مقالات

وصفة موجزة للرواية التاريخية

(غيتي إيميجز)
(غيتي إيميجز)

لطالما شكّل التاريخ مادة غنية أمام الروائيين للاغتراف منه بوفرة لصالح أعمالهم، مع الحفاظ على المسافة بين النص التاريخي والآخر الروائي. إذ إن ذلك النهل والمزج لا يعني انمحاء الحدود بين الاثنين، كما لا يعني انعدام التقيّد بجملة اشتراطات أخرى مهمة.

ذلك لأنّ العمل الروائي، كما أفهمه، ليس بديلا عن التاريخ، ولا ينبغي له أن يكون. وبالتالي فإن الروائي لا يزاحم المؤرخ في اقتفاء الحقيقة والتقيد بنقلها من مكان إلى آخر على الحال التي وجدها عليه؛ بل قد يكون، وعن عمد، يسير في الاتجاه المعاكس.

يتنامى إغراء التاريخ أمام الروائيّ؛ لأنه بطريقة أو بأخرى يرى فيه حكاية ناضجة، حتى إن لم تظهر إلا الملامح العامة. فهي إما أن تكون معتمة في إحدى جوانبها، فيقوم الروائي بالإنارة عليها، أو تامة مغلقة، فيُجرّب عليها احتمالات أخرى. بمقدور الروائي أن يستدعي التاريخ للحاضر الذي يعيشه، أو يبعث بهذا الحاضر ليكون جزءا من التاريخ؛ لكن نجاح تلك "الألعاب" الروائية مشروط، في اعتقادي، بانتباه الكاتب لحركته وسط "الجثث" التاريخية، كي لا يُفسد شيئا من حيث يريد إصلاحه.

ينبغي ابتداء أن يكون الكاتب واعيا لمراده من الخوض في التاريخ، حفرا أو مزجا أو انتقاء أو معاكسة؛ لأنه في كل تلك الحالات قد يُهدر الجهد والوقت إذا كان ينوي الوصول إلى الخلاصات ذاتها التي بلغها المؤرخون قبله. فالروائي بطريقة أو بأخرى يجب أن يُقدّم شيئا جديدا في آخر المطاف. هذا الجديد قد لا يتأتى بدون رؤية مسبقة للمراد تنفيذه عبر استخدام مادة تاريخية راكدة. ولعلّ مما يساعد على بلوغ هذا المأمول، هو إدراك فكرة الاحتمالات التي تجعل من أيّ حكاية قابلة للتوليد عددا لا نهائيا من الحكايات متى ما تغيّر شيء من عناصرها؛ كأن تبدأ أو تنتهي من مكان أو بطريقة مختلفة، أو أن تحمل مهمة إيصالها شخصية غير التي فعلتْ ذلك في الواقع، أو أن تتبدّل ارتدادات الحدث عما أثبته التاريخ، إلى غير ذلك من التغييرات المتاحة دوما على كل حكاية.

إحدى الأفكار المعينة على التحرّك بحرية أكبر في النصّ التاريخي هو انتقاء منطقة رخوة يسهل تشكيلها وإعادة سردها بدون أن يتعرّض المثبت في التاريخ لاستهداف مؤذ وغير موضوعي؛ لذا ينبغي على الروائي أن يتجنّب مركز الحكاية التاريخية؛ لأنه في الغالب شديد التماسك على مستوى الأحداث والشخصيات، وليختر في المقابل إطلالة على ذلك المركز لا يملك النص التاريخي نفيها أو اعتبارها اعتداء بيّنا عليه. فمثلا، إذا كان الهدف هو شخصية تاريخية شهيرة قادتْ معركة فاصلة، يُفضّل أن يتم اختيار شخصية ثانوية لا يستطيع أحد أن ينفي وجودها، وربما ولا حتى إثباتها، تكون قريبة من ذلك القائد لتصبح شخصية وجهة النظر التي ستقود النص، وتعيد تشكيله.

اختيار شخصية وجهة النظر من الهامش، يُتيح إلباسها ما يتطلبه النص الروائي، ليس فيما يخصها شكلا ومضمونا فحسب؛ بل فيما يخصّ الشخصية التاريخية المستهدفة بالأساس، وكأنّ شخصية وجهة النظر ما هي إلا المرآة التي أبانتْ عن الهدف الأول بالوضوح اللازم. هذه الحيلة ما تزال ناجحة وعامرة بالاحتمالات التي من شأنها أن تُغني النص وتعمّقه.

ثم ليكن في بال الروائي على الدوام أنّ عليه الإبقاء على ما أثبته التاريخ بمثابة الأرضية، التي تستند عليه حكايته؛ لكنه في المقابل يعبث بارتداداته أو مسبباته أو يخلق مآلات كان يمكن حدوثها لو تغيّرت إحدى المعطيات. وكأنه بذلك يطرح تصورا جديدا للحدث التاريخي، ويضع القارئ أمام ما حدث فعلا، وما كان يمكن حدوثه. هذا الأمر يتطلّب في المقابل ألا يتم إثقال العمل الروائي بما يمكن العثور عليه في كتب أخرى. فإذا عدنا إلى مثال القائد التاريخي، ينبغي ألا يهتم العمل الروائي بالحكايات الحقيقية عن الرجل والمبثوثة في كتب التاريخ؛ بل يمر على أكثرها إلحاحا بشكل عابر، فيما يقفز عن كل ما يمكن تجاوزه، لصالح الجديد والطازج في نصه الموازي.

هذه الوصفة الموجزة، لا تكف تنمو وتتشعب بالتجربة والمغامرة من شخص لآخر، وأجمل ما فيها ربما أنها رهن الركض بأقصى سرعة، فيما تحيط بالشخص القيود والأثقال من كل جانب. ولهذا حديث آخر ربما.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة