المثقف الثرثار وتعقيم الشعور

ميدان - المثقف
(مواقع التواصل الاجتماعي)

لا يصدق الناس شعارات تنطوي على مصادرة حريتهم وممارسة الوصاية عليهم مهما ادعت من نبل، وفي ظل الإرهق العام والانكسارات المتتالية، التي تعيشها منطقتنا، وتراجع الدور الثقافي، هناك كلام ينبغي أن يقال حيث تشير الوقائع والإحصاءات المعلنة والمضنون بها عن الناس ارتفاع شيوع الانتحار المدني، والتفكك الاجتماعي، والتدهور السياسي كل ذلك بات ظاهرة ملموسة.

إن الخلل العام والقصور في الوعي وارتهان الإرادة ليسوا ناجمين عن عجز في الأفكار فحسب؛ فحتى لو وصلت هذه الأفكار إلى مستوى الانحطاط، فإنها ليست هي السبب المتفرد في صناعة الإرهاق العام، فالخلل الحقيقي یكمن في الحامل لتلك الأفكار، وأعني الهاجَس الأخلاقي والالتزام، وهذا یعني أنني ملزم بتذكير الناس ألا یدعموا أمثولة الشیطان المثقف؛ بل علیهم أن یفعلوا في الإنسان ضمیر الإنسان ومسؤوليته، وبالتالي ذكاءه وقدرته على التفكیر الصحیح، علينا أن نقف ضد المثقف الثرثار الذي يعيش هواه ويدعم الهوان.

نونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ.. فإِذا هويتَ فقد لقيتَ هوانا
وإِذا هويتَ فقد تعبدكَ الهوى.. فاخضعْ لإِلفِكَ كائناً من كانا

تكشف النظرات العجلى للحياة اليومية، وأنماط المعاش والتدين والخطاب السياسي الرسمي البعثي والعبثي والشعبي والمعارض والديني والثقافي، والتعليمي والفني والثوري حول هاتيك المدارات -على تداخلاتها وانفصالاتها وتشوهاتها- عن ازدواجيات وتناقضات وجروح ذات طبيعة تشابه الطبيعة الفاوستية، بما تطرحه من آلام ومعاناة جماعية لغالبية الناس أيا كانت دياناتهم أو معتقداتهم -بين الرغبة الجمعية في التوازن النفسي حول القواعد المعيارية لصحيح التدين، وعدالة القانون وشرعية حقوق الإنسان، وبين أنماط الحياة لأسباب بالغة التعقيد والتركيب ليس هنا موضع تحديدها- زاخرة بتناقضات وإشكاليات لا تستعيد هذا المثال المعياري في قيمه وأنساقه وصراطه المستقيم، لا سيما في ظل تحديات هيكلية عاتية ما إن نستوعب بعض أبعادها لا كلها في الوعي الجماعي للنخبة المثقفة والسياسية، حتى تدهمنا متغيرات جديدة.

ويبدو كأننا نتراجع القهقرى وبوتائر سريعة، وعلى نحو غير مدرك ومألوف كما كان الشأن في مطالع خطابات الاستجابة والوعي بالتحدي الناتج عن ظاهرة الاستعمار الغربي لبلادنا.

إن اتساع الهوة بين أنماط الحياة المعاشة، وبين أنماط التفكير السائد -وبين التحولات العولمية الضارية، يلقي بأعباء وهموم وإشكاليات إن لم يخلق آلاما وأحزانا- تثقل الوعي الشخصي والجماعي للنخب المثقفة.

بعض الساعين لمحاولة حل التناقضات الحدية في علاقات النخب وأنماط التفكير السائدة على اختلافها، وتحولات الحياة داخلنا وحولنا وفي عالمنا كله، يتحولون إلى شخص مثقف ثرثار.

وأعني بالمثقف الثرثار أنه يأبى الكف عن الكلام، قد يكون دائم الإضافة إلى معلوماتنا؛ لكنه لا يساعد على إثراء "معرفتنا" بالأمور، التي يجب أن يتكلم عنها.

المثقف الثرثار لا تعوزه البلاغة والرشاقة اللفظية؛ لكنه يفتقر:

1.   للاختيار المناسب.

2.    الواجب الأخلاقي.

المثقف الثرثار يلزمه مقارنة حادة بين ما يحسن اختياره، وما لا يحسن، مما يقال من الكمية اللانهائية من المعلومات، التي يمكن جمعها في مواضيع حاضرة والتمييز القديم بين علم ينفع الناس، وعلم لا ينفع الناس، قد يصلح أيضا أن يكون تمييزا بين العلم الحقيقي أو المعرفة الحقيقية، وبين محض الثرثرة.

ومن عميق ما لفت الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" النظر إليه قوله "ليس كل علم يبث وينشر، وإن كان حقا، وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها، ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، وأُخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون ذلك، فتنبه لهذا المعنى وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة؛ فإن صحت في ميزانها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها، فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية) [3].

والمدهش أن المثقف الثرثار مولع بالتغريب والاغتراب ما بين علمانية وسلفية، صحيح أن العلمانية والسلفية قد تختلفان في الرايات الظاهرة؛ لكنهما تجتمعان على حقيقة واحدة هي الغربة والاغتراب، فكل منهما تستجدي مشاكل لا وجود لها؛ إلا في ذهنه، فيولع الحرب بين الطوائف والدين، وبين القوميات والأوطان، وبين الإنسان وقوميته وديانته، ثم لديهما غرام بتصغير الكبار، ونبش الماضي وتزييفه، ومناقشة البخاري، وتحويل التراث إلى دين يحكم عليه ويحتكم إليه، و كثيرا ما يظنون أنهم يحسمون الأمر لصالحهم ويردون على المعترضين عليهم ردا نهائيا بمجرد أن يقولوا: وها هي ذي أدلتنا على صحة ما نقول، وها هي ذي مصادرنا ووثائقنا، فهل تشكون في صدق هذه المصادر؟، ذلك أن الشخص الثرثار قد يكون كل ما يقوله حقيقيا (كما أن أفلام الإثارة الجنسية، التي لا تستهدف إلا هذه الإثارة، قد لا تفعل أكثر من الكشف عن الجسم الإنساني بدون أي إضافة)؛ لكن هذا الشخص الثرثار قد يكون مع ذلك عظيم الضرر، ثقيل الظل، ممن يجدر بنا تجنب مجلسه والانصراف عنه.

لكن يبرز السؤال المشروع:

ما سبب ذلك التدهور القیمي الذي تعاني منه الكثیر من المجتمعات؟.

أهو المثقف الثرثار، أم نتيجة الخلل والضمور التصوري والفكري، أم بسبب فقدان الحصانة أمام قوى وآليات یمكنها أن تُشعل الفتن في أكثر المجتمعات استقرارا حرائق لا تنطفئ، توصلها إلى أحط درجات التوحش؟.

إنني أبتغي من طرح هذه الإشكاليات إعادة الصلة البدهية بين المعتقد ونضارته، وبين سلوك الإنسان ووعيه، وتعميق التواصل الإنساني الرفيع ودور المثقف العاقل، الذي يؤمن بقضية شعبه، فيقول خيرا أو يصمت  بعيدا عن أي تحيز أو سطحیة أو تعميم، واستعادة الإنسان لوعيه بذاته وكف الآخرين عن التلاعب بوعيه، وإلا فسأكون أحد الثرثارين ممن يقول الكلمة ویهين كینونة الإنسان تحت تبريرات عدة، بینما رائحة شواء الأجساد المدنية تزكم الأنوف وصرخات الدموع والآلام والفقر والكراهية، والإيغال في الأنانية، تملأ الآفاق في جانب، وفي جانب آخر انحطاط الذوق أضحى من أضخم منتجات العصر.

منتجات تضارع في سعتها أفق العلم الحدیث وقنوات الاتصال، والوفرة الإنتاجية الهائلة، وتلك مفارقة أخلاقية تهدد كینونة بني الإنسان.

لماذا لا تفكر؟ لماذا خطابها بات فاقد الصلاحية أو محدود التأثير؟.

حتى النخبة مهددة بتلاشي فاعليتها في عموم المجتمعات، التي تعاني غالبا من الاستبداد، الذي يعمل على فوضوية نشاطها الذهني، ويبرمج خططه على أساس التلاعب بالذكاء الشعبي؛ بل صارت النخبة أحیانا أكثر اضطرابا وتسطحا من عامة الناس؛ الذین لا يستوعبون الكثیر مما حولهم، أو ما یترتب علیهم من مواقف وواجبات في واقع الحیاة.

الخطاب الأكاديمي تراخى عن الهدف الإنساني؛ إلا عبر سیاق مهني بارد أناني النزعة، ذرائعي المنهج، نفعِّي الروح. وبالنتيجة فإن المثقف الثرثار عاجز عن تحري العمق في الأفكار الذي يلزم التعقید؛ ففي كثیر من مباحثه تصورات وأفكار تقاتل وهما.

إن أحد مداخل التغییر ومستوياته تتطلع إلى تغییر النخبة من أجل تغییر المجموع؛ لأن المجموع لا یملك غالبا إلا أن یُقاد، وهذا یختلف عن منهج التغییر الشامل باستهداف المستویات جمیعا.

تحتاج النخب المثقفة قبل الشعوب إلى ثقافة التواضع، والمراجعة واستصحاب التواضع، فمهما ادعينا صحة ما نكتب فإن ادعاءنا لیس معیارا للصواب؛ إذ نحن بشر؛ ویعتري أفكارنا الضعف والخلل والنسبية، ثم ليس للمثقف من فضيلة سوى بيان الخير ومسالكه، وتفعيل القدرات الفردية على سلوك الوعي واجتناب الشر. لكن وجوب أن يقول المثقف الحق لا ينبغي أن يرافقه إلزام وجوبي على الناس. بدءا من إشكالية هل الله موجود إلى الاستفسار عن حكم الجهر بالنية.

يستطيع العقل أن يصل إلى جواب مقنع؛ لكنه لا يمنع ولا يلغي الطرق الموصلة إلى إجابات أخرى، وتبقى المسألة مسألة قناعات واستدلالات واعتقادات، ومن هنا ينهار معنى التكفير الشائع، ويظهر معنى الكفر المغيب، الذي يعني ستر العقل عن رؤية ما يدعو إلى الانتقال بالاعتقادات إلى مستوى أكثر عقلانية، وفق المعطيات. وبالتالي يمكن أن ترى أعتى الكافرين من يدافعون عن الإسلام، وأشد المؤمنين هم من ينفون وجود الله بالمعنى الذي أنتجه العقل المستور.

هناك من المواقف والمبادئ ما لا یُحمل عليها الناس حملا؛ لأن من طبيعة هذه المواقف أن یحملها أصحابها عن رضا وقبول؛ لأنها فقط بهذه الطريقة تعیش، وتنتج الخیر، كالمعتقدات الدينية والقيم الإنسانية المطلقة، من عدل ووجوب حقن الدم وتجريم المساس بالآمنين.

حسب المثقف البيان واضح وصريح، فالقول أمانة، وإذا كانت الآراء حرة متعددة، فالحق ثابت، وهنا يكون المعيارية والاختيار والاختبار، فالكلمة مسؤولية (وِقفوهم إنهم مسؤولون)، والكلمة روح تسكن الحنایا والعقول، وليست كل كلمة تنفد إلى العقول والقلوب؛ بل لا بد من اقترانها بالمصداقية، والقيادة بالشفافية والحب والتجرد؛ وإلا فسوف تكون عاجزة عن استنهاض الإرادة، في زمن یكاد یطمس في الإنسان معالم الإنسان.

لیس هناك مثل كلمة من نور ينمو في ظلها الحق ويصان، وبأخلاقية الكلمة ينماث الباطل، أو يكبح جماحه إلى حد بعید.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة