هل نحن على وشك الانتحار الجماعي؟ الضوابط الأخلاقية لبناء مجتمع مسالم

أهدي هذا المقال إلى صديقي العزيز الدكتور محمد خير الوزير الذي شرفني بدعوة إلى جنيف لحضور مجلس عالمي يحتفي بترسيم خطوط عريضة تهندس بناء بلد معافى من عشرية سوداء دموية حرقت كل جمال فيه.

كان على الحاضرين، وأنا واحد منهم، الإسهام في بناء ميثاق شرف وطني يجمع شتات شعب مزّقته إرادات دولية خارجية، وآلة تدمير داخلي، وجهل ذاتي، ونخبة لم تكن على قدر المسوؤلية في غالب صورها؛ الأمر الذي استدعى في ذاكرتي التساؤل: ما هو الواجب المفقود؟ وكيف نعمل على تحسين ما هو موجود؟

ومن نافلة القول التذكير بما أسفر عنه حكم غالب القيادات السياسية في العالم العربي والإسلامي، منذ الاستقلال الموهوم وحتى اللحظة الراهنة، من مزيد من استنزاف الطاقات والثروات، وتهجير العقول، وتكريس الدم والفتن الطائفية والقومية، وزعزعة استقرار البلاد، وتحويل المشتركات إلى متناقضات، وإشعال الحروب البينية التي تغذّي قوة السلطة كالخلاف بين القومي والديني والإسلامي والعلماني وبين أبناء الدين الواحد وبين أتباع دين ودين آخر، ولا نشك أن معظم تلك المواجع المجتمعية يغذيها الرأس المستبد الذي يتبع ثلاثية القهر والإهانة:

1- ضرب الكل بالكل.
2- تمكين المنتفعين والمحتقنين من اعتلاء منصات الإعلام.
3- تغذية الكراهية والخوف والدم وخطاب القهر والقتل.

الانقسامات والتلفيقات والتخبط لدى الأفراد والجماعات هي سيدة الموقف، وما يوجد هو بالأحرى منصات تتكون وتتفكك وتتنازع وتتقارب وفقا للقوة الدافعة واتجاه الريح. هذا هو التحلل والتفكك.

وفي مواجهة تلك الخطة الممنهجة تطفو استفهامات عميقة تحمل في صورها أنّات وآهات مستفسرة:

كيف يمكن تجسيد النجاة في ثقافة جامعة لكل المكونات ومنحها الزخم والطاقة اللازمين للانطلاق والاستمرار رغم العوائق الذاتية والموضوعية الكبيرة التي اعترضت مسيرة مجتمعاتنا؟

ألا يمكن التفكير بما يوقف ذلك الانتحار الجماعي؟

وكيف يمكن تكوين التشكلات الشعبية التي تدفع المجتمع للبناء، ورفض اتجاه التقوقع داخل مؤسسة الدولة والاستسلام لإكراهاتها؟

كم كان مؤلمًا حقًا ما ذكره د. برهان غليون -في حديث خاص لي- (أنه من الصعب أن نتحدث عن ساحة سورية).

هناك اليوم ساحات منفصلة تتنازع فيها قوى هي نفسها تتخبط حسب علاقاتها وتبعياتها للقوى الأجنبية، ولا أرى أي تيار فكري أو سياسي يحظى بالتوافق بين من يدّعي الانتماء له، بل لا أرى أي تيار متسق يمكن تسميته تيارًا.

الانقسامات والتلفيقات والتخبط لدى الأفراد والجماعات هي سيدة الموقف، وما يوجد هو بالأحرى منصات تتكون وتتفكك وتتنازع وتتقارب وفقا للقوة الدافعة واتجاه الريح. هذا هو التحلل والتفكك.

ونحن الآن في معركة إعادة التأليف والنشأة الجديدة وتناقضاتها وتجاذباتها في انتظار أن تتبلور التيارات ومحتوياتها ومعانيها الجديدة لمرحلة ما بعد الثورة. باختصار مسحت الثورة وقوّضت التيارات القديمة أو السابقة، والتحدي يكمن في إعادة بنائها في سياق الصراع على إعادة بناء سورية الدولة والمجتمع.

تلك المصارحة الشافية عن الواقع السوري المرير تحكي قصة مشاهد مكررة في العراق وفي مصر وفي ليبيا، وقابلة للظهور من جديد في ساحات وبلاد عربية أخرى..

ولا بد من من التذكير بأن غالب خطابات النهضة والإصلاح لا تفكر وفق قاعدة (ما هو كائن وصولًا إلى ما يبنغي أن يكون) بل تعمّق في خطابها (ثقافة القفز فوق الراهن) من خلال (تجاوز ما هو قائم إلى ما ينبغي أن يقوم)، وهذا معطب في التفكير ومطبّ واقعي يحول دون أي تغيير.

وقبل أن نتحدث عن المستقبل علينا وعي الراهن وتعقيداته، فاليوم لم يعد بمقدور أي علماني أو قومي أو ديني أن يدّعي أنه يملك الحل الوحيد، بل لا بد من:

1- النسبية والتواضع.مد جسور التلاقي.
2- تكوين ما يمكن تسميته بالتيار الأساسي.
3- التيار الشعبي يرتكز على أكبر القواسم المشتركة بين التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية.

ومن التوافقات المجتمعية بين كل المكونات التي يجب أن تسود فكر التيار الأساسي الشعبي والنخبوي:

أن كل تيار يدّعي نفي أي تيار آخر فسوف يتحول إلى جزء من المشكلة وليس إلى جزء من الحل.
الجدل الثري والساخن وعقلية التكامل عين البناء الصحيح، والمعارك ليست بين عناوين اللافتات بل مع حقيقة الامتثال للقيم وتطبيقها.
لا معركة بين قومي وديني وعلماني وإسلامي إذا حرّرت مسطرة لقياس حد كل جهة، فلا مجال لأن يمتطي العلماني الحكم ليركل الديني، ولا يصح لديني أن ينسف أمن المجتمع، ولا يجوز لقومي أن يجعل من قوميته ديانة.
الكنيس والكنائس والمسجد والصليب وطاووس والهلال وكل دين له دوره، وكل منهج سياسي وفكري له طرائقه على أن يلتزم الكل إرادة المجتمع التي تبني السلم.
لقد كان جديرًا بكل طرف أن يعترف بالقيمة الموضوعية للطرف الآخر، حيث إن كل طرف يمكن أن يعبّر بطريقته ومن الزاوية التي يعتقد فيها نماء وصلاح الوضع في البلاد، وعن المطالب الوطنية والدينية والقومية التي كانت ترمي إلى تحريك عجلة الحياة المدنية وتوجيهها نحو الأهداف المنشودة، فالمساحة المشتركة التي تنضج بالاحتكام إلى القانون وبالتدافع والتلاقي بين كل المشروعات هي ما يمكن أن نطلق عليه تسمية التيار الأساسي.

وهذا ما يمكن وضعه حجر أساس في بناء مشروع مواطنة، فالعدل وسيادة القانون وكرامة المواطن ملامح يمكن أن تختزل ما تتفق عليه هذه التيارات في سياق تعاطيها مع متطلبات المرحلة التاريخية وما يمكن تحفيز الجميع عليه.

وهذا يعني احترام خصوصية المكونات والخروج من ذهنية الاصطفاء الذاتي والمظلومية إلى فضاء العدالة.

فمن المحزن حقًا مع كثرة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أن يبقى قصور الوعي الجمعي حاضرًا، وهذا لم يكن من حظ الشعوب فحسب بل من سمات غالبية النخب.

إن التيارات السياسية والفكرية وإن اختلفت غاياتها وتنوعت، لا بد من أن تلتقي عند غاية واحدة هي خدمة الهدف الوطني المشترك الكبير.

والتأمل في مختلف المكونات السياسية يدفعنا إلى القول إن التيار الأساسي لم يتشكل بعد في كل المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا فوّت عليها فرصة ذهبية للجمع بين محاور الوطنية والاستقلال والديمقراطية والمرجعية المجتمعية التي تقوم على قواسم الانتماء لهوية المجتمع والعدالة الاجتماعية في نضالها السياسي.

إن بناء العدالة التي يتطلع إلى تحقيقها أبناء البلد على أرض الواقع بغية تحقيق إطار أساسي ينظم العلاقة بين هذه المكونات المختلفة ويتسع لمختلف التعبيرات دون التنكر للأولويات الوطنية التي تقتضيها المرحلة التاريخية، ينبغي أن يكون جهاد الجميع كما أنه من المفروض أيضًا الوعي بحجم التداعيات التي من الممكن أن تنجم عن غياب هذا الوعي.

والتيار الأساسي ليس فكرة عرضية مسقطة، وإنما هي نتاج لاستقراء تجربة سياسية واسعة، ذات مكونات وعوامل متنوعة.

وفكرة التيار الجامع فكرة يستعصي تحقيقها بالمبادرات الفردية لكونها تولد من رحم التفاعلات السياسية والفكرية المتنوعة، إذ لا معنى لها مع غياب تعدد ينتهي إلى صناعتها وطرحها تتويجًا للجدل الذي يحيط بها.

كما أن بناء التيار الأساسي هو نتيجة حوار دائم، وليس عبر حلة من التخوين والشتائم. والحوار ليس مجرد عقد مؤتمرات أو إجراء ندوات في الصحف والكتب، بل هو حوار يشمل: أشكال الالتقاء المبني على المصارحة والمكاشفة والاستقلالية والخروج من النظر من الثقوب والشقوق، والتحاور بین الحركات السياسية ونشاطها السياسي نفسه، وبهذا المعنى تصبح المعركة الانتخابية حوارًا، وتصير نتائجها المستخلصة بغض النظر عن الأرقام والنسب، مرآة تعكس ما قد تتفتق عنه تفاعلات الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع بتياراتها المختلفة.

وبالنظر إلى أفكار ونضال التيارات الكبيرة، يحق لنا أن نطرح المسألة الوطنية عنوانا جامعا ناظما لجهودها ومؤطرا لجدالاتها الطويلة المضنية.

لقد استهلك التضاد بين مكونات المجتمع طاقات التيارات كلها منذ عقود طويلة متتالية، وقدّر لنا أن نعايش عصر سقوط أنظمة وثورات شعوب تبحث عن سبل تخليص الوطن والمواطنين مما يكبّلهم ويصادر حرياتهم ويعطل طاقاتهم المتطلعة إلى التقدم وکسب معركة التنمية في مختلف أبعادها.

قدّر لنا أن نعيش تلك المعركة القاسية حتى غدت الحاكم والرابط لكل المسائل المختلفة التي ترتبط بها، وإذ تظهر في شكل جدول أعمال نستغرقه في نهاية المطاف فيما نطلق عليه ضياع الوطن والمواطن.

لقد تحول الوطن إلى عائلة الطائفة الحاكمة، والمواطن إلى قتيل وشريد ومنفي ولاجئ، والدين إلى سكين، والقومية إلى حربة، وكل الوطن إلى هويات بدائية، ولم يتوافق الكل على فكر الخلاص الجمعي بل الكيد الضدي، وضاعت المسألة الوطينة. هذا المعطى الذي يمنح قيمة موضوعية ومقياسًا للخطأ والصواب يمكن أن تقیس به مختلف المواقف السياسية والاجتماعية .

نلاحظ أن المرجعيات الفكرية المختلفة بل والمتناقضة أحيانا لم تطمس الحرية والديمقراطية بوصفها مشتركا تداعت له تلك الأطراف بعد أن تبنّته وصاغت نظرتها إليه على ضوء أدواتها الفكرية حتى بعد مرور حين من الزمن، لكن الكل لا يزال مشغولًا بالممول وأجندته، لذلك لا يوجد عند تلك التيارات من فصل بين التحرر الوطني وواجبه في استقلال الإرادة على اعتبار أن كلًا من معركة الحرية والسعي نحو التحرر من التبعية وجه للمعركة الطويلة ضد الإهانة بأبعادها المتعددة، وعلى صلة بقضية التحرر، تأتي التنمية باعتبارها من تفريعات المسألة الوطنية التي تشمل في ما بعد الوضع الثقافي ومدى استقلاليته. السبيل الوحيد هو استعادة الثقة بين المكونات ولا فضل لمكون على آخر إلا بالمواطنة والإيمان بالقانون .. ذلك السبيل.

العدل هو الأساس .

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة