مقالات

تركيا تشعر بالرضا الكامل عن المصالحة الخليجية

(رويترز)
(رويترز)

دارت فعاليات القمة الـ41 لدول مجلس التعاون الخليجي في مدينة العلا التاريخية السعودية، وقد شهدت هذه القمة التي تميزت بالتنظيم المحكم، وتوصف رسميا بأنها دورة عادية لدول المجلس، إنهاء حالة التوتر والجدل غير العادية بالمرة، وإعادة الوضع إلى طبيعته، وهو ما يجعلها فوق العادة.

ساهم هذا اللقاء في وضع حد للتوترات التي كان يشهدها الخليج، والتي استمرت لفترة طويلة، حتى باتت تبدو كأنها وضع طبيعي، وجعلت الكثيرين يعتقدون أن هذا الصراع بلا نهاية؛ لكن هذه الخلافات انتهت بسرعة مذهلة، وهو ما يقدم نموذجا رائعا يعزز النظرية التي تقول إنه "لا شيء مستحيل على الساحة السياسية الدولية".

يقوم العمل السياسي على الحكمة والعزيمة، وإذا كان هناك طرف يرغب في المضي قدما بطريق السلام، فإن الطريق أمامه سيكون مفتوحا حتى إن كان الطرف الثاني عنيدا، ويرغب في الدخول بالحروب والصراع.

على أرض الواقع، تم خلال هذه القمة الخليجية رسميا إنهاء الحصار الجوي والبري والبحري، الذي كان مفروضا على قطر منذ 3 سنوات ونصف، وقد تم التوصل إلى اتفاق ينص على فتح المعابر واستئناف الرحلات الجوية والبحرية، لينتهي هذا الحصار بالسرعة نفسها التي بدأ بها.

استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر على سلم طائرته، وقال له "نوّرت المملكة". وفي وقت لاحق، تبادلا عناقا حارا، كما اصطحب محمد بن سلمان الأمير تميم والوفد المرافق له في جولة بمدينة العلا على متن سيارته الشخصية، ودار بينهما حوار مطول.

تبدو هذه التطورات واعدة للغاية، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات كبرى، وهو ما يشير إلى أن هذا الخلاف لم يكن مرحبا به في العالم الإسلامي، خاصة في دول الخليج التي بقيت هذه الخلافات بينها عالقة وجعلتها تتصارع فيما بينها.

لا شك أن استعادة الاستقرار في الخليج وحل الخلافات التي كانت قائمة، هو أمر مرحب به بالنسبة لتركيا، التي لم تكن تأمل أبدا أن يحدث هذا الخلاف منذ البداية.

وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه الأزمات يجب حلها بالحوار وفي كنف الاحترام المتبادل. فدول الخليج اليوم تدير اقتصادات قوية يمكن أن يكون لها أثر سياسي إيجابي على مصالح المسلمين في كافة أنحاء العالم، وذلك لو تمكنت من خلق حالة من الوحدة والتضامن وتصرفت على هذا الأساس؛ لكن العكس هو الذي حصل في فترة الانقسام، إذ إن أغلب طاقة هذه الدول أهدِرت في العمل ضد بعضها البعض، في وقت يعاني فيه الكثير من المسلمين خارج منطقة الخليج، وخاصة في أفريقيا وآسيا، من ظروف الفقر والاضطهاد. ولكم أن تتخيلوا ما الذي كان سيحدث لو أن الطاقة التي أهدرت في التنافس الداخلي في الخليج تم توجيهها لمساعدة هؤلاء المسلمين؟

هناك تساؤلات أخرى أيضا مطروحة بشأن تأثير اتفاق المصالحة الخليجية على العلاقات مع تركيا، وهل أن استعادة العلاقات بين قطر وجيرانها يستوجب الابتعاد عن تركيا، وموقف أنقرة بشكل عام من التطورات الأخيرة.

لا شك أن استعادة الاستقرار في الخليج وحل الخلافات التي كانت قائمة، هو أمر مرحب به بالنسبة لتركيا، التي لم تكن تأمل أبدا أن يحدث هذا الخلاف منذ البداية.

لم تكن علاقات التعاون بين تركيا وقطر تهدف لتقويض علاقة الدوحة بجيرانها الخليجيين؛ بل على العكس من ذلك، إن تدخلها كان بناء على اتفاقية التعاون الدفاعي بين البلدين، التي دعت إليها الحاجة في ذلك الوقت. وقد تمثل هدف أنقرة في منع أي تحرك ضد الدوحة، ولم تكن تهدف أبدا لتكوين جبهة ضد بقية الدول، باعتبار أنها تتصرف وفق مبدأ "لا بديل عن إحلال السلام بين الأشقاء"، عملا بما ورد في القرآن الكريم في الآية (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)، والآية القائلة (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ).

إن بداية صنع السلام اليوم في منطقة الخليج تجعل تركيا أول بلد يشعر بالرضا حيال هذا الأمر. وفي هذه الأثناء، يجب أن تعمل كل الجهود في مجلس التعاون الخليجي -من الآن فصاعدا- على تعزيز التعاون والتضامن فيما بينها، وذلك من أجل حل مشاكلها المشتركة. وفي الوقت نفسه، نتمنى أن تطور هذه الدول المزيد من الوعي تجاه مشاكل العالم الإسلامي بشكل عام. فالله حبا سكان منطقة الخليج العربي بالثروة أكثر من باقي الدول الإسلامية، وإذا أحسنوا استغلال هذه الثروة بإمكانهم خلق فرص اقتصادية لتنمية البلدان الإسلامية، بشكل يصب في مصلحتهم، ويساهم في ترسيخ السلام والازدهار والأمن في العالم.

إن دول الخليج مدعوة لمزيد من الاهتمام بالوحدة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى جانب المنظمات الحقوقية الناشطة على أراضيها.

لقد بات الدم الإسلامي -بكل أسف- أرخص من الماء في البلدان الإسلامية، وشرف المواطن لم تعد له قيمة، والانتهاكات الإنسانية باتت شائعة جدا؛ لذلك، سيكون من الأفضل للمسلمين زيادة الوعي الداخلي بشأن هذه القضايا، وعدم منح الدول الغربية أو المنظمات الدولية الفرصة للتدخل في هذه المواضيع.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة