معجم الدوحة للغة العربية والمهمة الإحيائية

(الجزيرة)
(الجزيرة)

نظرت في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، لأقف على ما ينطوي تحت الجذر "زجل" من تصاريف ومعان بشواهدها، وقد عرضت لي إحداها، أثناء قراءة في شيء من التراث، فاستشكل عليّ الفهم، فقصدت أهل الذكر لعلي أعلم.

واسترعى انتباهي تحت مدخل "أَزْجَلَ الشيءَ"، بيت شعر لفارعة بنت شداد المُرِّية تصف فيه دفع الريح لسحاب سِيقَ، فسقى، فأحيا تلاعا عطشى

بِتْنَا وبَاتَتْ رِيَاحُ الغَوْرِ تُزْجِلُهُ…. حتى اسْتَتَبَّ تَوَالِيهِ بِأَنْجَادِ

وقد عَرَّف أساتذة المعجم كلمة تُزْجِلُهُ بمعنى تدفعه من الخلف.

ولعل معجم الدوحة يكون بإذن الله، سحابا متراكما في فضاء لغتنا العظيمة، فيحيي ما ران عليه الزمان والنسيان من مفردات وسياقات استعمالية ستتكشف، لو استطعنا أن نبعث فيها الحياة، عن ثقافة موسوعية ومعان ضافية، وبيئة تخفي تحت أغطية الزمن علما واسعا وخيالا رحيبا.

ووقفت كذلك تحت مدخل "زَجَلَ الشيءَ"، على بيت شعر آخر لابن مقبل العجلاني يصف فيه سير ناقته مسرعة

وَقَدْ أَبْعَثُ الوَجْنَاءَ يَزْجُلُ خُفَّها…. وَظِيفٌ كَظُنبُوبِ النَّعَامَةِ أَرْوَحُ

والناقة الوجناء أي ضحمة الوجنة، والوظيف الذراع أو الساق المستدق والظنبوب عظم الساق، والأروح الذي في صدر قدميه انبساط.

وقبل أن أطرح بعض المقترحات والأفكار، أود أن أوطئ لذلك بنظرة على ما في البيتين السالفين من مثل ما ذهبنا إليه آنفا من طرائف ومعان؛ ليستبين لنا كيف يمكن لمعجم الدوحة أن يضطلع بتلك المهمة الإحيائية. فنحن ولغتنا بحاجة ماسة لها في زمن الاستعجال والارتجال والابتذال، خاصة وقد طغى غث كثير مما تنشره وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى بعض دور النشر، على كل سمين ورزين، أسلوبا ونحوا واستعمالا.

من البيت الأول استحضرت من الذاكرة ما سمعته أكثر من مرة من قائد الطائرة، وهو ينبه المسافرين إلى أننا سنهبط مبكرين نصف ساعة عن الموعد المذكور سابقا، بفضل ما يسمونه بالإنجليزية "ريح الذيل" (Tail Wind)؛ أي الريح التي تدفع الطائرة أثناء التحليق من الخلف فتزداد سرعتها.

وقبل أن أتطلع في هذا البيت كنت أترجم العبارة بـ"ريح الدفع"، وهي ترجمة لا غبار عليها. وأما الآن، فإني أفضل أن أسميها "الريح الزاجلة أو الزجول" بصيغة المبالغة.

وقد يقول أحدهم إن في هذا إقحاما لا حاجة لنا به، ما دام أن الترجمة الأولى لا غبار عليها؛ لكن ألا ترون أن الثانية أجمل وأقرب إلى موارد العرب اللغوية، وإلا لكانت فارعة بنت شداد استعملت، عوضا، كلمة تدفعه، وما كان للبيت، وهو من البسيط، أن ينكسر.

فانظروا إذن كيف لمعجم الدوحة أن يثري خيال المترجم والمتحدث، وما هذا البيت إلا نقطة في بحور العربية وتراثها.

وأما في البيت الثاني، وهو من الطويل، فقد استعمل الشاعر المضارع من "زَجَلَ يَزْجُلُ " بالمعنى نفسه لسابقتها، التي جاءت من "أَزْجَلَ يُزْجِلُ"، وفي هذا دليل على سعة تصاريف العربية، مما يريح الشاعر في قوافيه، والكاتب في نثره وسرده.

على أن البيت يزخر بأوصاف ومفردات يمكن لها، لو استطعنا إحياءها استعماليا، أن تثري المعاجم الطبية. فالناقة الوجناء ونحوها هي التي ضخمت وجنتها، أو وجنته فهو أَوْجَن. ولعلي أتذكر هنا صديقا سوريا كان يقول بلهجة شامية حين يرى امرأة بها هذه الصفة "كراسي خدها عالية". وكنت أتعجب من ذلك التعبير، ولو كنت أُلِمُّ آنذاك بوصف وجناء، لقلت له إنها وجناء.

أما كلمتا الوظيف والظنبوب، فلو أعيدتا إلى النطاق الاستعمالي الحي، فستعينان المترجمين والمؤلفين لكتب الطب عونا واضحا، وكذلك ستفيد كلمة أَرْوَح لو أحييت في وصف حالات تبسط القدمين المنتشرة هذه الأيام، ونجد كثيرا من الآباء والأمهات يطرقون أبواب الأطباء طلبا للعلاج.

وهكذا نرى كيف يمكن لصفحة معجم الدوحة على الإنترنت أن تكون أداة إحيائية بالمعنى الذي ذهبنا إليه فيما سلف، إذ تكاد خدمات الإنترنت عبر الأجهزة المختلفة تدخل كل البيوت، وترافق الناس في حلهم وترحالهم داخل البيت والوطن وخارجهما.

على أن ما سأطرحه هنا ليس إلا أفكارا أنا على يقين أن أساتذة المعجم والقائمين عليه يدركونها، ويتداولونها في اجتماعاتهم ومجالسهم العلمية. ومع ذلك، فإن طرحها على صعيد أعم قد يفيد ولا يضر، وقد يفتح زوايا جديدة للنقاش والإبداع خدمة للغتنا الجميلة.

وكلما فتحت صفحة المعجم تساءلت متمنيا لِمَ لا تكون هذه الصفحة ناطقة؟ فلو كانت كذلك، بمعنى أن يستطيع المرء الاستماع لنطق الكلمة المقصودة؛ لكانت ذات فائدة جليلة لمن يتعلمون اللغة العربية من غير أبنائها؛ بل حتى من أبنائها، فيتعلم الجميع النطق الصحيح، ويتقنون مخارج الحروف، وتستقيم لديهم المعاني سواء منها ما يستوعبه المرء مباشرة، أو ما يستبطنه الاستعمال المتداول. فكلمة "أَرْوَح" التي سقتها آنفا بمعنى تبسط القدم، قد يقرؤها المرء خطأ بلفظ "أَرُوحُ"؛ أي أذهب، أما حين يستمع لنطقها الصحيح فسوف يتبين له المعنى. وهكذا دواليك.

وقد تنبه المعنيون في الغرب وغيره لأهمية المعجم الناطق، فجعلوا من "أداة النطق" (Pronunciation) سمة أساسية لمعاجمهم، ولو أضافها معجم الدوحة لأصاب بذلك ما لم تأت به الأوائل والأواخر حتى الآن.

وسوف تتعاظم فائدة أداة النطق هذه لو أن المعجم جعل كل الشواهد الشعرية والنثرية، التي يسوقها، ناطقة نطقا سليما لفظا ونحوا. فالعلماء يقولون اليوم إن المرء يزداد استيعابه للمعنى حين يسمع ويقرأ، ولو حدث هذا فسيكون معجم الدوحة صاحب الفضل في هذه المهمة الإحيائية.

ولو أن المعجم يعرض كل يوم تحت عنوان "كلمة اليوم" تاريخ كلمة ما وتطور معانيها وتصريفاتها، وأبرز الشواهد التي قيلت فيها؛ لكان في ذلك إحياء لكثير من المفردات، التي لا تستخدم اليوم وطواها النسيان؛ لكنها ما زالت قادرة على تجسيد المعنى وإثراء المعرفة.

وكما في المعاجم الناطقة بلغات أخرى، فإن معجم الدوحة سيفيد الأجيال لو أنه يجعل من صفحته أكثر جاذبية، أو بلغة العصر أكثر تفاعلا مع الأطفال والشباب، وحتى الكبار، حين يضيف "أدوات الاختبار والألعاب" (Quizzes and Games) للصفحة. وخير مثال على ذلك صفحة معجم "ويبستر" (Webster) الأميركي بما تقدمه من اختبارات ذات مستويات مختلفة تتدرج لتناسب عمر الطفل ومعرفته اللغوية، وثقافة الشخص عموما.

فكم سيكون مفيدا لو أننا نجد على الصفحة شئيا مشابها يختبر قدرة القارئ على تمييز كلمة تصف اللون أو الريح أو الماء، وما إلى ذلك بين مجموعة من الكلمات مختلفة المعاني.

وكم من المفيد لو أن اختبارا آخر يستهدف تعزيز معرفة القارئ بوسوم الكلمات وتصريفاتها وما إلى ذلك.

وإن تمت المزاوجة بين الصفحة وتطبيقات الهاتف النقال، فستكون الفائدة أعظم وأوسع. ولمن أراد المزيد، فليطلع على صفحة "ويبستر" ولعبة "بوكو" الخاصة بإثراء مخزون المفردات لدى الأطفال ما بين سن 8 و12.

وما من شك في أن الصفحة وتلك الأدوات الموجودة عليها ستتطور وتزداد احترافا بمضي الوقت، وتكريس معرفة القائمين عليها.

ورغم أن صناعة النشر على الإنترنت في العالم العربي لم تبلغ حتى الآن ما بلغته في الغرب، وخصوصا ما تفعله شركة أمازون عبر الجهاز المعروف باسم "كيندل" (Kindle)، فقد يكون من المفيد لو أن معجم الدوحة يطور علاقة خاصة مع دور النشر؛ ليصبح المعجم المرجع الذي يذهب إليه عبر الإنترنت كل من يريد أن يعرف معنى كلمة استشكلت عليه وهو يقرأ. وهذا ما يفعله كل من يستعمل "الكيندل" لتنزيل الكتب وقراءتها. فبمجرد أن تضع إصبعك على الكلمة ينقلك الجهاز إلى المعجم المختار، فتعرف معناها.

وكم سيكون مفيدا لو أن معجم الدوحة يطبق هذا الأمر في تطبيقات القرآن الكريم على الإنترنت، وفي مقدمتها مصحف قطر، حتى يستطيع القارئ أن يراجع معنى الكلمات على الفور، وهو يقرأ.

وما من شك في أن هناك أفكارا أخرى لم تخطر على البال، وقد يطرحها آخرون، وما هذه إلا أفكار تواردت عفو الخاطر فدونت كي لا تتلاشى.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة