الطريق إلى الجزيرة نت | بين تحذيرات إدوارد سعيد وأخطاء بوش

ماذا يخبئ لك الغد بين هذه السطور؟ سؤال ملحاح راودني وأنا أجري اختبار الجزيرة نت وفي كل ركن من أركان المكان قصة تألق وملمح نجاح لهذه الشبكة الإعلامية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وأصبح حلم الالتحاق بها معقد الآمال وأمنية النفوس.

انتابتني مشاعر مختلطة وأنا أغادر قاعة الامتحان.. كيف لا وقد طلب مني أن أترجم إلى اللغة العربية مقالا للأديب الكبير إدوارد سعيد، ناهيك عن الأسئلة الأخرى التي جمعت بين المهارات اللغوية وملكة الكتابة الصحفية كل ذلك في مدة زمنية قصيرة نسبيا.

مقال سعيد كتبه قبيل شن الحرب على العراق عام 2003 وحذر فيه من عواقبها الوخيمة ليس على العراق فحسب وإنما على منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة نفسها.

ولكن الحرب، حسب سعيد، ستشن رغما عن أنف الشعب الأميركي، الذي خرج كما لم يخرج من قبل لمعارضتها، لأنها حرب الرئيس جورج بوش الابن ومجلسه العسكري المتغطرس التي يريدونها حربهم الخاصة والتي يخفون أهدافها ونواياهم الحقيقية منها، على حد تعبيره

وللمفارقة، وكأن هذا الاختبار تفتيش عن أخطاء بوش، كان سؤال اللغة المصاحب لترجمة مقال إدوارد سعيد الذي يبرز فيه خطأ حرب بوش، نصا باللغة العربية يتحدث عن حياة جورج بوش الابن، يطلب منا استخراج عشرين خطأ لغويا ومعلوماتيا منه!

لحسن الحظ، لم تمض فترة طويلة حتى جاءت البشرى يحملها اتصال من المسؤول الإداري بالموقع الأستاذ حاتم طه، كان ذلك في بحر شهر يونيو/حزيران من العام 2004 لتتسارع الأحداث بعد ذلك تسارع الأخبار.. فها أنذا في أول أيامي بموقع الجزيرة نت أمام مدير الموقع آنذاك الأستاذ عبد العزيز آل محمود صحبة نائبه والمدير الذي سيخلفه الأستاذ محمد داوود وأحد المؤسسين الأوائل للموقع الأستاذ عثمان كباشي… إنها مقابلة التوظيف.. كانت شيقة لم أحس خلالها بالقلق ربما بسبب البساطة وعدم التكلف اللذين لمستهما لدى من كانوا يحاورونني.

كانت تلك المقابلة إيذانا بولوجي لهذا العالم الذي لم أخض لججه من قبل وقد بدا عاتي الأمواج وغير مألوف بالنسبة لي، وعملت فيه مع أصدقاء رائعين في الترجمة وتحرير الأخبار شهورا بل سنوات تعلمت فيها الكثير والكثير.

عدت إلى غرفة الأخبار من جديد محررا ومترجما، في عالم يضج بالنشاط والحركة والسرعة، حيث تتعلم في كل لحظة جديدا وتتابع على مدار الساعة حركة عالم شديد الترابط بالغ التعقيد وسريع التقلب.

إنها تجربة ثرة وسنوات حبلى بالأحداث خضت غمارها مترجما لمقالات وتقارير من كبريات الصحف العالمية، بعضها لمشاهير الكتاب الصحفيين باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومحررا لتقارير في مواضيع إعلامية شتى، مما صقل تجاربي وزادني ثقة في عملي.

وقد أعددت خلال هذه الفترة عدة تغطيات إخبارية وشاركت في إعداد أخرى في مجالات متنوعة ولعل من أهم ذلك تغطيتي للانتخابات الفرنسية 2007 وللإرهاصات الأولية للشبكات الاجتماعية وبالذات فيسبوك وتويتر 2009، مما أتاح لي مواكبة التحول الرقمي الهائل الذي عاشه العالم وما زال يعيشه، خاصة أنني شاركت في عدة تدريبات تتعلق بهذا الموضوع، مما مهد لي فرصة التواصل واستغلال هذه الوسائل العصرية منذ وقت مبكر، هذا فضلا عن تغطية موسعة لأهم محطات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وذلك في العام 2011، كما كلفت بمهام في الدوحة ولندن وفرانكفورت والقاهرة وغيرها، شملت تغطية "مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية- 2010″، الذي غطيت فعالياته مع زميلي المتميز الشيخ حسن بن محمد آل ثاني، هذا فضلا عن إجراء مقابلات مع شخصيات معروفة في عالم الثقافة والفن والدين.

وفي العام 2011، عندما قرر الموقع استحداث صفحة جديدة لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، كلفت مع كوكبة من الزملاء بالعمل على إنجازها، فكانت تجربة رائعة واكبت خلالها تصميم تلك الصفحة وتطويرها، وتعلمت منها الكثير عن كيفية إنشاء المواقع وتخطيطها، بل وكيفية إعداد الدروس عن بعد والتفاعل مع من يتابعونها.

بعد ذلك بعدة سنوات، عدت إلى غرفة الأخبار من جديد محررا ومترجما، في عالم يضج بالنشاط والحركة والسرعة، حيث تتعلم في كل لحظة جديدا وتتابع على مدار الساعة حركة عالم شديد الترابط بالغ التعقيد وسريع التقلب.

وفي التجربة المثيرة التي أخوضها في الجزيرة نت، أشعر أنني أصبحت جزءا من عالم متميز، لا بالانتماء إلى فريق من الصحفيين والإعلاميين الممتازين والمهنيين الذين يقدرون عملهم وأصدقاءهم فحسب، بل بالشعور بأنني شاركت في خدمة مفيدة قدمها هذا الموقع على مدار عقدين من الزمن، شارك بها في الرفع من مستوى متابعيه وتوعيتهم ووفر لهم أخبارا ومعلومات رصينة وصادقة، بعيدة عن التزييف والإثارة التي تطبع الكثير من وسائل الإعلام المعاصرة.

ولعل التواصل والتعامل والزمالة مع هذا العدد من الصحفيين القادمين من مؤسسات مختلفة أثبتوا فيها جدارتهم، ومن بلدان وثقافات شتى هو الجائزة الكبيرة التي يحصل عليها من يدخل عالم الجزيرة، بمن فيه من صحفيين ومديرين ومدققين ومراسلين وموظفين إداريين.

ومع احتفال الجزيرة نت بذكراها العشرين، عادت تلك الأسئلة التي راودتني ذات يوم وأنا أضع أول قدم على أرض الجزيرة ولكنها تحمل إجاباتها، لقد أسفر المستقبل عن أروع تجربة وأشهى ثمار ومازال الحلم دافعا ومحركا لمزيد من العطاء والتميز، ولا زالت الجزيرة بدرا بهيا ساطعا في سماء الإعلام المهني الصادق لا يضار أحد في رؤيته  لم لا؟ فطموح الجزيرة لا يعرف الحدود!