مقالات

عسى الله أن يأتي بالفتح

(وكالة الأناضول)
(وكالة الأناضول)

قد يرفض بعض المنتمين لحزب العدالة والتنمية المغربي الانتقادات، التي تتوالى لموقف حزبهم من مسألة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وقد يستحضرون من القرآن الكريم ومن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتاوى السلم والسلام ما يزين ويسوغ التطبيع من أجل الوطن، والحفاظ على وحدته الترابية، كما تعودنا أن نسمع من رافعي الرايات البيض، وما أكثرهم هذه الأيام!.

وقد يقول كثير من العرب لماذا يحرم علينا التطبيع، ما دام أن الفلسطينيين أنفسهم رفعت قيادتهم "الثورية" الراية قبلنا؟، وقد يبدو أن هذا القول لا يخلو من بعض وجاهة في نظر كثيرين، وخاصة أولئك الذين يعتقدون، إيمانا أو جهلا وتعصبا، أن ما تعانيه بلادهم من فشل، في جوانب الحياة المختلفة، سببه فلسطين وقضيتها، وما جرته عليهم من حروب وشهداء.

وأقول شهداء إذ، في ملتي واعتقادي أنا، إن كل من يقتل في مواجهة إسرائيل شهيد بلا ريب، بصرف النظر عن موقف نظام بلاده، أما الحروب فلم تكن كلها من أجل فلسطين، في ملتي واعتقادي أيضا.

وقد يتساءل كثيرون لماذا هذا الاستنكار الواسع لتطبيع المغرب العلني مع إسرائيل مع أن ذلك التطبيع قائم ويتوسع ويتعمق منذ خمسينيات القرن الماضي، ومع أن المطبعين الآخرين سبقوا المغرب في المجاهرة والمبالغة في إظهار الود للحليف الجديد؟

ذلك لأن من رفع لواء التطبيع في المغرب على رؤوس الأشهاد، كان يرفع راية الإسلام قبل أن ينكشف المستور.

وقد يتساءل كثيرون لماذا تصمت الأمة صمت القبور، وهي ترى ولاة أمرها يُسْلِمونها للمجهول، فلا نرى مظاهرة ولا نسمع صوتا، اللهم إلا أصوات المحسوبين على الأنظمة وزبانية المال تبارك وتهلل وتشيد؟

أو ليست هذه هي الأمة نفسها التي ملأت الساحات والميادين قبل 10 سنوات، وهي تهتف من أجل التغيير والحرية؟

العجيب أن الحرية والتغيير، كما هي في القاموس السوداني الليبرالي، آلت أيضا إلى تطبيع مثل تطبيع المغرب، فتساوى في القاموس العربي بذلك الإسلامي والليبرالي واليساري المهرول قبل الجميع، ومن لا هوية له إلا الاستبداد.

لقد أصبحنا جميعا نتدافع مثل شَلِيَّة خراف يسوقوها راع على شاكلة "جاريد كوشنر" إلى المقصلة التي تنتظرنا. أليس لنا من التاريخ عبرة فنحتسب، ومن بطون الكتب دروسا فنعي ونرتقب؟

حين أطلق البابا أوربانوس الثاني عام 1095 الصيحة الأولى للحروب الصليبية المقدسة لتحرير بيت المقدس من المسلمين "الهراطقة"، كنا كما نحن اليوم طوائف وكيانات ضعيفة مبعثرة، وقبائل لا تدرك في يومها ما دار في أمسها، ولا تستدرك في نهارها ما دُبِّرَ لها في ليلها.

آنذاك كانت فلسطين هي الضحية الأولى كما هي اليوم -يا قومنا- سكت من حولها من أمراء الطوائف في بلاد الشام ومصر؛ بل إن بعضهم وقف مع الصليبيين لعلهم يرحمونهم أو يتركونهم في هوانهم، ولكم فيما آل إليه آنذاك حال حكام مصر الفاطميين المثال والعبرة.

كانت فلسطين اليوم هي الضحية الأولى كما كانت بالأمس البعيد، فتبعتها سيناء والجولان ومزارع شبعا. ويقولون لنا إن سيناء حررها السلام، وإن كانت الدبابات المصرية لا تستطيع دخولها إلا بإذن وتنسيق، وتدخلها بحرية الجرافات، التي تدمر بيوت الناس في رفح والعريش وغيرها.

لم تُنْجِ الفاطميين تحالفاتهم فجاءتهم الحملات الصليبية تترى، إلى أن أنقذهم الزنكويون وصلاح الدين وحرر القدس، ثم سلمها المتناحرون في مصر من الأيوبيين لفريدريك ملك صقلية، قبل أن يستعيدها المماليك، ويحرروا مدن الساحل الفلسطيني من الصليبيين، وقد سلمها أبناء صلاح الدين من بعده، وهم يقتتلون فيما بينهم.

وفي الشرق حين جاءت جيوش المغول تحرق وتدمر، وقفت الطوائف وأعداء العروبة والمستسلمون معهم فدخل المغول بغداد، ودمروا عِلْمَنا وذاكرتنا، ولم ينج أصحاب الطوائف ولا نجا أصحاب الرايات البيض.

وفي الأندلس كانت دويلات الأمويين المتناحرة تتحالف مع الإسبان بعضها  ضد بعض، وهي تتساقط واحدة واحدة، حتى رحل المعتمد بن عباد عن إشبيلية، وترك لنا ذكريات يوم الطين مع جاريته "اعتماد"، وبيت الشعر الشهير

ألقاب مملكة في غير موضعها… كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

ورحل عبد الله الصغير، وترك وراءه قصر الحمراء، وبيت الشعر الشهير أيضا:

ابكِ مثل النساء مُلكا مُضاعا… لمْ تُحافظ عليه مثل الرِّجال

الذي ندبته أمه به، وهو يبكي ملكه المضاع.

وما أكثر "اعتماداتنا" هذه الأيام، وما أكثر ما سيتركن ويتركون من قصور مشيدة وآبار معطلة، غير أننا لا نجد أمهات تندب هزائمنا.

وحتى حين انتقلت رايات المسلمين إلى الأتراك العثمانيين لم يتركوها بدون حرب لأكثر من 3 سنوات تفصل بين الحرب والأخرى؛ لكن هذا حديث له يوم آخر.

وَيْحَنَا! لكأن المرء يشاهد اليوم فيلمين متطابقين في النص، وفي الصورة، وفي الإخراج وفي المكان، ولا اختلاف بينهما إلا في الزمان، وفي الشخوص الفاعلين على المسرح وفي الميدان، من السلاطين وحريمهم، وقادة الجيوش ونياشينهم، الوهمي منها والحقيقي.

كانت فلسطين اليوم هي الضحية الأولى كما كانت بالأمس البعيد، فتبعتها سيناء والجولان ومزارع شبعا. ويقولون لنا إن سيناء حررها السلام، وإن كانت الدبابات المصرية لا تستطيع دخولها إلا بإذن وتنسيق، وتدخلها بحرية الجرافات، التي تدمر بيوت الناس في رفح والعريش وغيرها.

أما جنوب لبنان وغزة المحاصرة فذاقا طعم الحرية الصادق، من فوهة بندقية مجاهد ومقاوم، اقتحم المسرح على كل شخوصه وغير قواعد اللعبة، مع أن أصحاب الرايات البيض من سدنة أوسلو، والثوار الذين طلقوا بنادقهم في فلسطين نفسها، ومن عرب التطبيع، يكذبون وينكرون.

في القرن الماضي أتونا من الغرب غزاة من كل ديار من لبوا صيحة أوربانوس الأولى، ومن تلوه من كهنة روما وممالك الإنجليز. واليوم أيضا يأتوننا ومعهم جبابرة أقصى الغرب وراء المحيطات؛ لكنن لا نرى على حديد دروعهم وقاذفاتهم وصواريخهم صليبا، ولا نسمع باسمه هتافا.

ومن الشرق عادت الطوائف ورموزها تعبث بنا في العراق وسوريا واليمن ولبنان وبعضنا يرفع صورهم في شوارع بعض عواصمنا، وبعضنا ينتظر النصرة من الحلفاء الجدد في فلسطين المحتلة.

يقول لنا المنتصرون منذ قرنين وزيادة، هذا زمن جديد لا حروب صليبية فيه، ولا جهادية، ولا طائفية حقيقية أو متخيلة؛ بل تحالفات مصالح ودول وحقوق إنسان ومبادئ عصر التنوير. وينساق ولاة أمرنا، وكثير من أدعياء الثقافة بيننا، وشيوخ السلاطين، وكثير منا؛ نحن اللاهثين وراء الخبز.

ليس مدار الأمر أن تكون الحروب التي تداهمنا، ونحن نسمع قرع طبولها قبل أن يتقدم الجند، أو التي تأخذنا على حين غرة، تحمل عناوين دينية أو دنيوية، وكلاهما محتمل. مدار الأمر أننا نغوص أعمق وأعمق في مستنقعات الجهل والفقر والخوف، ساهين غافلين، وتفرض علينا الإملاءات حتى لا تصيبنا دائرة نخشاها.

وهكذا نسارع فيهم ونطبع معهم؛ بل أصبحنا نسبح بحمدهم عند أسوار الأقصى وشواطئ يافا، ونعلق عليهم أملا في نصر حقيقي لم نذق له طعما بعد حطين وعين جالوت وانتصارات المماليك.

كم تقزمت أحلامنا وقصرت هممنا بعضنا في فلسطين غدا همه تنسيق أمني، حتى لا يقف طويلا عند حاجز، ولا تتأخر له معاملة عند الاحتلال، أو لتجود عليه خزانة العدو بشويكلات هي في الأصل من عرق الشعب المحتل.

كم صغرت عقولنا وضاق خيالنا! حتى غدا النصر في معاجمنا رفع علم عند حد مع الاحتلال تكتمل به أركان الوطن والكيان. كم كبرت فينا المكابرة الزائفة وأحاطت بنا خطيئة النفاق! حتى أصبح المقاوم الممانع بالأمس القريب، لا يرى في التفاوض على حد بحري مع الاحتلال اعترافا به.

كم طغت علينا أوهامنا وتاهت بنا السبل! حتى غدت تغريدة من بضع كلمات تكفينا لنتيقن أن قطعة من الوطن هي الآن لنا، وجزء من ترابنا الواحد، وكأنها لم تكن كذلك من قبل.

كم تسطحت أفكارنا وثقلت مداركنا! حتى أصبحنا نعتقد أن الدولة الأقوى وراء المحيطات هي القدر نفسه، معاذ الله. تأمر فنرضخ، وتطلب فنلبي، وتشير فلا نناقش. أو لم يقل الرئيس المؤمن يوما أن 99% من الأوراق في يدها، وكان أول المهرولين المطبعين المستسلمين؟

كيف إذن آلت الأمة إلى هذه الحالة من التردي والموات، حتى إن المرء ليظن أن الداء استفحل ليعصف بالشعوب، ومن يزعمون أنهم ما زالوا ثوارا صادقين، بعد أن كنا نحصره في النخب الحاكمة. ولولا الإيمان بالله ووعده بأن وعد "الآخرة" آت لا محالة، لَكُنا من القانطين. (عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده).

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة