يوم التحقت بالجزيرة نت

11 مايو عام 2000.. يوم التحقت بالجزيرة نت

لم يدر بخلدي، وأنا أتابع مقابلة كانت تجريها قناة الجزيرة مع الصحفية العراقية وداد العزاوي، ذات أمسية شتوية مطلع عام 2000، أن تلك اللحظة ستكون علامة فارقة في حياتي ومسيرتي المهنية.

كنت أعمل حينها في عدة مجالات؛ وهي الترجمة والتدريس والصحافة في صنعاء، التي وطأتها قدمي منذ سنوات قادما من بلدي العراق، الذي كان يعاني حصارا دوليا خانقا آنذاك، فخطرت ببالي فكرة مراسلة الصحفية العراقية المقيمة في قطر، وطلب مساعدتها في إيجاد عمل لي في هذا البلد، وكنت حينها منبهرا بنجاحات قناة الجزيرة في العالم العربي، وما سمعته من أصدقاء عن الأمن والأمان وجودة الحياة في قطر، وبالفعل تواصلت معها ورحبت بالفكرة، وطلبت مني إرسال السيرة الذاتية، فبعثتها لها على الفور، وقدمتها نيابة عني إلى الشؤون الإدارية في قناة الجزيرة.

وفي ظهيرة أحد الأيام في فبراير/شباط أو مارس/آذار عام 2000 تلقيت اتصالا من الدوحة يعرض علي موظف من الشؤون الإدارية العمل في موقع الجزيرة نت المقرر إطلاقه قريبا، موضحا لي تفاصيل وشروط العقد، فوافقت على الفور.

وصلت إلى الدوحة في مايو/أيار عام 2000 برفقة العديد من الزملاء، الذين تم اختيارهم للعمل في الموقع، وقدموا من مختلف أرجاء العالم العربي، ومنهم الزميل محمد عبد العاطي من مصر، الذي قدم معي بالطائرة نفسها من صنعاء إلى الدوحة، وبعض الزملاء العراقيين القادمين من بغداد؛ وهم عزيز الياسري ومنى الحيدري وزياد طارق رشيد، وكذلك الزملاء حسام حمدان، ومحمود عبد الغفار، ومحمد السيد، وأمين شحاتة، وداود حسن، وإسماعيل القريتلي، وعثمان كباشي، وعبد الحكيم طه، وعبد الله آدم، وجاد الكريم، والفضيل بلعروسي، ومنير الجالودي، وعبد الحميد العداسي، وعقبة الأحمد، ومحمد المختار الخليل، وسعيد حميدي، وعمران سلمان، ومنير الماوري، ويوسف عيسى، وجهاد عجنجي، ومصطفى أبو عين، وغيرهم من الزملاء.

استقبلنا الأستاذ محمود عبد الهادي المدير العام للموقع آنذاك بترحاب كبير، وخضعنا لاختبار بعد فترة وجيزة من وصولنا؛ لمعرفة قدراتنا في مجال الصحافة واللغتين العربية والإنجليزية، فنجحت والحمد لله مع زملاء آخرين، وكنت من أوائل من صدر قرار تعيينهم بصفة محرر في الموقع يوم 11 مايو/أيار عام 2000؛ أي قبل نحو 7 أشهر من الانطلاقة الرسمية.

دخلنا بعد ذلك في تدريبات مكثفة على أساليب الصياغة التحريرية للأخبار والتقارير، والمعايير المطلوبة في الجزيرة تحت إشراف مباشر من رئيس تحرير الموقع آنذاك الأستاذ أحمد الشيخ، ومدير التحرير الزميل محمود الخطيب، وكان لهما فضل كبير في تطوير مهاراتي الصحفية على أسس رصينة، وما زالت ترن في مسامعي عبارات الامتعاض، التي يبديها الأستاذ أحمد الشيخ عندما يكتب أحد الزملاء كلمات لا يستسيغها مثل "الأخير" للدلالة على اسم مسؤول ذكر في فقرة سابقة؛ لأنه لم يكن يحب استخدامها.

واستمرت التدريبات حتى انطلاق الموقع رسميا في الأول من يناير/كانون الثاني عام 2001؛ ليكون أول موقع إخباري رئيس باللغة العربية على شبكة الإنترنت.

كان التحدي كبيرا في ذلك الوقت، فشهرة قناة الجزيرة وجمهورها الواسع كانا يفرضان علينا المحافظة على هذا النجاح، وعلى الدور الريادي والمتفرد، الذي حققته القناة في تطوير الرسالة الإعلامية المرئية، وتمكين الجمهور العربي من المتابعة التفاعلية معها على شبكة الإنترنت. وكان الزملاء في موقع الجزيرة على قدر هذا التحدي من خلال تلبية تطلعات القراء، وجعل الموقع مصدر الخبر والتحليل الأول لهم بين المواقع الإعلامية العربية، فضلا عن تميزه على الصعيد العالمي.

وكانت هجمات11 سبتمبر/أيلول 2001 على مدينتي نيويورك وواشنطن من أوائل الأحداث الكبرى، التي نجح موقع الجزيرة بتغطيتها في عامه الأول من خلال الخبر والمعلومة والتحليل، وكذلك تغطية الحروب التي شنتها الولايات المتحدة بعد ذلك على أفغانستان والعراق.

إنه لشرف كبير لي أن أكون من بين المؤسسين لموقع الجزيرة نت، حيث ساهمت مع زملاء آخرين وعلى مدار السنوات الماضية في تطويره، حتى بات الآن من المواقع الرائدة عربيا ودوليا في مجال الصحافة الإلكترونية.

كما حرص الموقع، وما زال، على مواكبة التطور والتجديد في الشكل، والتطوير في المحتوى بما يعطي للزائر ما ينشده من جديد ومفيد بشكل أكثر يسرا وسرعة، وعلى نحو يجعل الموقع شبكة معلومات متكاملة تلبي حاجة قطاع واسع من مستخدمي الإنترنت، وقد أطل موقع الجزيرة بشكل جديد على زواره عام 2004، عندما كان الأستاذ عبد العزيز آل محمود رئيسا للتحرير، وكان من أهم مزاياه جمع المحتوى المتشابه في مكان واحد يسهل التصفح، ولا يشتت الزوار.

وعاصرت خلال عملي في الموقع العديد من الأحداث العربية والعالمية اللافتة الأخرى، لعل أبرزها الغزو الأميركي على العراق عام 2003، مرورا بالعنف الطائفي، الذي ضرب هذا البلد، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء واسعة من شمال وشمال غرب العراق، فضلا عن ثورات الربيع العربي وغيرها، وكانت تغطية الموقع لجميع هذه الأحداث، تغطية شاملة ومميزة نالت استحسان الجمهور وزادت من شعبيته.

من المواقف اللافتة، التي لا تُنسى خلال العمل في الموقع، الاستقبال الحار من زملاء في الموقع كانوا يقيمون بالدوحة بحكم دراستهم فيها، أذكر منهم الزميل عوض الرجوب، الذي دعاني وزملاء آخرين لتناول الغداء في أحد المطاعم (وسط المدينة)، وهي بادرة لطيفة ما زلت أتذكرها حتى الآن؛ لما تركته من انطباع إيجابي لدي حينها.

ومن المواقف اللافتة الأخرى في العمل، التشديد إذا جاز التعبير الذي كان يفرضه الزميل في التدقيق اللغوي عزيز الياسري (أبو عمار) على سلامة اللغة العربية، والذي يصل حد الانفعال بصوت عال على الصحفيين؛ لكنه كان انفعالا محببا من جميع الزملاء لمعرفتهم بطيبة أبي عمار ونقاء سريرته.

ومن كرم الرجوب وتشدد أبي عمار في اللغة العربية، كان هناك مزيج من الدعابات بين الزملاء رغم اختلاف مشاربهم؛ مما خلق جوا من الألفة بين عناصر الفريق المؤسس ما زال سائدا بينهم إلى الآن.

وفي المقابل كانت هناك مواقف محزنة فقدنا فيها زملاء أعزاء، كان أولها وفاة الزميل المدقق محمود الخزندار، وعلى الصعيد الشخصي تصادف يوم سماع خبر ترقيتي إلى صحفي أول عام 2008 مع تلقي خبر استشهاد أخي الأصغر بمسدس كاتم للرصاص على أحد الطرق السريعة في بغداد؛ لرفضه التورط في ملفات فساد بإحدى المؤسسات في العراق.

على الصعيد المهني الشخصي أفتخر بتقاريري الميدانية، التي أنجزتها للموقع عن الأوضاع في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، وكذلك تقارير عن الأوضاع في أفغانستان عام 2006، وتقاريري الميدانية لحدثين رياضيين بارزين، هما آسياد الدوحة عام 2006، وأولمبياد بكين عام 2008، وكذلك القمة العربية في بغداد عام 2012.

وطوال عملي في الجزيرة نت مررت بمواقف وتجارب كثيرة مثلت إضافة مهنية كبيرة بالنسبة لي في مجال الإعلام، وعملت مع زملاء كرام من شتى بقاع العالم العربي استفدت من خبرات بعضهم ومهاراتهم وتجاربهم، وأفدت بعضهم الآخر.

وأختتم بالقول إنه لشرف كبير لي أن أكون من بين المؤسسين لموقع الجزيرة نت، حيث ساهمت مع زملاء آخرين وعلى مدار السنوات الماضية في تطويره، حتى بات الآن من المواقع الرائدة عربيا ودوليا في مجال الصحافة الإلكترونية. وأعتبر أن العمل في هذه الموقع مصدر فخر واعتزاز لي، ولا أنسى التعبير عن امتناني البالغ لشبكة الجزيرة، ودورها الكبير في تطوير قدراتي المهنية؛ لما وفرته لي من خبرات تدريبية وعملية.