صور من التسامح الديني في اليونان وفي مرتفعات قره باغ

في سبتمبر/أيلول الماضي استطاعت أذربيجان في عملية عسكرية دامت 44 يومًا أن تحرر مرتفعات قره باغ المتنازع عليها بعد 30 عاما من الاحتلال الأرميني. ولا يمكن لأحد أن يتخيل أن أرمينيا كانت ستتخلى بمحض إرادتها عن هذا الإقليم وتنصف الأذريين.

من الناحية النظرية يقرّ المجتمع الدولي بهذا الاحتلال أو بالأحرى غضّ الطرف عن هذه المنطقة التي احتلها الأرمن مدة تزيد على 30 عامًا، ويرى أن هذا النزاع يمكن أن يُحلّ بمحادثات السلام. وبناء على ذلك، أُسست مجموعة "مينسك" التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي تهدف إلى حل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم قره باغ، لكن الدول الأعضاء في هذه المجموعة ساهمت في ترسيخ الاحتلال بدلا من إنهائه، ذلك أن الوضع الذي عدّته احتلالا لم يكن لديها مخطط لإنهائه.

وفي ظل هذا الوضع، كان على أذربيجان أن تتخذ قرارًا مصيريًا لإنهاء الاحتلال مستعينة بالدعم التركي. فقد بلغت أذربيجان نقطة تجعلها مجبرة على نزع أشواكها بيدها وحل مشكلاتها بنفسها دون أن تعترض أي دولة على ذلك. وبعبارة أخرى، من الأجدر بالدول الأعضاء في مجموعة "مينسك" أن تكون ممتنة لأذربيجان وتركيا على اتخاذ هذه الخطوة الهادفة إلى إنهاء هذا الاحتلال لأنها فعليًا خلّصتهم من حمل ثقيل.

ورغم إقرار مجموعة "مينسك" رسميًا باحتلال أرمينيا مرتفعات قره باغ ومساعيها المزعومة لإنهائه، فإنها لم تتخذ أي خطوة على أرض الواقع تعكس التزامها وضع حد له، ولا يمكن القول إنها راضية اليوم عن نجاح أذربيجان في إنهائه، بل على العكس من ذلك، يبدو أنها منزعجة.

ولا تنفك هذه الدول عن التعبير عن امتعاضها في كل مناسبة كما سبق للمنظمات الدولية أن أعربت عن مواقف مماثلة، مع أنها ينبغي أن تكون محايدة. فعلى سبيل المثال، أعرب المتحدث باسم منظمة اليونسكو عن خوفه من أن يلحق ضرر بالمعالم الدينية التابعة للأرمن في المناطق التي خلصت من الاحتلال.

كان تحول سكان منطقة الأناضول من المسيحية إلى الإسلام طوعيا والتاريخ يشهد على ذلك، لكن تصريح رئيس الأساقفة يكشف عن الأحقاد الدفينة التي لا تزال موجودة إلى اليوم. فالكنائس القائمة في المنطقة بحالة جيدة رغم مرور عقود تظل من أبرز مظاهر التسامح الديني الذي يتحلّى به المسلمون.

ولا تخلو هذه التصريحات من العبث بل تنطوي على إنكار أحقية أذربيجان بهذه الأراضي، لأن تلك المنظمات لم تكترث لأمر المساجد عندما احتلتها أرمينيا قبل 30 عامًا، فلم تعترض منظمة اليونسكو أو ممثلوها على ما يحدث للمعالم الدينية الإسلامية في هذه المناطق، ولم تعرب عن قلقها بشأن مصيرها. والآن بعد أن عادت هذه الأراضي إلى أصحابها، باتوا يخشون أن تتضرر الكنائس الأرمينية والمعابد الدينية.

إن هذا الموقف إن دلّ على شيء فهو يدل على جهلهم وقلة اطلاعهم، فلطالما حرص المسلمون عبر التاريخ على حماية المعابد والمعالم الدينية لمختلف الأديان، وهناك كثير من الأمثلة المشرّفة التي تعكس التسامح الديني. وحتى في الحروب، تُستهدف المساجد عادة في حين تبقى الكنائس والمعابد في مأمن، وخير مثال على ذلك ما حدث في حرب البوسنة في التسعينيات حين تضررت المآذن والمساجد بشدة ولم يمسس الكنائس أي ضرر، وذلك لم يكن بسبب عدم قدرة المسلمين على استهدافها بل لأنهم يراعون حرمة هذه الأماكن ويدركون أهميتها.

وبالعودة إلى مرتفعات قره باغ المتنازع عليها، التي عاشت 30 عامًا من الاحتلال الأرميني، نجد أن الخراب والدمار لحق بالمساجد مثل مسجد شوشة، ومسجد زنجيلان، ومسجد آغدام، وتحول بعضها إلى حظائر لتربية الخنازير والبقر. ومع ذلك، لم يدلِ أي من ممثلي اليونسكو بتصريح يندد فيه بما يحدث لهذه المعالم، في حين إنهم لا يتوانون عن التعبير عن مخاوفهم غير المسوغة على الكنائس، خاصة أن أذربيجان لم تفعل ذلك في المناطق التي حررتها سابقًا.

وتؤكد هذه التصريحات الشكوك بشأن انزعاج هذه الدول من النصر الذي حققته أذربيجان على الأرمن. ولعل هذا ما أكده رئيس أساقفة مدينة أثينا، إيرونيموس الثاني، في وقت سابق عندما قال إن الإسلام ليس دينًا بل حزب سياسي. وتعكس تصريحات من هذا القبيل مواقف هذه الأطراف اليوم تجاه منطقة الأناضول التي كانت ذات يوم تهيمن عليها الديانة المسيحية.

وكان تحول سكان منطقة الأناضول من المسيحية إلى الإسلام طوعيا والتاريخ يشهد على ذلك، لكن تصريح رئيس الأساقفة يكشف عن الأحقاد الدفينة التي لا تزال موجودة إلى اليوم. فالكنائس القائمة في المنطقة بحالة جيدة رغم مرور عقود تظل من أبرز مظاهر التسامح الديني الذي يتحلّى به المسلمون.

وفي اليونان لم يبق هناك أثر لآلاف المساجد التي كانت ذات يوم منتشرة في مدنها، ففي مدينة أثينا لا يوجد أي مسجد فقد أغلق بعضها أو هُدم، وهذا دليل على أنهم لا يريدون أن يكون للإسلام أي أثر في دولهم. فأين مسؤولو اليونسكو من كل هذا؟ لماذا لم ينددوا بما يحدث لهذه المساجد في اليونان، أو يعبّروا عن قلقهم على مصير هذه المساجد التاريخية؟ الإجابة عن ذلك بكل بساطة هي أن الإسلام والمسلمين دائما مُستثنون من القوانين الدولية.

إن طرح مثل هذه الموضوعات من جديد يتيح الفرصة لإعادة تقييم السياسات التمييزية التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في كل مكان، ويعطينا نحن المسلمين الحق في الدفاع عن أنفسنا، وأفضل رد على مثل هذه المزاعم هو سجلّنا الناصع في التسامح الديني.

 

 

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة