مقالات

نهاية اللعبة.. موقف الجيش المصري من انتفاضة 2011

(رويترز)
(رويترز)

"يروي الربيع العربي من 2011، وحتى الآن، قصة ما يحدث للحكام المستبدين، الذين يعدون جيوشهم لإحباط الانقلابات؛ لكنهم يواجهون بشكل غير متوقع انتفاضات شعبية ضخمة بدلا من ذلك، فالمستبدون يفضلون منع الانقلاب على جميع الاعتبارات الأخرى، بما في ذلك الأداء العسكري في ساحة المعركة".

عند نشر هذا المقال يكون قد اقترب عقد من السنين على اندلاع الموجة الأولى من الربيع العربي، ويعلم الجميع الآن أن موقف الجيوش في نهاية اللعبة -وهي استعارة تستخدم لوصف حالة تهدد فيها الانتفاضات المدنية قبضة المستبدين اليائسة على السلطة، تاركة القوات المسلحة خط دفاع نهائيا للوضع الراهن- كان أحد المحددات الأساسية -وما زال- للمسار الذي اتخذته هذه الانتفاضات: بإعادة إنتاج الاستبداد كما في الحالة المصرية، أو بالحرب الأهلية كما في اليمن وسوريا وليبيا، أو بمسار ديمقراطي صعب كما في تونس.

الحقيقة التي باتت مؤكدة من خبرة الانتفاضات العربية بموجتيها -وخبرات أخرى مقارنة- أنه "يمكن أن تؤدي الانتفاضات الشعبية إلى الانهيارات الاستبدادية، فقط عندما تكف الجيوش عن الدفاع عن الوضع الراهن". بعبارة أخرى؛ يمكن للطغيان أن يستمر لسنوات وعقود من الزمن، ما دام الجهاز القسري -الذي يقع الجيش بقلبه- ملتزما بالوضع الراهن.

هنا يصبح من المفيد إعادة فهم: لماذا تخلت المؤسسة العسكرية المصرية عن مبارك وقتها؟، هل كان الغرض بيان سلوكها المستقبلي في حال اندلاع انتفاضة شعبية بمواصفات يناير/كانون الثاني؟.

قد يتصور البعض أن هذا السؤال محض خيال في ظل المعطيات الحالية؛ لكن يحسن أن نذكر أن الانتفاضات العربية بموجتيها قد تحدت قدرة الجميع -من سياسيين وأجهزة استخبارات ومتخصصي الشرق الأوسط ومحترفي المنظمات الدولية- على التنبؤ.

وإن هدفنا في العلوم الاجتماعية لا ينبغي أن يكون التنبؤ؛ بل البصيرة. فالتنبؤ يفترض وجود عنصر "حتمية" لا وجود له ببساطة في هذه المسارات، ويصبح المطلوب هو الاستبصار للتفاعل الإستراتيجي بين العوامل المختلفة، وكيف يحدث "التناسق" (synergy) بينها، لتنتج الظواهر.

ولكن لماذا تخلى المجلس عن مبارك، وبدا كأنه اصطف مع الثورة في خندق واحد؟ هنا تساق 3 حجج؛ رفض التوريث، وتدخلات الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المخاوف من تماسك القوات المسلحة، فلأي هذه الحجج كانت الغلبة؟

موقف المجلس العسكري

ينتهي هشام بو نصيف في كتابه المهم، الذي عمل عليه 8 سنوات، وحمل عنوان "نهاية اللعبة: رد الجيوش على الاحتجاج في الأنظمة الاستبدادية العربية"، وصدر في الأيام القليلة الماضية؛ إلى قوله "أنا أزعم أن المجلس العسكري ظل قوة مناهضة للثورة ملتزمة بالحفاظ على الوضع الراهن حتى الأيام الأخيرة من عهد مبارك". ويضيف "تشير مراجعة الأحداث إلى أن المجلس العسكري لم يكن محايدا في عام 2011، ناهيك عن تأييده للانتفاضة". باختصار، يجب أن نتذكر أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان بمثابة عصبة عسكرية مناهضة للثورة بشكل جوهري في عام 2011 وما بعده.

كما كان المجلس العسكري بشكل عام متورطا في الفساد بعهد مبارك لدرجة أنه لم يكن متحمسا لسقوطه؛ لكن عندما انهار حكم مبارك ضحى به كبار الضباط لحماية النظام الذي ازدهروا فيه.

ولكن لماذا تخلى المجلس عن مبارك، وبدا كأنه اصطف مع الثورة في خندق واحد؟ هنا تساق 3 حجج؛ رفض التوريث، وتدخلات الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المخاوف من تماسك القوات المسلحة، فلأي هذه الحجج كانت الغلبة؟

يناقش هشام بو نصيف بالتفصيل هذه الحجج، ليستخلص منها المحدد الرئيسي الذي دفع المجلس العسكري للتخلي عن مبارك.

قصة التوريث

يؤكد هشام أن التوريث لم يكن محوريا في حسابات المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال انتفاضة 2011، ويرى أن التهديد المزعوم، الذي شكله جمال مبارك على المجلس العسكري، واغتراب الأخير المفترض عن نظام مبارك لا ينبغي المبالغة فيه، فإن المجلس العسكري لم يتوقف أبدا عن الاعتقاد بأن جوهر مشروع التوريث هو الحفاظ على الوضع الراهن، الذي هو من مصلحة المجلس أيضا. ولا ينبغي لنا أن ننسى أن الجنرالات كانوا يكرهون الإخوان المسلمين، وكذلك الناشطون الليبراليون واليساريون أكثر بكثير مما كرهوا مبارك الأصغر. إن جمال أو أي شخصية مدنية موالية أخرى يمكن قبولها رئيسا للبلاد، بشرط التمسك بالوضع الراهن.

يضاف إلى ذلك أن المجلس العسكري هو موضع الفساد في القوات المسلحة، وهذا هو السبب في أن النخبة العسكرية تفضل أن يكون أحدهم رئيسا؛ لأن كبار الضباط يعرفون كيف يعمل نظام الامتيازات والمكافآت المالية. ومن الصعب تخيل جمال يتصرف باسم أي نوع من المصلحة الوطنية العليا لمنع الجنرالات من سرقة الدولة. ثانيا؛ كان جمال أحد المطلعين على النظام، بل يمكن القول إنه المطلع النهائي في عهد والده، وبالتالي كان على دراية تامة بأعماله الداخلية. وإن أهمية إبقاء الجنرالات هادئين لا يمكن أن تفلت منه، كما أن الزعم بأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان أحد أعمدة الحماية، التي ابتعدت عنها الليبرالية الجديدة الجامحة لجمال مبارك، هي أسطورة لا تتوافق مع التحليل الدقيق للحقائق. وإن الحقيقة المؤكدة هي أن جمال والنخبة العسكرية كانا بعيدين كل البعد عن كونهما العدو الأيديولوجي لبعضهما البعض.

كان هذا صحيحا في المجال الجيوسياسي، لا في الشؤون الاقتصادية فقط، ولئلا ننسى، فقد أراد كبار الضباط المصريين الحفاظ على السلام مع إسرائيل، إضافة إلى ذلك، لطالما اعتبر الجنرالات إيران وامتداداتها في لبنان (أي حزب الله) وغزة (أي حماس) عدوهم الرئيس، وكان جمال يمثل استمرارا لسياسة والده في هذا الصدد.

كما أنه لا شيء يضمن أن رئاسة الإخوان أو غيرهم من قوى التغيير لن تفتح ملف فساد المجلس العسكري في عهد حسني مبارك، بينما كان من المؤكد أن جمال لن يفعل ذلك لأسباب واضحة.

من ناحية أخرى، تمتعت جماعة الإخوان المسلمين بدعم شعبي قوي، واستفادت من آلة حزبية شديدة الانضباط وذات دوافع أيديولوجية، وعلى هذا النحو؛ فإنها ستحتاج إلى الجنرالات أقل بكثير لدعم حكمها من مبارك الأصغر؛ لأنها تعتمد على قاعدتها الانتخابية، وربما تميل جماعة الإخوان -أو أي سياسي آخر منتخب ديمقراطيا في هذا الشأن- إلى تلبية التوقعات الشعبية للعدالة الاجتماعية من خلال إعادة التفكير في السياسات النيوليبرالية، التي خدمت مصالح كبار الضباط. في المقابل، فإن إعادة تشكيل الحكم الاستبدادي تحت حكم جمال ستكون أقل حساسية للضغط المجتمعي.

باختصار، أراد كبار الضباط مواصلة الازدهار وتجنب المغامرات الإقليمية، ولم يشعر المجلس العسكري بالحاجة -وقتها- إلى أن يكون في دائرة الضوء السياسي أو تأسيس حكم عسكري مباشر؛ خاصة أن التنافس على خلافة مبارك سيضع الطامحين للرئاسة، بمن فيهم الجنرالات، في مواجهة بعضهم البعض، بينما كانت رئاسة جمال ستحافظ على تماسك كبار الضباط.

صحيح أن تأثير أميركا في القاهرة حقيقي؛ إلا أنه لا ينبغي المبالغة فيه، كما لا ينبغي المبالغة في أهمية المساعدة العسكرية الأميركية لمصر، فبينما ما تزال القوات المسلحة تتلقى 1.3 مليار دولار سنويا من الولايات المتحدة؛ إلا أن هذا المبلغ قد انخفض بالقيمة الحقيقية بنسبة 50%.

موقف الولايات المتحدة

يرى بو نصيف بأنه لا شيء يوحي بأن الولايات المتحدة كانت قادرة على إجبار القيادة العسكرية المصرية على تغيير مسارها، وأهمية أميركا لا تجعلها مطلقة القدرة في كل مكان وطوال الوقت، فهناك حدود لنفوذ حتى القوى العظمى، وينتهي أحد الباحثين بشكل مقنع إلى أنه "لدى واشنطن قدرة أقل بكثير على تشكيل الأحداث في مصر مما يعتقد عموما". ويسلط باحث آخر الضوء على حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط، ويقول إن تأثير الولايات المتحدة على الأحداث خلال الانتفاضات العربية على وجه الخصوص كان "أقل بكثير مما يعتقده معظم الأميركيين أو العرب".

صحيح أن تأثير أميركا في القاهرة حقيقي؛ إلا أنه لا ينبغي المبالغة فيه، كما لا ينبغي المبالغة في أهمية المساعدة العسكرية الأميركية لمصر، فبينما ما تزال القوات المسلحة تتلقى 1.3 مليار دولار سنويا من الولايات المتحدة؛ إلا أن هذا المبلغ قد انخفض بالقيمة الحقيقية بنسبة 50%. وقد توسعت الميزانية العسكرية على مر السنين؛ مما يعني أن المساعدات الأميركية تمثل نسبة أقل بالأرقام المطلقة؛ فوفقا لزينب أبو المجد فإنه في عهد أبو غزالة عام 1984 كانت الميزانية العسكرية المصرية 1.8 مليار دولار، بميزانية إجمالية للدولة قدرها 15 مليار دولار.

وهذا يعني أن المساعدات الأميركية بلغت أكثر من 70% من ميزانية الجيش، ونحو 9% من ميزانية الدولة. وتبلغ الموازنة العسكرية في عهد عبد الفتاح السيسي اليوم نحو 4 مليارات دولار، بموازنة إجمالية للدولة بنحو 95 مليار دولار. وهذا يعني أن المساعدات العسكرية الأميركية قد انخفضت إلى حوالي 30% من الميزانية العسكرية الرسمية، و1.3% فقط من ميزانية الدولة. والأهم من ذلك، أن الجيش المصري يكسب سنويا مئات الملايين من الدولارات من إيرادات خارج الميزانية من إمبراطوريته التجارية الواسعة في القطاع المدني.

 

وينتهي بو نصيف إلى أنه يجب عدم المبالغة في تقدير المخاوف المزعومة للنخبة العسكرية المصرية من رد فعل أميركا على أي عنف يمارسونه ضد الشعب المصري، بدليل ما جرى بعد انقلاب 2013 خاصة في مذبحة رابعة العدوية في أغسطس/آب من العام نفسه.

تماسك المؤسسة وطبيعة الاحتجاج

أطاح الضباط الكبار بمبارك من منصبه بعد أن توضح أمران: أولا، إن طرد المتظاهرين من ميدان التحرير يتطلب حمام دم، وثانيا، إن أمر القوات بإطلاق النار من شأنه أن يؤدي إلى تمرد في الرتب الدنيا، وبالتالي يعرض بقاء الجنرالات للخطر.

إن حماية تماسك القوات المسلحة كانت "في صميم" قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإخراج مبارك من السلطة، بعد إعطائه "كل فرصة" لإنقاذ نظامه قبل سقوطه في نهاية المطاف، ففيلق الضباط سينقسم على طول خطوط الأجيال. يؤكد بو نصيف في كتابه أن امتناع "طنطاوي عن إطلاق النار على المتظاهرين ليس حماية للثورة؛ بل حفاظا على وحدة القوات المسلحة"، فلم تؤد سياسات مبارك مع الجيش إلا إلى ولاء الطبقة العليا من الضباط فقط، وقد طور الرئيس والجنرالات روابط قوية من المصالح المشتركة؛ لكن لم تكن هناك روابط كهذه بين مبارك والضباط الأصغر سنا.

كما أنهم لم يكونوا مرتبطين به بشكل فكري، من خلال تصور التهديد المشترك أو النفور المشترك من الاحتجاجات؛ فقد منعت الطبيعة المتجانسة للمجتمع المصري مبارك من تصوير المتظاهرين على أساس طائفية "الآخر"، كما فعل بشار الأسد في سوريا، ولا يمكن لنظام مبارك أن يجادل بمصداقية بأن جماهير المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع كانوا من أنصار الإخوان المسلمين أو المتعصبين الدينيين، حيث طالب عشرات الآلاف الذين نزلوا إلى الشوارع بلا عنف بتغيير النظام، وتم حشد فقراء المدن والنخبة المغتربة والإسلاميين والنشطاء النقابيين والليبراليين واليساريين على أسس عابرة للطبقات وعبر المناطق بدون أي تحزب. كانت القواسم المشتركة هي الدوافع، والتظلمات، وحجم الاحتجاج، كما أن الطبيعة السلمية للتعبئة الشعبية لا لبس فيها، ومن هنا جاء مأزق كبار القادة العسكريين.

الانتفاضات الشعبية بهذه السمات تبرز تناقضات المؤسسة -خاصة من جهة الانقسام الجيلي- وتحيد سياسات النظام لمنع الانقلابات. وعليه، لم يعد من المستغرب أن أولئك الذين ليست لديهم مصلحة خاصة في الوضع الراهن -اقتصاديا أو فكريا- لم يكونوا مستعدين لقتل أبناء وطنهم، خاصة أن مبارك لم يطور أي صلة تربط الجيش ككل بحكمه من خلال الالتزامات الأيديولوجية المشتركة، واعتمد أساسا على تعزيز مصالح النخبة العسكرية، وتحقيق التوازن مع الجيش بزيادة دور وزارة الداخلية.

من الواضح بشكل متزايد -خلاصة للحالة المصرية كما يقدمها بو نصيف- أن الانشقاق العسكري يغير علاقة القوى لصالح انتفاضات مدنية واسعة النطاق ضد الحكام المستبدين، وأن الاحتجاجات يمكن أن تصل بسرعة، والأهم من ذلك، فإن الحفاظ عليها يكون عبر الكتلة الحرجة المتماسكة فقط.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة