مقالات

إرث سياسي مزمن يعيق التوصل لحل في اليمن

(الجزيرة)
(الجزيرة)

لماذا هناك صعوبة في الوصول لحل سياسي للمعضلة اليمنية؟ سؤال طالما سألته عند محاولتي فهم طبيعة الصراع القائم في اليمن، وأذكر هنا الصراع المسلح الداخلي بين اليمنيين، وليس الصراع أو العوامل الخارجية، اعتقادا مني أنه عند تمكننا من حل الصراع والخلافات الداخلية، سنتمكن من مواجهة الخطر الخارجي.

 

للصراع اليمني عوامل عدة وأصعدة متعددة تتلامس في نقاط، وتبتعد في نقاط أخرى. جوهر الصراع كما هو جلي يتمحور حول موارد الدولة والسيطرة عليها، والسعي الحثيث للاستيلاء على السلطة بشكل مطلق من قبل مجموعة صغيرة (حزبية أو عقائدية أو سُلالية أو جهوية) دون الاعتراف بوجود أو مساهمات للأطراف الأخرى في الساحة الوطنية، والتنكر لارتباط مصير الكل بهذه السلطة وسياساتها العامة، هذه الجزئية مهمه جدا وحساسة للغاية، وقد تحدث عنها وما زال الكثير من الكتاب والمحللين؛ لكني هنا سأحاول التطرق لجانب مغيب لأسباب الصراع البيني في اليمن.

أريد لفت انتباه القارئ لمحور آخر لا يقل أهمية في تحليل استمرار الصراع، هذا الجانب هو الجانب الأخلاقي في العمل السياسي و إدارة الشأن العام.
ولنحاول أولا التعرف على ماهية الأخلاقيات في السياسة.

 

يتوهم الساسة وكذلك الكثير من صناع الرأي من كتاب وإعلاميين بأنهم يكذبون من أجل الصالح العام والبلد؛ لكن كذبهم هذا أمسى جليا للعيان، فجميعنا ندرك أن ما تلك الأكاذيب إلا لأسباب فردية وأنانية، تبحث فقط عن السلطة والجاه وانتصارات شخصية وعصبوية، وتتجاهل باقي وظائف السلطة من تنمية ووحدة الصف واستيعاب التعدد والاختلاف وتبني الحوار البناء.

العمل السياسي هو ممارسة الأعمال الخاصة بالشأن العام، الذي يحفظ للبلد ومواطنيه مصالحهم وكذلك حقوقهم، ويشجع العمل التنموي اقتصاديا واجتماعيا. يمارس السياسي هذا العمل ضمن مجالين مرتبطين لا يمكن الفصل بينهما، ويشمل أولا أخلاقيات المنصب العام، التي تركز على التعامل مع الموظفين العموميين في طرق توظيفهم وأداء عملهم على أكمل وجه، وكذلك الإشراف على الأساليب التي يستخدمونها للقيام بعملهم.
أما المجال الثاني فهو مرتبط بأخلاقيات السياسة العامة، ويتعلق بمدى الالتزام بالأحكام ذات الصلة بالسياسات والقوانين كالدستور مثلا.
ولو تمعنا في المفاهيم السابقة نجد أنها نادرة، وتكاد تكون منعدمة في مجتمعنا. وفي غيابها تبرز بدائل عدة منها -وأكثرها تأثيرا- صناعة (بروباغندا) وتضليل الرأي العام، واستعداء شرائح واسعة من المجتمع عبر خلق ولاءات عصبوية عمياء لا ترى في الآخر إلا العداء والتربص، وهدفها الوحيد حماية مصالح من هم في السلطة.

هذه الأكاذيب والبروباغندات حولتنا لكونتونات متعصبة ومتصارعة ومتناحرة، يغيب عنها أدنى أساليب التفكير النقدي والباحث عن كشف الأكاذيب اللا أخلاقية، والممارسات الخاطئة؛ مما أدى إلى انعدام الثقة بيننا للبحث عن مخرج مشترك ينقلنا لمساحة تجعل الحوار بناء يمكننا من البحث عن السلام والاستقرار.

يتوهم الساسة وكذلك الكثير من صناع الرأي من كتاب وإعلاميين بأنهم يكذبون من أجل الصالح العام والبلد؛ لكن كذبهم هذا أمسى جليا للعيان، فجميعنا ندرك أن ما تلك الأكاذيب إلا لأسباب فردية وأنانية، تبحث فقط عن السلطة والجاه وانتصارات شخصية وعصبوية، وتتجاهل باقي وظائف السلطة من تنمية ووحدة الصف واستيعاب التعدد والاختلاف وتبني الحوار البناء.

وفي ظل غياب الوازع الأخلاقي في العمل السياسي في اليمن، والاعتماد الكلي على الأكاذيب و نقض الاتفاقات (وهي كثيرة)، وممارسة (البروباغندا) منذ عقود جعل عملية الحوار معقدة، فكل طرف موقن بأن الآخر لن يلتزم كونه يراه غير أخلاقي وكاذب وغير جدير بالثقة.

تلك الممارسات للأكاذيب ووجود تعصب أعمى وجاهل، أوصلت المجتمع لنقطة أن الكذب أصبح طبيعيا، ولهذا يجد اليمنيون أنفسهم غير قادرين على أن يتحاوروا فيما بينهم، وفي المحصلة النهائية، يمكن القول لدرجة تصل إلى الجزم إن غياب وانعدام الأخلاقيات في العمل السياسي أضحى يهدد أي حوار وطني أو تقارب للبحث عن السلام والاستقرار.

فغياب عوامل الثقة لن تولد أو توفر الحد الأدنى من الشروط أو البئية المناسبة لتنفيذ أي اتفاق مهما كان محدودا أو متواضعا، وهذا جانب يجب أن يدركه الوسيط الأممي وغيره من الوسطاء لتحسين فرص اتفاق سلام متواضع ومبدئي.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة