مقالات

تركيا تقول كلمتها في وجه سياسة القرصنة في البحر الأبيض

(رويترز)
(رويترز)

 

أدت الاضطرابات التي تعيشها تركيا واليونان في البحر الأبيض في الفترة الأخيرة إلى اجتماع ذاك التحالف المعروف في وجه تركيا مرة أخرى، ويبدو أن الأمر أشبه بالقصص الخيالية، إذ يسرق أحدهم، ويتولى طرف ثانٍ مهمة المراقبة، بينما يقوم طرف ثالث بإحداث الضجيج لتشتيت الانتباه في ظل التصفيق الحار لطرف آخر؛ لكن في النهاية ما يبقى هو السرقة الواضحة والاعتداء العلني على الحقوق.

 

منذ فترة طويلة، تجتمع قبرص اليونانية ومصر وإسرائيل واليونان لترسيم حدود مناطق الصلاحية البحرية في البحر الأبيض، ويقوم الاتفاق على منع تركيا من أي حقوق في البحر الأبيض وعدم ترك أي مساحة لها حتى يظن المطلع على الاتفاق أنه لا يحق لتركيا حتى صيد السمك في سواحلها، بينما في الحقيقة تركيا هي من تملك أكبر مساحة سواحل على البحر الأبيض، ولا يمكن لمثل هذا التقسيم أن يتم، بغض النظر عمن وقع اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة، إلا بتجاهل العقل والمنطق وعلوم الرياضيات والجغرافيا.

سارعت دول الاتحاد الأوروبي بوصف هذه الخطوة بأنها خطوة عدوانية؛ لكن أليس وصف فعل دفاعي من دولة يقع التعدي على حقوقها علانية بأنه "عدواني" نوع من الوقاحة الخالصة؟

وعلاوة على ذلك لم تشارك سوى قبرص اليونانية في هذا الاتفاق، متجاهلة تماما الطرف التركي في إدارة الجزيرة ذات الجزأين؛ بل ولم تترك لتركيا أي مساحة في هذا التقسيم الذي شاركت فيه. ويبدو أن الأطراف المشاركة في هذا الاتفاق، سواء كانت إسرائيل أو مصر أو اليونان أو قبرص اليونانية أو فرنسا، ظنوا خطأ أنهم يفوقون الآخرين ذكاء باتباعهم سياسة الأمر الواقع إلى أن اتخذت تركيا الخطوة المهمة في الدفاع عن حقوقها في هذا الخصوص، طبقا لما جاء في مذكرة الصلاحية البحرية بين تركيا وليبيا.

 

في المقابل، سارعت دول الاتحاد الأوروبي بوصف هذه الخطوة بأنها خطوة عدوانية؛ لكن أليس وصف فعل دفاعي من دولة يقع التعدي على حقوقها علانية بأنه "عدواني" نوع من الوقاحة الخالصة؟ في الحقيقة، إن تركيا لا تقوم بأي شيء سوى الدفاع عن حقها المشروع بموجب الاتفاقية، التي عقدتها مع ليبيا في ظل الاضطرابات التي تعيشها مع اليونان في الفترة الأخيرة. وبالتأكيد، تركيا حاسمة في أي خطوة تأخذها للدفاع عن حقها؛ لكنها عادلة أيضا ولا تطمع في شبر من أراضي الدول الأخرى، إذ إن لكل دولة مطلة على البحر الأبيض منطقتها الاقتصادية الخالصة والجرف القاري الخاص بها، وهذا الأمر ليس بالصعب تحديده، كل ما تحتاجه هو قليل من العلم بالرياضيات أو الهندسة مع قليل من النضج للرضا بحقوق الآخرين.

 

وفي الحقيقة، إن موضوع الاضطرابات التي تشهدها تركيا مع اليونان في الفترة الأخيرة ليس سوى الجزر، التي تقع بالقرب من تركيا ولكنها تتبع اليونان، وتلك هي قصة طويلة، لكن اليونان تحاول الآن منح مساحة جرف قاري لهذه الجزر أكبر من الجرف القاري الأساسي لتركيا، حتى إنها تحاول أن تطالب بمساحة الجرف القاري الأساسي لتركيا تقريبا لكل جزيرة صغيرة، ولا تكتفي بهذا القدر؛ بل تتمادى لتعلن أحقيتها بجزيرة تبلغ مساحتها 2 كيلومتر مربع بالقرب من أنطاليا، وتدعي أن كل المساحة حتى هذه الجزيرة هي ملك لها.

 

إذا تبادر للأذهان سؤال "من أين تستمد اليونان هذه الجرأة؟"، فتبقى الإجابة كما ذكرت آنفا، من العمل الجماعي لفرقة اللصوص، وبالتالي من الطبيعي أن يصف الترويج الإعلامي ضمن هذا العمل الجماعي موقف تركيا في الدفاع عن حقها بالعدواني.

 

ماذا كنا ننتظر من إسرائيل التي تصف الفلسطيني الذي يدافع عن حقه على الأراضي التي تحتلها بالإرهابي، أو فرنسا التي انقضت على ليبيا ولبنان بأطماعها الاستعمارية، أو اليونان التي تتذاكى لتغلق كافة البحر الأبيض لصالح جزرها الصغيرة؟

 

كانت تركيا قد بدأت بعمليات التنقيب بعد توقيعها هذه الاتفاقية، فأجرت المستشارة الألمانية ميركل مكالمة هاتفية مع الرئيس أردوغان عرضت عليه من خلالها إيقاف هذه العمليات مؤقتا، وقد كانت حجتها هي أنها ستقوم بإقناع اليونان بحل أكثر عقلانية، وكان رد أردوغان أن اليونان لا يبدو عليها أي نوايا للالتزام بكلمتها، وأنها لن تستطيع أن تقنعها هي أيضا. وجاءت الاتفاقية التي وقعتها اليونان مع مصر خير دليل على رؤية أردوغان الصحيحة مرة أخرى. وبطبيعة الحال، فإن الجزء الخاص بمصر في هذا الخصوص يتسم بالغرابة من نوع آخر، حيث أن مصر لم توقع على هذه الاتفاقية التي لا تتناسب مع مصالحها على الإطلاق إلا للإضرار بالمصلحة التركية، وهذا يكشف كيف أن السيسي يقوم ببعثرة -إن جاز التعبير- مصالح بلاده من أجل سراب.

إن اتفاقية الصلاحية البحرية التركية الليبية لا تعني سوى دفاع تركيا المشروع عن حقوقها، وهي خطوة تهدف إلى استرداد تركيا لحقوقها المغتصبة في البحر الأبيض، بينما الاتفاق المصري اليوناني هجومي لأقصى حد.

ل سألهم أحد أساسا؟ لماذا تسارع دولة مثل المملكة العربية السعودية، التي ليس لها سواحل على البحر الأبيض وبالتالي ليس لها أي علاقة بهذا الخلاف، لإبراز موقفها ودعمها لطرف من الأطراف؟

ووسط كل هذه الاضطرابات، سمعنا بزيارة وزير الخارجية السعودي لقبرص اليونانية، وإعرابه عن قلقه جراء ما تقوم به تركيا، وبذلك تكون المملكة العربية السعودية، التي نفذت أبشع جريمة إنسانية في القرن، وتسعى لوأد أي تحول ديمقراطي في العالم الإسلامي، ولا يذكر على أراضيها مصطلح حقوق الإنسان، قد أوضحت الطرف الذي تدعمه في الخلافات التي تدور في البحر الأبيض.

 

هل سألهم أحد أساسا؟ لماذا تسارع دولة مثل المملكة العربية السعودية، التي ليس لها سواحل على البحر الأبيض وبالتالي ليس لها أي علاقة بهذا الخلاف، لإبراز موقفها ودعمها لطرف من الأطراف؟ بالتأكيد لن تستطيع المملكة العربية السعودية أن تضر بالمصالح التركية، وإن بادرت بإعلان خصومتها الصريحة لها؛ لكن ما هو مؤكد أيضا أنها تسببت في إحداث الكثير من الأضرار لمصالحها الخاصة.

 

قد قالت تركيا كلمتها لكافة الأطراف، التي تحاول أن تتقاسم المساحات البحرية بفرض الأمر الواقع، واتباع سياسة القرصنة، وبالتالي تغيرت كل الحسابات. ففي النهاية، قال أردوغان إن الاتفاقية بين مصر واليونان في حكم المعدوم، وهذا هو الأساس، ولن ينال من ينتظر نتيجة أخرى ويحسب حساباته بناء عليها إلا الخسارة والندم.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة