تساؤلات حول الانتخابات في البلدان العربية

ثلاثة أحزب رئيسة من الكتلة الديمقراطية حازت على 6.3 بالمئة من الأصوات المعبر عنها في برلمان 2017 (الجزيرة)
انتخابات في الجزائر (الجزيرة)

يقول جون ستيوارت ميل "كل نظام سياسي يحتاج إلى مركز مقاومة ضد السلطة المهيمنة، وعليه وجب أن يتضمن كل دستور ديمقراطي نواة لمقاومة الديمقراطية".

لا أحد يشك في أن الانتخابات حدثًا وظاهرةً في الدول "النامية" عموما، والعربية خصوصا، مثيرةٌ للجدل، وموضوع أخذٍ وجذبٍ بين مكونات المجتمع، مما يدفعنا إلى التساؤل عن مكانة هذه الانتخابات ووظيفتها ودورها ومشروعيتها.

فإذا كانت الانتخابات -كأداة من أدوات الديمقراطية- آلية للتداول على السلطة بشكل سلمي كما هو مقرر من الناحية المبدئية، وكما هو متداول في البلدان ذات التجربة الديمقراطية العريقة؛ فإنها في البلدان "النامية" يتوزعها وجهان: وجه ظاهر ووجه باطن. ولا يمكن مقاربة أسئلة المكانة والمشروعية والوظيفة والدور ما لم يتم استحضار ازدواج وجه الديمقراطية (كمقولة تحمل ملحقات، منها الانتخابات على سبيل المثال).

 ألا تتم عبر آلية الانتخابات إعادة إنتاج الاستبداد في حلة سياسية ودستورية مناسبة وبأبجدية جديدة؟ بتعبير آخر ألا يمكن القول إن الانتخابات تشتغل كـ"آلة" لتحويل الاستبداد من حالته الصلبة والمكشوفة إلى الحالة الناعمة والخفية؟

لذلك نتفهم لماذا يهيمن في كثير من الأدبيات حول الديمقراطية الرأي الذي يذهب في اتجاه اعتبارها شكلانية، سواء أُرجِعت أسبابه إلى غياب الإرادة السياسية وهيمنة التسلط والاستبداد، أو إلى غياب الثقافة السياسية وضعف تجذر القيم الديمقراطية داخل المجتمع. نتفهم ذلك لأنه يتِمُّ الارتكان خلال قراءة وتحليل الظاهرة إلى الوجه الظاهر فقط؛ أي إلى ما هو منطوق من الظاهرة، بينما لا تكتمل الصورة ولا تستقيم المقاربة إلا باستنطاق وجهي الظاهرة:

أولهما: الوجه الظاهر الذي تغلب عليه الشكلانية المتمثلة في تجميل النظام السياسي، حيث تؤدي العملية السياسية عموما والانتخابات خصوصا دور شرعنة النظام في الداخل والخارج، من خلال بناء صورة تضفي عليه مسحة الديمقراطية. وهو وجه لا يحتاج إلى إسهاب الحديث فيه، لأن الأدبيات السياسية والإعلامية السائدة وواقعها يغنيان عن هذه المهمة.

ثانيهما: الوجه الباطن الذي تضطلع فيه الديمقراطية بآلياتها المتعددة بأدوار تخالف المنطوق، وتعاكس المعروف منها في الأدبيات التأسيسية لها، وكأن حضور الديمقراطية اسما يغني عن المسمى، هكذا يجد الباحث نفسه أمام ركام من المفردات تأخذ معانيَ مغايرة، وتكتسي أوضاعا مختلفة عن السياق الذي انحدرت منه، كالدولة والمجتمع والشعب والانتخابات والدستور والديمقراطية والسيادة والمواطنة… فإذا لم يأخذ الباحث بعين الاعتبار السياق الذي تنتظم فيه هذه المفردات لن يستطيع الإحاطة بآثارها ولا فهم تحولاتها، بل سيصاب بالحيرة حين يلحظ أن المقولة الواحدة تتخذ تمظهرات مختلفة وتؤدي مهمات ووظائف مغايرة. ذلك شأن الديمقراطية عمومًا، والانتخابات خصوصًا في البلدان المسماة "نامية".

ففي سياقات هذه البلدان، خاصة البلدان العربية، حيث يتم تنزيل الديمقراطية كمقولة لتأثيث المشهد الجديد بملحقاتها: الأحزاب، البرلمان، الدستور، الانتخابات…، وجب مساءلة وظيفة الديمقراطية وأدوارها، ووضع الانتخابات على مشرحة البحث والمكاشفة بوصفها أحد تجلياتها؛ ألا تتخذ بعض تمظهرات الديمقراطية وظيفة لتكريس الاستبداد، رغم التناقض الظاهر بينهما؟

ألا تتم عبر آلية الانتخابات إعادة إنتاج الاستبداد في حلة سياسية ودستورية مناسبة وبأبجدية جديدة؟ بتعبير آخر ألا يمكن القول إن الانتخابات تشتغل كـ"آلة" لتحويل الاستبداد من حالته الصلبة والمكشوفة إلى الحالة الناعمة والخفية؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعمل على ترويض قوى المجتمع لإعادة بنائها وفق شروط "المؤسسة" (establishment).

تذكرنا هذه التساؤلات بالطريقة الجديدة التي استعمل بها توماس هوبز إستراتيجية التمثيلية لبناء الدولة الحديثة؛ فالانتخابات بالنسبة له هي طريقة مهمة لشرعنة السلطة السياسية بعد انتزاعها من الشعب. بل ذهب إلى حد اعتبار الانتخابات "وهما" من أجل خلق الحكم المطلق!

أما الأحزاب، وهي ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية، التي من المفترض أن تكون واسطة بين المجتمع والدولة، وتمثل مختلف شرائح الشعب، وتدافع عن حقوقهم؛ تطرح على المتأمل أكثر من سؤال حول دورها ومهامها ووظيفتها في سياق البلدان العربية بشكل خاص، أو "النامية" بشكل عام، وهي أسئلة خاصة بهذا السياق، تتطلب بحثا واجتهادا خارج الإطار التداولي السائد. فمن باب تحريض التفكير وإمعان النظر، نتساءل إن لم تكن هذه الأحزاب أداة من أدوات الدولة الحديثة تؤدي دورَ الصمام الذي يحميها أو العازل الذي يفصلها عن المجتمع، وتعيد إنتاج العلاقة العمودية القائمة على الإخضاع والاستتباع بلغة "الشعب" ومفرداته.

إن قنوات التواصل التي تُفْتَح عبر الأحزاب بين الدولة والمجتمع، التي من المفترض أن تضمن العبور بينهما ذهابا وإيابا، وأن تُستعمل للإنصات أو التحاور أو التفاوض بينهما، كما هو في التصور المبدئي للديمقراطية، تثير بقوة فضول الباحث ليتساءل إن كانت هذه الأدوار ما تزال قائمة في حالتنا؟ أم أن هذه القنوات -على قلتها- وضعت لقياس درجات الضغط وجسّ النبض؟ فهي تراها تكبر وتصغر حسب موازين القوى وحسب درجات الضغط.

فإذا كان الوجه الظاهر قد أُشبع توصيفا وتحليلا، فإن الوجه الباطن ما يزال بكرا، يستعصي على الاختراق والنفاذ إلى بنيته العميقة، وهذا يعود في نظرنا إلى عدة أسباب، منها: عدم الانتباه أصلا إلى وجود هذا الوجه أو عدم الالتفات إلى أهميته، وكذلك قصور مناهج الدراسة وأدوات التحليل وعُقمها في الإحاطة بالظاهرة ضمن سياقاتها التاريخية والثقافية.

دون السقوط في التعميم، يمكن القول إن كثيرا من الدراسات لا تميز بين المنهج وموضوع الدراسة والعلاقة بينهما، مما أدى إلى تشوهات أساءت إلى البحث في قضايا المجتمع والدولة وإعادة التفكير في إشكالاتهما. إن المنهج أو أدوات القراءة والتحليل عموما لا تنشأ من فراغ، ولا تتعالى عن الفضاء الذي احتضن ولادته، إنما ينشأ في محضن مفعم بمنظومة من القيم، لا مندوحة من الوعي بها واستحضارها عند كل تعامل مع هذا المنهج أو هذه الأدوات.

ذلك ما لاحظه ميشيل فوكو، ولو أنه كان يتحدث عن الماركسية التي عدها مثل السمكة في الماء بمجرد أن تغادره تفقد الحياة، فإنها تنطبق جيدا على ما نحن بصدده.

إن عدم استحضار العلاقة بين المنهج ومنظومة القيم، والوعي بها يجعل من المنهج، ليس أداة للكشف والتفسير، إنما يجعله حجابا يواري الحقيقة الموضوعية. ذلك أن هذا المنهج -بحمولته القيمية- يشتغل قالبًا يعيد تفصيل السياق على مقاس الوقائع التي كانت وراء تَشكُّله.