ذاته، تسعى تركيا إلى تغليب لغة الحوار في مسألة شرق المتوسط، وهو ما بدا جليا في بيان وزارة الخارجية التركية مؤخرا تعليقا على قمة جمعت قادة اليونان وقبرص الرومية ومصر، ورأت فيه تركيا محاولة فاشلة لتقويض مصالحها ومصالح القبارصة الأتراك، وقابلت البحرية التركية بحسم محاولات التوغل اليونانية والقبرصية في المياه الاقتصادية، وأرسلت رسالة واضحة بأنه لا يمكن تطوير أي مشروع مستقبلي لاستغلال ثروات شرق البحر المتوسط يستند إلى التغول على حق تركيا وقبرص التركية.

نهضة اقتصادية

رغم الجائحة التي ضربت العالم بسبب فيروس كورونا، حققت تركيا أرقاما تاريخية غير مسبوقة في الصادرات، وتتزايد التوقعات بتسجيل الصادرات التركية للعام الجاري رقمًا قياسيًّا هو الأعلى في تاريخ الجمهورية، تتعدى فيه قيمة الصادرات 210 مليار دولار، بعد تراجع قيمتها إلى 169.6 مليار دولار عام 2020.

وللمرة الأولى، تحصل تركيا في حجم صادراتها على 1% من الإجمالي العالمي بعد أن كانت تشكل 0.14% فقط من الصادرات العالمية عام 1980.

إن رؤيتنا للمستقبل تقوم أيضا على تعزيز استقلاليتنا في مجال الطاقة وتنويع مصادرها، وحققت الاكتشافات الأخيرة للغاز أمل البلاد في تحسين موقفها في سوق الطاقة وتحقيق اكتفاء جزئي لازم مع نمو الاقتصاد التركي المتوقع له أن يحقق نسبة تصل إلى 9% هذا العام طبقا لإحصاءات رسمية.

إننا نؤمن بأن كل خطوة أو تقدم اقتصادي نحققه يشجع الاستثمار في بلادنا التي ترحب بالتعاون الذي يضمن الوصول لأسواق كثيفة في وسط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وندعو أشقاءنا العرب إلى العمل المشترك لضمان مستقبل أكثر أمنا وسلاما للأجيال القادمة، التي يجب أن تعي أن لها في هذا الجزء من العالم ليس الماضي فقط، بل الحاضر والمستقبل المشرق بإذن الله.