خطة بايدن لقيادة العالم (3).. العالم العربي محلك سر؟!

الرئيس الأمريكي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن (رويترز)

انطلاقا من التطابق بين خطة الرئيس بايدن وخطة التنمية المستدامة، بدأ الرئيس يتحرك في مسارين متوازيين، بنفس القدر من الاهتمام.

المسار الأول الداخلي، ويمثل الأولوية القصوى، والثاني الخارجي، وكلا المسارين يعملان لصالح أهداف التنمية المستدامة، المطلوب تحقيقها -كما أسلفنا- بحلول عام 2030.

وهي معنية بإحداث التغيير الشامل في جميع دول العالم، وليس دول العالم الثالث وحده، كما قد يبدو للبعض، فكيف ستكون انعكاسات هذه الخطة على المنطقة العربية التي تموج بالصراعات الدامية، ويعصف بها الاستبداد والفساد من شرقها إلى غربها، وكيف سيكون انعكاسها على العالم الذي يشهد تنافسا حادا بين دول صاعدة تسعى إلى تغيير قواعد النظام العالمي الراهن، وتحد من هيمنة القطب الأميركي الذي يراقب هذا الصعود، ويعمل على عرقلة دوله وإفشال تطلعاتها؟

ستستمر الصراعات العربية، السياسية منها والعسكرية، تراوح مكانها، صعودا وهبوطا، دون حلول حاسمة، ودون أن تستخدم الولايات المتحدة سلطتها ونفوذها لإنهاء هذه الصراعات، بل سيقتصر دورها على الجوانب الإنسانية الإغاثية، والتأكيد على القيم العامة لحقوق الإنسان، وتأمين المدنيين، وحل النزاعات عن طريق الحوار.

انطلق الرئيس بايدن بخطى حثيثة لتنفيذ الخطة على مستوى الولايات المتحدة، بموازنة إضافية، ما زالت قيد المراجعة والاعتماد، تصل إلى 5.3 تريليونات دولار لمدة 10 سنوات، مخصصة لإحداث تنمية واسعة في 3 قطاعات رئيسية هي: قطاع البنية التحتية للدولة، وقطاع بنية الأسرة وقطاع البنية الاقتصادية، ويخاطب بايدن الشعب الأميركي عن طريق منصات التواصل الاجتماعي بمعدل كل ساعة تقريبا، حول تفاصيل هذه الخطة وأهدافها ونتائجها المستقبلية المتوقعة، لكسب التأييد لها والتفاعل معها.

وبنفس الإيقاع يتحرك بايدن دوليا لقيادة عملية (تسريع) تنفيذ أهداف التنمية المستدامة معتمدا في ذلك على الحلفاء والشركاء والقطاع الخاص، بطاقة استثمارية تزيد على 4 تريليونات دولار سنويا، هذا التحرك يتطلب من الولايات المتحدة التعامل مع المنطقة العربية والعالم بسياسات محددة، تهيئ المجال لمشاركة واسعة دون عوائق لتحقيق هذه الأهداف.

في ضوء خطة الرئيس بايدن لقيادة العالم باتجاه التحول وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والسياسات التي ستتبعها إدارته مع دول المنطقة العربية، فإنه من غير المتوقع أن تحدث تغيرات جوهرية في الواقع السياسي الراهن الذي تمر به المنطقة، حيث سيكون تركيز الإدارة الأميركية على الأهداف التالية:

1. زيادة عدد الدول المؤيدة لتسريع تنفيذ الخطط الرامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

2. استجابة الدول العربية للأدوار التي ستطلب منها تنفيذا لهذه الخطط، وتجاوبها مع العمليات التحويلية المصاحبة لها، في الأنظمة والتشريعات والسياسات على المستوى المحلي.

3. انخراط الدول العربية في الفعاليات التي ستقودها الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف، وما سينشأ عنها من خطط واتفاقيات دولية وإقليمية.

4. مضاعفة استثمارات الدول العربية الغنية في المشروعات الاستثمارية الكبرى المترتبة على هذه الأهداف.

5. إغراء الشركات العربية الكبرى ذات الرساميل الضخمة للاستثمار في مشروعات أهداف التنمية المستدامة، في المناخ والطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي، وغيرها من المجالات.

6. تسهيل عملية مراقبة التحول في الدول العربية باتجاه متطلبات أهداف التنمية المستدامة.

وفي ضوء ذلك، نذكر فيما يلي أبرز النتائج المتوقع حدوثها في الواقع السياسي الراهن لدول المنطقة:

1. الصراعات العربية الداخلية

ستستمر الصراعات العربية، الداخلية منها والبينية، السياسية منها والعسكرية، تراوح مكانها، صعودا وهبوطا، دون حلول حاسمة، ودون أن تستخدم الولايات المتحدة سلطتها ونفوذها لإنهاء هذه الصراعات، بل سيقتصر دورها على الجوانب الإنسانية الإغاثية، والتأكيد على القيم العامة لحقوق الإنسان، وتأمين المدنيين، وحل النزاعات عن طريق الحوار، وستستمر الحروب مشتعلة، وستستمر الاضطرابات السياسية على حالها، كما ستستمر في المقابل الدبلوماسية الأميركية مع حلفائها، في جولاتها المكوكية القائمة مع أطراف النزاعات، دون نتائج حاسمة.

2. القضية الفلسطينية

كان الرئيس واضحا في سياسته المقبلة تجاه القضية الفلسطينية، حينما قال: "أمامنا طريق طويل لتحقيق هذا الهدف (حل الدولتين) في اللحظة الراهنة، لكن ينبغي ألا نسمح لأنفسنا بأن نيأس من احتمال حدوث تقدم"، مع تأكيده على الالتزام الكامل بأمن الدولة اليهودية. ولن تقدم الإدارة الأميركية في فترتها الرئاسية الحالية أي مبادرات تنشيطية جديدة لحل القضية الفلسطينية، تضع حدا لمعاناة الشعب الفلسطيني، وسيستمر وضع القضية الفلسطينية في السنوات الثلاث المقبلة على ما هو عليه حاليا، وسيفاقم من هذا الوضع عجز الجانب الفلسطيني عن القيام بما من شأنه تغيير الموقف الإقليمي والدولي الراهن.

3. اتفاقيات إبراهيم (أبراهام)

ستمضي إدارة بايدن قدما فيما بدأته إدارة سلفه دونالد ترامب، وتواصل خطوات التوقيع الثنائي على "اتفاقيات إبراهيم" بين الكيان الصهيوني ودول عربية جديدة، استكمالاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وهو كما أسلفنا في مقالات سابقة ليس مشروع الرئيس ترامب، وإنما مشروع إستراتيجي تبنته الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني، وتم إعادة إحيائه من جديد، بعد أن تهيأت له ظروف المنطقة العربية. وربما نشهد في السنوات الثلاث المقبلة توقيع دول عربية مركزية على هذه الاتفاقيات مثل مصر والسعودية.

4. الموقف من الاستبداد والفساد

ستستمر إدارة بايدن في رفع راية الديمقراطية، ومطالباتها بضرورة تعزيز الحريات والمحافظة على حقوق الإنسان، ولكنها ستستمر في تعاملها مع كافة الأنظمة العربية بغض النظر عن نوع الحكم الذي فيها، وعن مدى احترامه أو انتهاكه للحريات وحقوق الإنسان، كما أنها لن تقوم بأي إجراءات حاسمة من شأنها تثبيت دعائم الديمقراطية في الدول ذات التوجه الديمقراطي الجديد مثل تونس وليبيا والسودان.

وستغض الإدارة الأميركية الطرف عن الفساد الإداري والمالي المتغلغل في بعض الدول العربية، ما دام بعيدا عما تعتبره الإدارة الأميركية تمويلاً للإرهاب، وستعمل على الاستفادة من هذه الأموال في مشروعات أهداف التنمية المستدامة.

5. الإرهاب

ستواصل إدارة بايدن حربها ضد (الإرهاب)، ضمن السياسة القديمة التي وضعتها الولايات المتحدة منذ حوالي ربع قرن، لتسهيل عملية قيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولنشر المزيد من القواعد العسكرية في المناطق الإستراتيجية في أطراف الكرة الأرضية الأربعة.

وستواصل الولايات المتحدة -بكل السبل- تغذية الصورة الذهنية للإرهاب وجماعاته وداعميه، باعتباره الفزاعة التي تديرها حسبما تقتضيه خططها الإقليمية والدولية. كما ستواصل الولايات المتحدة عملياتها العسكرية النوعية من حين لآخر في سوريا والعراق وليبيا وامتداداتها الإقليمية ضد داعش والقاعدة.

6. المساواة والتمكين ومحاربة التمييز

ستبذل إدارة بايدن جهودا كبيرة استثنائية غير مسبوقة لتعزيز ثقافة المساواة بين الجنسين على أساس النوع الإنساني، وتمكين المرأة في كافة مجالات الدولة ومؤسساتها ومستوياتها، ومحاربة التمييز بكل أنواعه، ثم تحويل هذه الثقافة النخبوية إلى تشريعات قانونية، ومناهج تعليمية، وتغطيات إعلامية واسعة، وورش تدريبية، والعمل على زيادة الكوادر المدافعة عن هذه المبادئ في مختلف الأوساط الرسمية والاجتماعية، وتوفير الحماية الدولية اللازمة لهم.

وستدافع إدارة بايدن بشدة في الدول العربية عن حقوق المثليين والمثليات، ومزدوجي الميل الجنسي، والمتحولين جنسيا، دون غيرهم من الفئات التي تتعرض للتمييز والاضطهاد. ومن المتوقع أن تشهد الدول العربية في السنوات الثلاث المقبلة -بصورة غير مسبوقة- حراكا كبيرا، فكريا وفقهيا وثقافيا واجتماعيا لصالح هذه الفئة على وجه الخصوص.

7. إيران وتركيا

من المرجح أن تعمل إدارة بايدن على احتواء نسبي للأزمات الإقليمية التي تواجه الدول العربية، وبالذات مع إيران وتركيا، يسمح لها بالمضي قدما في تنفيذ مشروعات أهداف التنمية المستدامة، ولكن ليس على حساب زعامتها الدولية وهيمنتها الإقليمية.

وستستمر إيران في دورها الإقليمي في كل من سوريا واليمن ولبنان، كما ستستمر تركيا في دورها في سوريا وليبيا، إلى أن تحدث متغيرات عربية داخلية أو إقليمية، تتطلب من إيران وتركيا تعديل مواقفهما تجاه الدول التي تتدخلان فيها، ولكن هذا التعديل لن يكون تحت ضغط إدارة بايدن.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة