مقالات

دروس في إدارة الأزمات والدورة الاقتصادية من قصة يوسف عليه السلام

(غيتي إيميجز)
(غيتي إيميجز)

قال يوسف عليه السلام "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"، والمقصود بعليم هنا (والله هو الأعلم) هو علم التنبؤ بالمستقبل، التنبؤ الاقتصادي على وجه الخصوص.

فيوسف عليه السلام لديه علم بالمستقبل من تفسيره لرؤيا الملك. ولذلك كان هو "أعلم" من غيره بمدى الحاجة لاتباع سياسات تقشفية في دورة الرواج، وهذا كان سبب طلبه للمنصب، وقد بحثت في كتب التفسير، فلم أجد تفسيرا صريحا بهذا المعنى؛ لكن ربما يكون أقربها له هو ما أطلق عليه ابن كثير بصفة عامة "ذو علم وبصيرة بما يتولاه" وقول شيبة بن نعامة "عليم بسني الجدب"، "فالبصيرة" يمكن التعبير عنها أيضا "بالرؤيا".

ويوسف عليه السلام تنبأ بدورتين اقتصاديتين، دورة رواج تتبعها دروة ركود، ووضع الخطط المناسبة من إنفاق وتوفير لكل دروة، وإلا لهلك الناس في دورة الركود وحلت بالبلاد كارثة عظيمة؛ لأنها كانت ستتوسع في الإنفاق وتسرف في الاستهلاك مع ارتفاع الفوائض في دروة الرواج.

ومن المؤسف أن هذا هو النمط المتكرر في دول الخليج مع كل دورة رواج وانهيار نفطية، فهناك إسراف وتبذير مع الفوائض النفطية، وتقشف وعجز وضرائب مع الانهيارات، لماذا؟

السر في الملك وليس في يوسف، الملك توفرت لدية الإرادة السياسية في الإصلاح فسعى إلى يوسف صاحب الاختصاص، للاستعانة بعلمه وكفاءته ومّكنه من حل الأزمة، فهمُّ الملك الأول المصلحة العامة.

وأطوال الدورات الاقتصادية هي في الغالب كما هي عليه منذ أيام يوسف عليه السلام حتى الآن، فأثبتت الدراسات التي أجريت على الاقتصاد الأمريكي أن معدل أطوال الدورات الاقتصادية يتراوح بين 5 و10 سنوات.

 

والمقصود بحفيظ ليس الأمانة والنزاهة من الفساد فحسب (كما يتصور البعض)، فهذا مفروغ منه، وإلا لقال إني "أمين" عليم، ولا عدم الإسراف والتبذير والتخبط والعشوائية، التي تكلِّف الخزينة العامة أكثر مما يجب؛ لكن "الكفاءة" في استغلال الموارد، أي إدارتها بأقل تكلفة ممكنة، وهذه تشمل كل المعاني السابقة.

والمطلوب الكفاءة في إدارة الموارد الناضبة وغير الناضبة وعدم الإسراف والتبذير حتى فيما تمنحه السماء دون مقابل، لأنك لا تعلم ماذا يخبئ لك المستقبل وماذا سيحدث بعد الفوائض، فلا بد من التحوط لأسوأ الاحتمالات.

 

ويوسف أول اقتصادي نعرفه استخدم سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية، أي تقشف في دورة الرواج، وهي سياسات غير مفهومة؛ لكن يوسف كانت لديه القدرة على الإقناع وتنفيذ هذه السياسات لعلمه بتبعاتها، وهذه السياسات يدعو لها الآن بنك التسويات الدولية واقتصاديون مرموقون بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتجنب تراكم الاختلالات في الاقتصاد الكلي أثناء فترات الرواج التي تقود لأزمات لاحقا.

فكل درهم تنفقه اليوم له ثمن غدا، فالتبذير والإسراف في الإنفاق إما أن يؤديا إلى استنزاف الموارد عند الحاجة إليها مستقبلا، أو يرفعا معدلات التضخم، وكلاهما سيئ، وعدم الكفاءة في إدارة الموارد لا تعطي أفضل النتائج، ونهايتها الفشل، أما الفساد فيدمر البلاد والعباد.

ويوسف أول اقتصادي نعرفه استخدم سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية، أي تقشف في دورة الرواج، وهي سياسات غير مفهومة؛ لكن يوسف كانت لديه القدرة على الإقناع وتنفيذ هذه السياسات لعلمه بتبعاتها، وهذه السياسات يدعو لها الآن بنك التسويات الدولية واقتصاديون مرموقون بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتجنب تراكم الاختلالات في الاقتصاد الكلي أثناء فترات الرواج التي تقود لأزمات لاحقا.

فكان هناك إفصاح وشفافية في رسم وتنفيذ هذه السياسات، فيوسف شرح لهم المشكلة والأزمة المقبلة، وكيفية مواجهتها، وهذا يعزز الثقة واليقين ويدفع الجميع نحو التعاون لإنجاح السياسات في تحقيق أهدافها.

كما أنه أول من نعرف ممن استخدم سياسات التحوط بالتخزين والتوفير ومراكمة الموارد أوقات الفوائض لتستخدم في أوقات الانكماش، لإدارة الدورة الاقتصادية بسلاسة والتخفيف من حدة الانكماش، وهي الفكرة التي بنيت عليها الصناديق السيادية حديثا لإدارة الدورة النفطية.

إدارة الدورة الاقتصادية في دول مجلس التعاون

في دول المجلس، هناك اعتماد كامل على النفط، فشل في التنويع، فشل في التنبؤ، ضعف في التحوط، فشل في إدارة الدورة الاقتصادية (النفطية)، لا شفافية، لا رقابة، لا محاسبة، لا مسؤولية؛ بل سياسات ردود فعل توسعية إسرافية مع الفوائض، وانكماشية تقشفية وضرائب مع الركود مما يطيل ويعمق أمد الركود.

فدول المجلس تستخدم نصف سياسة مالية -سياسة الإنفاق الحكومي- في رد فعل موافق للدورة النفطية؛ أي: توسع في الإنفاق مع الرواج وتقشف مع الانكماش، والسياسة النقدية وسياسة سعر الصرف معطلتان بسبب الربط بالدولار، وهذا يضع ضغوطات على الاحتياطيات ويؤجج وضع الدورة الاقتصادية، إذ يعمق الانكماش مع الركود، ويرفع التضخم في الرواج.

فضيق حيّز السياسات بسبب ربط العملات، يضع ضغوطات كبيرة على الاحتياطيات والصناديق السيادية للتعويض عن فشل السياسات في إدارة الدورة النفطية، ومن جهة يشكل ذلك عبئا إضافيا على الاحتياطيات لتثبيت سعر الصرف، في حين أن المطلوب مزيج مرن ومعاكس للدورة النفطية من السياسات الثلاث؛ المالية والنقدية وسعر الصرف.

فمرونة سعر الصرف تساعد على امتصاص صدمات النفط، وتنويع الاقتصاد، وتحرير السياسة النقدية، لتوجه إدارة الدورة الاقتصادية المحلية، وربط العملات يشل السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف، ويبقي الاحتياطيات عرضة للاستنزاف، والعملات عرضة للمضاربات أثناء الأزمات الاقتصادية والسياسية الحادة.

والسماح لسعر الصرف بالانخفاض والارتفاع مع سعر النفط، يساعد على مواجهة تحديات الإنفاق العام عند انخفاض مداخيل النفط، وخفض معدلات التضخم عند ارتفاعها.

وفي هذا السياق، أعطى تعويم الروبل الروسي روسيا أفضلية على السعودية ودول الخليج في امتصاص صدمات النفط وتحمل انخفاضه لفترات أطول، فروسيا تعلمت من تجارب انهيارات أسعار النفط السابقة، بينما هناك إيمان شبه كامل في دول مجلس التعاون بأن الربط بالدولار صالح لكل زمان ومكان.

فالدول ذات أسعار الصرف الثابتة تواجه تحديات أكبر في الإنفاق العام بسبب انهيار أسعار النفط، فإما أن تخفض الإنفاق، أو تسحب من الاحتياطيات أو تقترض (لتمويل العجوزات)، والدول التي لا تستطيع أيا من ذلك فستكون في وضع صعب وستواجه تحديات كبيرة.

إن ربط العملات يضع تحديات مضاعفة على دول المجلس، فمن جهة تستنزف الاحتياطيات للتعويض عن فشل السياسات النقدية وسعر الصرف في مواجهة انهيار أسعار النفط، بسبب الشلل الذي يحدثه الربط، ومن جهة أخرى يتم تحييد جزء كبير من الاحتياطي جانبا للدفاع عن أسعار الصرف الثابتة.

ومستويات الاحتياطي من الصرف الأجنبي منخفضة في البحرين (على وجه الخصوص) مما يهدد بضغوطات على الدينار البحريني مجددا وأزمة في سعر صرف، ربما تطال سلطنة عمان (لتشابه الظروف)، وحينها تكون العدوى قابلة للانتشار لتطال أعضاء آخرين في منظومة الربط بالدولار الخليجية، كالسعودية مثلا.

إن التطور الوحيد الذي حققته دول المجلس منذ طفرة النفط الأولى في سبعينيات القرن الماضي هو في جانب بناء صناديق التحوط (السيادية)، ولكن هذا لا يكفي، فسيتآكل هذا الاحتياطي في ظل الفشل في التنويع، وفي إصلاح هيكل إدارة الاقتصاد الكلي، بتبني نظام سعر صرف وسياسة نقدية أكثر مرونة، وتوجهان لإدارة الدورة النفطية وتنويع الاقتصاد المحلي.

وما تزال الصناديق السيادية الخليجية بحاجة للكثير من الإصلاح والتطوير، فهي الأقل شفافية حول العالم، فلا يعرف ما يدخلها ولا ما يخرج منها، ولا كيف تدار، ولا تخضع لمعايير المحاسبة والمسؤولية، وأحجامها أصغر مما يفترض أن تكون عليه مقارنة بالمداخيل الهائلة التي تحققت لدولها أثناء الطفرة النفطية الأخيرة.

التنويع الاقتصادي

فشل التنويع الاقتصادي في دول الخليج لسببين: الوفرة الاقتصادية (الموارد الطبيعية الهائلة)، والتكلفة السياسية. فالتنويع الاقتصادي قرار سياسي، وله متطلبات (إصلاحات) اقتصادية وتكلفة سياسية، وعملية تنويع ناجحة ستقوض نموذج النمو الريعي الخليجي القائم على استقطاع الريع وإعادة توزيعه بما يتسق وتعظيم فرص البقاء في السلطة، وسيشكل ذلك تهديدا للنظام السياسي القائم للدولة الريعية الخليجية.

فالتنويع ضد طبيعة الدولة الريعية الأوتوقراطية لأنه يجردها من أهم مقومات بقائها وهي آلية توزيع الريع، ولن تنوع الدولة الريعية إلا مجبرة، أي عند كساد أو نضوب مواردها الطبيعية، أو لتحولات اقتصادية أو سياسية ضاغطة.

دروس في الرؤية والقيادة من قصة يوسف

إن أول شرط للقيادة وصنع السياسة هو توفر الرؤية، فلا بد أن تتوفر لدى صانع السياسة القدرة على تكوين رؤية مستقبلية، واستشراف لما يمكن أن يكون عليه المستقبل، ووضع سيناريوهات بأسوأ الاحتمالات لأزمات مستقبلية والإعداد لها بوضع الحلول المناسبة استباقيا.

 

ولتكوين رؤى واستشراف سليم للمستقبل، هناك حاجة لبناء القدرات البحثية على مستوى المؤسسة والوزارة، والاهتمام بالباحثين والأبحاث والنشر المهني والعلمي، ومراكمة رأس المال البشري المتخصص، ولن يتم ذلك إذا كانت الإدارة ضعيفة وفاقدة للأهلية.

فهذه هي وظيفة الدولة، وذلك يتطلب كفاءات قيادية وإدارية خلاقة مبدعة تستطيع تكوين رؤى مستقبلية، ورسم وتنفيذ سياسات سليمة بناء عليها.

فيجب أن تتوفر في من يقومون على القطاع العام، من وزارات ومؤسسات ووزراء ومسؤولين، القدرة على تكوين رؤى لقطاعاتهم واستشراف لما يكون عليه المستقبل في مجالاتهم، ووضع الخطط المناسبة للتحولات والأزمات المقبلة.

وهذا يتطلب كفاءات قيادية تستطيع استشراف المستقبل وتصميم السياسات المناسبة، وكفاءات إدارية تستطيع تنفيذها، والكفاءات القيادية والإدارية تستطيع جذب ومراكمة رأس المال البشري، وبناء القدرات والكفاءات الوطنية لأنها بحاجة إليها ولا تخاف منها.

ولتكوين رؤى واستشراف سليم للمستقبل، هناك حاجة لبناء القدرات البحثية على مستوى المؤسسة والوزارة، والاهتمام بالباحثين والأبحاث والنشر المهني والعلمي، ومراكمة رأس المال البشري المتخصص، ولن يتم ذلك إذا كانت الإدارة ضعيفة وفاقدة للأهلية.

فالإدارة الضعيفة وغير المتمكنة تخاف من الكفاءات وتحاربها، وتعمل على تفريغ المؤسسة والوزارة منها؛ لأنها ترى فيها مصدر منافسة أو تهديدا لمصالحها ولبقائها وبقاء من يرثها في المنصب، وهذا يؤدي إلى هدم رأس المال البشري وإرسال رسائل خاطئة تحرف النشء عن بناء قدراتهم، وتؤدي إلى تدهور مخرجات القطاع العام وتآكله.

وعلى قدر كفاءة الإدارة في القطاع العام يتحدد سقف رأس المال البشري فيه، فإدارة كفؤة تعطي سقفا مرتفعا، وإدارة ضعيفة تعطي سقفا منخفضا يحد من تكون رأس المال البشري.

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة