خطة الرئيس بايدن لقيادة العالم (2).. هل تجتمع الشراكة مع تفوق القوة؟

Tulsa Commemorates 100th Anniversary Of Tulsa Race Massacre
جو بايدن (الفرنسية)

عندما نتحدث عن الرئيس جو بايدن، فنحن نتحدث عن رئيس استثنائي بين رؤساء الولايات المتحدة الـ46، فهو الرئيس الأكبر سنا عند تولي الرئاسة، عن عمر يقترب من 80 عاما، والأكثر خبرة في العمل السياسي الداخلي والخارجي، برصيد يصل إلى نصف قرن، وكان سادس أصغر سيناتور يدخل مجلس الشيوخ في تاريخ الولايات المتحدة، وأعيد انتخابه لعضوية المجلس 6 مرات، وكان نائبا للرئيس باراك أوباما (2009-2017) لمدة 8 أعوام.

في خطابه الاستثنائي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، ظهر جليا التطابق الكبير بينه وبين خطة تحويل العالم التي وقّعت عليها الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015م، وقد تناولنا في مقالنا السابق أبرز المعالم التي تضمنها هذا الخطاب، فما أوجه هذا التطابق؟ وما دلالاته؟ وما المرتكزات التي يعتمد عليها بايدن للنجاح؟

المرتكزات التي وضعتها إدارة الرئيس بايدن، تسمح لها بتمرير مشروعاتها في مجلس الشيوخ، وتجميد خلافاتها الخارجية مع الدول الكبرى، واتباع سياسة مراوغة تساعدها في تسريع الخطوات، وزيادة معدل الإنجاز في تحقيق الأهداف وإحداث التحول المنشود.

أوجه التطابق بين كلمة بايدن وخطة تحويل العالم

إن المقارنة المتأنية بين كلمة الرئيس بايدن أمام الأمم المتحدة وأهداف التنمية المستدامة، تؤكد في المجمل التطابق الشديد بينهما، حيث تناول بايدن خطة التنمية بأهدافها وشعاراتها ومرتكزات نجاحها، وأحيانا بنَص عباراتها، ومن أوجه هذا التطابق:

  1. التأكيد على أن مستقبل دول العالم يتوقف على العمل المشترك، كخيار واضح وعاجل، وهو ما نصّت عليه مقدمة خطة تحويل العالم، وما كررت التأكيد عليه في اجتماعاته السنوية أمام قادة الدول الأعضاء.
  2. التأكيد على أن العقد الجاري سيحدد مستقبل البشرية "بكل معنى الكلمة"، وهو ما أكدت عليه قمة 2019 من أن العقد المقبل 2020-2030 هو عقد التسريع الذي يجب أن تتعاون فيه جميع الدول لتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة التي تنتهي عام 2030.
  3. التطرق مباشرة إلى أهداف التنمية المستدامة الـ17 الساعية إلى:
  • سد الاحتياجات التنموية العاجلة، والتي نصت عليها الأهداف 1و 2 و3 و4 و6 و8، بالقضاء على الفقر، وتوفير وظائف مستدامة للجميع، والقضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي، وضمان الصحة والرفاه للجميع، وتوفير التعليم الجيد، وضرورة إعادة النظر في الأفكار السائدة في الاقتصاد العالمي حاليا وأدواته والسياسات الاجتماعية الرامية إلى القضاء على الفقر. وقد تعهد بايدن بتقديم 10 مليارات دولار للقضاء على الجوع والاستثمار في النظم الغذائية، وأشار إلى أن الولايات المتحدة أنفقت 140 مليار دولار في الـ20 عاما الماضية لدعم الصحة ومكافحة الأمراض، وقال إنه سيعمل مع الشركاء على تخصيص مئات المليارات للاستثمار في البنية التحتية، وإن الولايات المتحدة ستكون المساهم الأكبر في تقديم الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية وغيرها من المساعدات الحيوية المنقذة لأرواح الملايين من المحتاجين حول العالم، وإن الولايات المتحدة كذلك تلتزم مع شركائها بالتصدي لسوء التغذية وضمان إطعام العالم لعقود مقبلة.
  • المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات، هو الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة، وقد أسهب بايدن في الحديث حوله، مؤكدا على الحرية والمساواة في الحقوق العالمية لكل الشعوب، ومشددا على المساواة بين الجنسين والدفاع عن حقوق النساء والفتيات من أجل المساهمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، والدفاع عن حقوق الأفراد.
  • أما الهدفان السابع والثالث عشر، المتعلقان بالطاقة النظيفة والمناخ، فقد احتلا أهمية رئيسية في كلمة الرئيس بايدن، وقد عيّن بايدن وزير الخارجية الأسبق جون كيري مبعوثا رئاسيا خاصا لشؤون المناخ، وشارك في حوار رفيع المستوى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الطاقة، حيث أعلن عن إصدار ميثاق الطاقة الأميركي، الذي يسلط الضوء على "عدد الالتزامات والإجراءات الطوعية التي اتخذتها الولايات المتحدة لدفع التقدم نحو تحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة بشأن الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة، بما يتوافق مع أهداف اتفاق باريس للمناخ والإنجاز النهائي المتمثل بالوصول إلى صفر انبعاثات غازات احتباس حرارية بحلول عام 2050. كما حدد بايدن هدف خفض الانبعاثات إلى 50-52% عام 2030، مما كانت عليه عام 2005، والتحول إلى كهرباء خالية من انبعاثات الكربون بنسبة 100% عام 2035.
  • أما الأهداف 9-16، فقد كان لكل منها نصيب في كلمة بايدن، وباستخدام المفردات ذاتها في بعض الأحيان.
  • وكما شدد الهدف الـ17، خاتمة الأهداف، على تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية بين الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني، فقد ختم بايدن كلمته بأن الولايات المتحدة ستقود مع حلفائها وشركائها وبالتعاون مع كل الذين يؤمنون، بأنهم قادرون على مواجهة تلك التحديات لبناء مستقبل يرتقي بكل الشعوب ويحافظ على كوكب الأرض، وهي عبارة تشبه كثيرا عبارات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عندما يتحدث حول خطة التنمية المستدامة.
  • أما جائحة كورونا، فقد تحدث الرئيس بايدن عنها في كلمته حديثا يجعلك تظن أن المتحدث هو المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس بل لا يكاد يمر يوم لا يتحدث فيه بايدن عنها، متبنيا وجهة نظر المؤسسات الصحية المختصة الرسمية والخاصة.

الدلالات والمرتكزات الأساسية

هذا التطابق الشديد بين خطة التنمية المستدامة وكلمة الرئيس بايدن، يدل دلالة واضحة على أن إدارة بايدن ستقود خطة التنمية المستدامة 2015-2030، المعروفة بخطة تحويل العالم، على المستويين الداخلي والخارجي، وأن خطة التنمية المستدامة ستشهد تسريعًا كبيرًا في السنوات الثلاث المقبلة من رئاسة بايدن، والذي قد تتعزز فرصته بالفوز بفترة رئاسية ثانية تمتد حتى عام 2029، ليواصل دعمه لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث من المتوقع أن يحظى بتأييد ودعم كبيرين من مراكز القوى المؤثرة في خطة أهداف التنمية، التي تزيد الموازنة السنوية لمشروعاتها عن 4 تريليونات دولار، ويقترب موعد استكمالها، من موعد انتهاء الفترة الثانية للرئيس بايدن، الذي يكمل السنة المقبلة عامه الـ80.

ومن جهة ثانية، اشتملت كلمة الرئيس بايدن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على مجموعة من المرتكزات الحيوية التي من المفترض أن تحقق لها النجاح، وفي مقدمتها:

1. قيادة العالم

الإعلان بكل وضوح أن الولايات المتحدة، ستقود عملية تحقيق هذه الأهداف، والانتقال بالعالم إلى المستقبل الجديد الذي تم تحديد ملامحه سابقا في خطة التنمية المستدامة.

2. الشراكة

لن تتحرك الولايات المتحدة وحدها، وإنما ستقود شركاءها في هذه المسيرة، وهم على 3 أنواع:

  • الحلفاء، وهم الاتحاد الأوروبي ومجموعة دول السبع الكبار (G7).
  • الشركاء، الذين يرتبطون بمصالح مباشرة مع الولايات المتحدة، مثل أستراليا والهند ودول الخليج العربي والمكسيك والبرازيل والأرجنتين.
  • بقية دول العالم وعلى رأسها روسيا والصين، التي تلتقي مع الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المصالح المشتركة التي يفرضها وجودهم على ظهر كوكب مشترك.
  • القطاع الخاص، ويضم مجموعة الشركات الكبرى التي ستسهم برؤوس أموالها في تنفيذ مشروعات التنمية المستدامة في الطاقة والمناخ والصحة والبنى التحتية والتحول التكنولوجي.

3. مصلحة الشعب الأميركي أولاً

تضع إدارة الرئيس بايدن في تبنيها لهذه الخطة، مصلحة الشعب الأميركي في المقدمة، إذ ينبغي أن تبدأ الخطة به، ويكون هو المستفيد الأول من نتائجها الاقتصادية والصحية والتنموية.

4. تفوق القوة

ستحافظ الولايات المتحدة على تفوقها العسكري، ولكن لن يتم اللجوء إلى الحلول العسكرية إلا بعد استنفاد الحلول السياسية، وستظل الولايات المتحدة صاحبة الحق في التدخل العسكري ضد كل من يهدد مصالحها.

5. الانفتاح على الجميع

ستعمل الولايات المتحدة مع جميع الدول، بما في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية، بغض النظر عن الخلافات السياسية أو الأيديولوجية التي بينها وبين الولايات المتحدة.

ومن شأن هذه المرتكزات أن تسمح لإدارة الرئيس بايدن تمرير مشروعاتها في مجلس الشيوخ، وتجميد خلافاتها الخارجية مع الدول الكبرى، واتباع سياسة مراوغة تساعدها على تسريع الخطوات، وزيادة معدل الإنجاز في تحقيق الأهداف وإحداث التحول المنشود.

(يتبع: نتائج الخطة على المنطقة العربية والعالم)



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة