مقالات

المعايير الأخلاقية لنقد الشخصيات العامة بعد موتها

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

بات موت بعض الشخصيات العامة مثارا للجدل والانقسام، وهي ظاهرة صارت مألوفة بعد الانقلاب العسكري في مصر 2013، الذي تأسست شرعيته على بث الكراهية ضد فصيل بعينه، وعلى تعميق الانقسام بين مجتمعين: مجتمع ما يسمى بالشرعية الثورية ومجتمع الانقلاب. ويبدو هذا الجدل المتكرر مناسبة لمناقشة المعايير الأخلاقية، التي تحكم مواقفنا تجاه هذا الميت أو ذاك ممن كان لهم دور ما في المجال العام.

يمكن لنا أن نرصد منحيين لهذا الجدل المشار إليه: فتارة يندرج ضمن ثنائية الإيمان والكفر، أو بتعبير أدق: المسلم وغير المسلم (فغير المسلم لا يستلزم بالضرورة أن يكون كافرا بالله تعالى)، وهي ثنائية تقودنا إلى الجدل المكرر حول جواز أو عدم جواز الترحم على الميت غير المسلم، وهذا يحتاج إلى نقاش منفصل. وتارة يتخذ الجدل عنوانا سياسيا يكون فيه موقف الميت من الثورة أو الانقلاب حدا فاصلا يُمَيّز بين الصالح والطالح؛ فقد تحول الربيع العربي إلى مرحلة معيارية فاصلة بين من آمن بالثورة وقيمها، وبين من ناصر الاستبداد أو انتصر له ولو بشق كلمة، ويتفاوت الناس بعد ذلك بحسب دور كل واحد منهم صغر أم كبر، وبحسب الآثار والأضرار التي ترتبت على هذا الدور.

أجمع العلماء على أن جرح رواة الحديث وتعديلهم، أو ما سمي "علم الجرح والتعديل" لا مدخل له في باب الغيبة أو النهي عن ذكر المساوئ، سواء لمن كان حيا أم ميتا؛ وذلك لأن ثمة مصلحة شرعية مترتبة على هذه الأحكام والتقويمات التي يُصدرها نقاد الحديث في حق هؤلاء الرواة.

أحد المفاهيم التي عادة ما يُلقى بها في هذا الجدل هو هيبة الموت أو حرمته، وهذه الحرمة مفهوم يتأسس على أحاديث عدة، منها حديث "اذكروا محاسن موتاكم وكُفُّوا عن مَساويهم" (رواه أبو داود، والترمذي وابن حبان وغيرهم)، وحديث "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (رواه البخاري وغيره). والأمر القرآني العام (وقولوا للناس حُسنًا). قال علي بن أبي طالب "يعني الناس كلهم".

تقرر هذه النصوص العامة حرمة الموت، التي تحيل إلى هيبة المقام أو المناسبة؛ لكن هذا الأصل العام يعارضه أيضا آيات وأحاديث أخرى؛ كالاستثناء الذي يرد في قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم)، وما روي عن أنس أنه قال مُرَّ بجنازة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال "أثنوا عليه". فأثنوا خيرا. ومُرَّ بأخرى فقال "أثنوا عليه". فأثنوا شرا؛ أي إنه جرى الكلام في حق الميت تارة ثناء، وأخرى تجريحا، ما يعني خلاف ما سبق من الأمر العام بستر المساوئ.

والواقع أنه لا تعارض بين الطائفتين من النصوص، فثمة مطلق ومقيد، وعام وخاص، فيُحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وهو منهج قرره علماء أصول الفقه وشراح الحديث في مثل هذه النصوص، التي تبدو متعارضة في الظاهر، ومن ثم نحتاج إلى تأويلها تأويلا متماسكا قبل أن نستدل بها لهذا الموقف أو ذاك من المواقف المخصوصة أو المعيّنة. فالمجموعة الأولى تقرر أصلا أخلاقيا عاما، وهو تحريم الوقوع في أعراض الناس، والتزام حسن القول فيهم؛ لكن المجموعة الثانية تتحدث عن الوقائع المعيّنة حين يتم التعاطي مع أشخاص بعينهم لهم صفات مخصوصة فيُستَثنون من الأصل العام. وهذا حال الناس حيث تتنوع أحوالهم وأوصافهم، فإن فيهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، والتقي والفاجر، ما يعني أننا بحاجة إلى تنزيل الأصل العام على هذه المحال المختلفة، ومن ثم سيختلف الحكم بحسب المحل الذي يتنزل عليه.

وقد أجمع العلماء على أن جرح رواة الحديث وتعديلهم، أو ما سمي "علم الجرح والتعديل" لا مدخل له في باب الغيبة أو النهي عن ذكر المساوئ، سواء لمن كان حيا أم ميتا؛ وذلك لأن ثمة مصلحة شرعية مترتبة على هذه الأحكام والتقويمات التي يُصدرها نقاد الحديث في حق هؤلاء الرواة. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي "قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها؛ لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله. وقد ظن بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك؛ فإن ذكر عيب الرجل -إذا كان فيه مصلحة ولو كانت خاصة، كالقدح في شهادة شاهد الزور- جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى".

وقال الإمام البيهقي في سياق حديث من أثنوا على جنازة خيرا وعلى أخرى شرا "وفيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه منه؛ إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي وما أشبه ذلك، وكأن الذي أثنوا عليه شرا كان معلنا بشره، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم زجر أمثاله عن شرورهم وعن إطالة الألسنة في أنفسهم، فقال ما قال، والله أعلم". وقد أورد الإمام النووي نصوصا متقابلة في حق سب الميت، بعضها يثبت النهي عن سبّ الأموات، وبعضها يرخص في سب الأشرار؛ بل "منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته، وإشاعة قراءته، ومنها أحاديثُ كثيرة في الصحيح". قال النووي "واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال"، ثم صحح منها أن "أموات المسلمين المعلنين بفسق، أو بدعة، أو نحوهما، فيجوز ذكرهم بذلك؛ إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه؛ للتحذير من حالهم، والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه. وإن لم تكن حاجة لم يجز؛ وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص. وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة".

أي إن المسألة كلها تدور على توخي مصلحة أو حاجة من الكلام السلبي في حق الميت، فالحديث هنا أولا عمن هو معلن، وليس فيه فضح أو كشف لمستور، وثانيا حتى المعلن يفتقر القول السلبي في حقه إلى وجود مصلحة شرعية، أو حاجة حتى يكتسب القول فيه صفة أخلاقية، وهذه المصلحة هي مصلحة عامة تفرضها هيبة الموت نفسه على سبيل العظة والنصح للأحياء، كما يفرضها الصدق مع النفس والوفاء للمبدأ، الذي يلتزم به المتحدث مما يشكل نقطة الخلاف المبدئي والأخلاقي مع الميت.

ونحتاج إلى التمييز هنا بين نوعين من المساوئ:

الأول: المساوئ الفردية أو الشخصية للميت، وهذه لا تدعو إليها حاجة ولا مصلحة في الغالب؛ لأن الموت يقطع كل العلائق الاجتماعية بين الميت والأحياء، وقد أفضى إلى ما قدم، وانتهت بذلك سيرته الاجتماعية، وإنما جاز ذكر مساوئه الشخصية؛ بشرط وجود مصلحة في حياته فقط، وبقدر الحاجة (كما في حالة الزواج مثلا).

والثاني: المساوئ ذات الأثر العام أو التي تتصل بالمجال العام، ككون الميت من أعوان الظلمة ومؤيديهم، أو كونه داعية إلى أفكار ضارة بالمصلحة العامة، أو مخلة بحقوق الآدميين، أو أن مشروعه أصلا يقوم على خوض خصومات وصراعات أيديولوجية، فهذا قد جعل من نفسه غرضا أو هدفا سواء في حياته أم بعد موته. أو المساوئ التي تتصل بآثار ظلمه؛ بل قد يكون من رعاية هيبة الموت نقد المواقف غير الأخلاقية، التي مات عليها الشخص؛ بحيث يكون موته عظة للأحياء ومناسبة للتحذير من مواقفه، أو من سوء عاقبة من يفعل فعله، أو يكون موته مناسبة للرثاء لحاله حيث انتهى به المطاف إلى ما انتهى إليه.

ثمة صفتان هنا إذن هما "الإعلان"، ووجود "الحاجة أو المصلحة"، وتحقق هذين الشرطين يجوز ذكر مساوئ الميت؛ لكن صفة "المعلِن" تصدق اليوم على كل فاعل في المجال العام، وهي على الشخصيات العامة أصدق؛ إذ إن العمل في المجال العام يقتضي إلى جانب فكرة "الإعلان" فكرة التأثير، وهذا التأثير قد يكون سلبيا أو مناهضا لقيم المجتمع أو دينه أو تراثه؛ مما يجعله في صلب الصراعات الأيديولوجية والسياسية، التي تستلزم الجدل بين موافق ومخالف، ومن ثم تستدعي الذم والمدح؛ بهدف إعلان موقف من مثل هذه الأفكار والتوجهات أكثر منها رغبة في النيل من شخص الميت، الذي قد يكون مستريحا أو مُستراحا منه بالمفهومين الأخلاقي (انقطع عمله) والاجتماعي (انتفى ضرره)، أو قد يكون مواساة للمظلومين الذين طالهم ظلمه أو ضرره، ولم يتمكنوا من النصفة منه في الحياة الدنيا، ويأملون أن ينالوا ذلك في الآخرة، ووجدوا في الإعلان عن مظالمهم سلوى وتنفيسا عن كرب أصابهم. وبعيدا عن الصراعات الأيديولوجية.

لا بد من القول إن العمل العام يفرض مسؤوليات أخلاقية على العاملين، وبالقدر نفسه يستجلب لهم النقد المشروع، وبهذا تنقسم الآراء حول أعمالهم وآثارهم؛ بل حول أشخاصهم أيضا مما يولد علاقات حب وكره وغيرها، وهنا نعود فيما يتعلق بالجانب الشخصي إلى البحث عن مدى تحقق الشرط الثاني لذكر المساوئ، وهو توفر المصلحة أو الحاجة، ولا بد من توضيح أن الشخص الذي تراجع أو اعتذر عن مقولاته تنتفي الحاجة إلى ذكر مساوئه بعد تراجعه سواء في حياته أم بعد موته.

ولكن هل يختلف الموقف فيما لو كان الحديث عن شخصيات عامة تُصنف على أنها مبدعة أو أنها من فئة العلماء؟ لا يوجد ما يميز هؤلاء عن غيرهم؛ حيث تحقق فيهم الشرطان السابقان (الإعلان والمصلحة أو الحاجة). ولا بد من توضيح أن المبدع هنا يشمل -بحسب العرف الشائع- المجالين الأدبي والفني، وهذا محل إشكال وينطوي على تحيز لا يخفى؛ إذ يرفع من شأن مهن محددة، ويجعل أصحابها شخصيات استثنائية أو كأنها فوق التقويم.

في حين أن الإبداع صفة لصيقة بكل عمل أو نشاط إنساني ينطوي على جدة وابتكار ويستدعي بذل جهد عقلي أو يدوي؛ لكن الإبداع بالمعنى الشائع وخاصة في المجال الفني، يتقمص معنى النبوة، فهو مفهوم علماني يصور المبدع كما لو كان نبي هذا الزمان، وبالتالي يجوز له ما لا يجوز لغيره. وثمة في مجال الفن الحديث من يرفض إخضاع العمل الفني للمعايير الأخلاقية؛ إذ يرى أن الفن بطبيعته الإبداعية لا يحتكم إلى معايير الصواب والخطأ. ومن هنا قد يتورط بعضهم -بوعي أو بدون وعي- في القفز على المواقف السياسية للموصوف بالإبداع؛ بحجة أنه حالة استثنائية أو قيمة أو قامة فنية تشكل رصيدا لهذا البلد أو ذاك، أو أنه أثر في وجدان أجيال؛ لكن كل هذا لا يعفي الشخص حيا كان أم ميتا من المساءلة والخضوع لمعايير التقويم الأخلاقي؛ لأن استثناءه سيخل بالقانون الأخلاقي، الذي من شأنه الاستقامة والاطراد والعمومية؛ بل إنه سيخل بتصوراتنا عن أنفسنا والآخرين بوصفنا جميعا كائنات أخلاقية مسؤولة عن أفعالها، أصابت أم أخطأت.

فالعمل الفني المحترف هو عمل مهنيّ لا ينطوي على القيمة في ذاته؛ بل يستمد أخلاقياته من مصدر خارجه يتمثل في منظومة القيم السائدة في مجتمع ما، التي تقررها المصادر المعتبرة لهذا المجتمع، سواء كانت نصية أو عقلية أو عرفية اجتماعية.

أما بخصوص العالم، فبالعكس؛ إذ إن خطأه يعظم بعظم مسؤوليته الأخلاقية، التي يفرضها علمه، فالعلم لا يعطيه معاملة استثنائية، ولا يجعل مواقفه السياسية غير الأخلاقية مغفورة؛ إذ إن علمه يُفترض أن يؤدي به إلى العمل وفقه، وإعانته للظلمة أو مساندته للقتل أو الظلم والقمع دليلٌ على خلل في علمه أو في شخصه، وكونه مكرها هنا لا يعفيه من المسؤولية الأخلاقية المترتبة على مواقفه وكلامه، إذا تعدى أثرها؛ لأنها في هذه الحالة ستتعلق بحقوق الآخرين، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة