تطول قائمة مخاوف النساء.. فمم يخاف الرجال؟

(مواقع التواصل الاجتماعي)
(مواقع التواصل الاجتماعي)

"الخوف أذل أعناق الرجال، السينما تعج بالأبطال الذين يتحدون الظلم.. الكتب تعج بالرجال ذوي المبادئ، الذين لا يخافون؛ ولكن يغضبون.. أحلام المراهقات مفعمة برجال مفتولي العضلات منتصبي القامة يتحدون الشر، يخيل لي أن السينما والكتب والأحلام أخذت كل هؤلاء الرجال، فلم يبق منهم عدد كاف للحياة نفسها" أحمد خالد توفيق، مثل إيكاروس.

 

في بلادنا يقولون إن الرجال لا يجب أن يخافوا شيئا.. وكأن هذا الإحساس لم يخلق لهم، فيبقى حصرا للنساء هؤلاء اللاتي تتمحور أكثر مخاوفهن حول الرجل أو بسببه؛ فمم يمكن أن يخاف الرجال؟

الإخفاق

 

"ليس هناك سوى شيء واحد يجعل الحلم مستحيلا هو الخوف من الفشل" باولو كويلو، الخيميائي.

"علمني أبي ألا أخفق في شيء، بداية من الطلبات البسيطة، التي يجب إحضارها من البقالة، مرورا بكل محطات الحياة، وصولا إلى تربية أبنائي، فالفشل لا مكان له في حياتي" هكذا حكى صديقي عن أكبر مخاوفه في الحياة.

 

يتذكر درسه الأول وهو يركض بحثا عن نوع محدد من السكر طلبه والده، فلم يجده إلا في قرية بعيدة وصلها بعد ساعات مشيا على الأقدام، ولم يهتم بتورم قدميه الحافيتين؛ لأنه في النهاية قفل عائدا ببغيته.

عندما يهم رجل بإنهاء مهمة على بساطتها كتغيير إضاءة الغرفة أو إصلاح إطارات سيارته في وجود آخرين ربما يزداد توتره، قد يكون السبب في ذلك خشيته أن يبدو كشخص لا يتقن أمرا.

"تظن كثير من السيدات أن أزواجهن يولون اهتماما زائدا بالعمل، وهذه فكرة خاطئة تماما، أظن أن الرجال أكثرهم مثلي يعتبرون العمل المسار الأهم لتحقيق النجاح والاستقرار، وهو البوابة التي يمكنها أن تُعلي من درجات الرجل أو تطرحه أرضا، فنحن على الأغلب لا نسعى وراء العمل من باب الرفاهية؛ بل من قلقنا الشديد عما سيترتب على فقدانه من انهيار في منظومة المسؤوليات الملقاة غالبا على عاتقنا، لذا يتوجب عليه أن يبقى على رأس وظيفة تضمن له مكانته تلك" هكذا فسر زميل العمل ما قد يظهر على أنه هوس بالعمل.

 

عندما يهم رجل بإنهاء مهمة على بساطتها كتغيير إضاءة الغرفة أو إصلاح إطارات سيارته في وجود آخرين ربما يزداد توتره، قد يكون السبب في ذلك خشيته أن يبدو كشخص لا يتقن أمرا.

 

الفشل في العلاقة الجنسية، خوف يسيطر على بعض الرجال، وإن لم يكن حقيقيا، فلا يتقبل الرجل فكرة إخفاقه في نقطة كهذه أبدا، يصر على إثبات جدارته خلال تلك الدقائق، التي ربما ترسم سطوته داخل بيته وخارجه.. وربما هؤلاء الذين لا يعانون من تلك المشكلة لديهم خوف من فقدانها أو تأثرها مع تقدم العمر؛ ليبقى القلق حول تلك النقطة شاغلا مساحة لا بأس بها من تفكيره واهتمامه.

اللوم

"في المستقبل يكمن مصدر الخوف، ومن تحرر من المستقبل لا يبقى لديه ما يخشاه" ميلان كونديرا.

 

عندما قابلت ابنة عمي زوجها وفي فترة الاتفاق على تفاصيل زواجهما قال لها "لا أحب اللوم، أتمنى أن تتركيه جانبا، فقد حصلت على ما يكفي منه"، أقلقها هذا الاعتراف؛ لأنها بالأساس شخصية لوامة، فرفضت الارتباط به، ولا تعرف حتى هذه اللحظة إن كان قد قصد جعلها تبتعد أم أنه يعاني فعلا.

 

لا شك أن الآباء يحبون أبناءهم ويودون لو استطاعوا البقاء بقربهم لمشاهدتهم يكبرون أمام أعينهم؛ لكنهم يستسلمون لرغبة الأبناء في بقائهم مع الأم في حال الانفصال أو ربما الاغتراب بحثا عن عمل بعيد عن مكان الأبناء، ونادرا ما نجد رجلا يأخذ تلك المبادرة بتربية أبنائه وحده.

 

"يفعل الرجل ذلك ليس هربا؛ بل خوفا من الملامة والتقصير في المسؤولية التربوية كما يجب، تلك التي تعودنا على تحميل الزوجة تفاصيلها اليومية فيما يكون دور الأب مشرفا من بعيد للتخويف تارة وللتحفيز مرات، فيما تقوم بها الأنثى، وهي راضية، وتساعدها طبيعتها على إنجازها ببساطة؛ فهي التي تعرف الحالة الصحية لكل طفل، وتدرك متى تتدخل في مذاكرته، وكيف تعيد دفة حياة الجميع للإبحار من جديد" من صفحة أحدهم على موقع تويتر.

 

ربما توجعنا الملامة جميعا؛ لكن تأثيرها أقوى عند الرجل لافتراضه أنه شخص لا يخطئ ولا يقصر، وبالتالي لا يستحق اللوم، ولن يتحمله مهما اقترف.

 

الحب والتعلق

"الشجاعة والخوف ليسا سوى كفتي الميزان المتأرجحتين في حين تظل ذراع الميزان ساكنة مشلولة من الدهشة من الابتكار غير المجدي للانفعالات والمشاعر" جوزيه ساراماغو، الطوافة الحجرية.

 

في رواية "فلتغفري" للكاتبة أثير عبد الله النشمي، يغرق عزيز في حب "جمانة" لآخر نقطة في دمه؛ لكنه يختار الابتعاد والفراق والتشبث في الوقت ذاته، تعذبه براءتها وانشغاله بنزواته، يراها ملكه وحده ويبحث عن أقرب فرصة ليتزوج غيرها، يراها حبيبته وأمه وصديقته؛ لكنه يقرر الهروب منها، عذبه طهرها فألصق بها تهما تحط من قدرها، وآلمه تعلقه بها، فعاد مرات يطلب الصفح.

 

وكم من عزيز في عالمنا، يرى في قراره المشروط خيارا لنفسه، فيجرب أن يرفع الميزان تارة ويخفضه مرات..

 

يخاف رجال من تحمل مسؤولية من يحبون، يخشى الرجل وقتها قدرته على الإبهار والاحتفاظ بالشغف بعد أن يصبحا داخل جدران منزل يعج بتحديات كثيرة، وتزداد المعاناة لو تربى على تمجيد دوره، ورفض فكرة أن يكون ببساطة عاديا يصيب تارة ويخفق أخرى.

ولا يتوقف الأمر عند تعامله مع الأنثى؛ بل ربما ينسحب ذلك على علاقاته عموما فيقرر تحديد معارفه وأصدقائه، فقد يكون له صديق أو اثنان على الأكثر، فلا يجيد رجال التعلق بالآخرين، ولا يفضلون الانشطار على شواطئ غيرهم؛ بل يميلون إلى الإبقاء على سفنهم راسية في محطات ثابتة لا تتطلب مزيدا من الجهد والتفاصيل.

 

المرأة الذكية

"وخشيتُ أن أقول لكَ دعنا نبدأ من البداية فَتهرب مِن ذلك الشارع
الذي التقينا فِيه أول مَرة" علاء عبد العليم علي

 

في تجربة نشرتها إحدى المجلات الاجتماعية مؤخرا أشارت إلى أن الرجل يخاف المرأة الذكية، ويرفض الارتباط بها رغم أنه يقع في حبها سريعا.

 

يعجب الرجل بالمرأة التي تعرف ما يريد، وتحدثه عما يود أن يسمعه، يفضلها لماحة قوية الشخصية.. مرحة ومبهرة، فهي بذلك تضيف إلى رصيده، فيجد نفسه مشدودا لها ساعيا خلف لفت انتباهها، هذا في مرحلة التعارف؛ لكن فجأة قد يتحين الفرصة ليوقعها من على ظهر فرس أحلامها.

لذا ربما يكون على المرأة الذكية ألا تظهر كل مهاراتها دفعة واحدة، وأن تُبقي على بعض من لؤمها، وقد يكون في صالحها أن تظهر غباء مصطنعا إن أرادت أن تحتفظ برجلها مدة أطول.

يريد أن يحتفظ بغموضه وقدرته على إعطاء ما يود وقتما يريد، يخشى أن تكتشف نقاط قوته وضعفه؛ فيصير شفافا عاريا أمامها، فيرسم خطوطا وهمية للتضليل.

 

حكت صديقتي قصتها مع حبيبها، التي استمرت 5 سنوات، وهي شاردة وعلى وجهها عشرات الأسئلة، التي طرحتها عليه، ولم تحصل إلا على تلك الجملة المقتضبة "يخاف مواجهة الحياة معها" يحبها؛ بل ويعشقها، لكنه تركها ومضى، يخشى ذكاءها المُعلن لكل ميزاته وسوءاته، ويفضل امرأة تشعره بأنها لا تعرف خطوته القادمة، فيقرر أن يترك أي مواجهة قد تضعه في تلك الزاوية.

 

لذا ربما يكون على المرأة الذكية ألا تظهر كل مهاراتها دفعة واحدة، وأن تُبقي على بعض من لؤمها، وقد يكون في صالحها أن تظهر غباء مصطنعا إن أرادت أن تحتفظ برجلها مدة أطول.

الرفض والهجر

"في بداية الحب كما في نهايته غالبا ما يشعر المحبون بالخوف أن يكونوا وحيدين" جان دي لا برويير.

 

خلال السنوات الماضية شاعت قصص التعارف، التي بدأتها فتيات، وربما يميل الرجل إلى إرسال غيره في حال رغبته في الارتباط؛ فلماذا يقلق الرجل من إعلان إعجابه بامرأة؟

 

يبدو أن الرجال أكثر تحسبا للرفض، يعتبر فكرة صده غير واردة من الأساس، فكيف يخبر فتاة أنه يحبها؟ وماذا لو كانت معجبة بغيره؟ وكيف ستسير الأمور لو رفضت زميلته في العمل فكرة الارتباط به؟ وهكذا يبدأ سيل الأسئلة، ولا ينتهي إلا بمجازفة من طرفه أو مفاجأة من طرف تلك الفتاة، التي ربما يعد ما فعلته شجاعة تستحق مشاركته بقية حياته، وقد تقع في فخ رفضه لجرأتها، فيراها فتاة منحلة لا يأمنها على بيته المصون.

 

الهلع من الهجر يؤرق الرجل وإن كان يخفيه، حكى صديق ذات يوم عندما طلبت زوجته الانفصال بعد 10 سنوات زواج، أنه كان يخاف أن تهجره دوما، طارده هذا الكابوس منذ زواجهما، وكل يوم عندما يجدها في حالة غضب يتوقع رحيلها.

 

الهجر والرفض من تلك المخاوف التي ربما تجعل الرجل يتصرف على غير طبيعته، وربما يختار طريقا عكس ما يشعر به وقتها إثباتا لإمساكه بزمام الأمور.

 

 

أمه

"والخائف دائما يتعثر فيما يخيفه" شيرين سامي، قيد الفراشة.

مهما مر من عمره يبقى الرجل أسيرا لتقييم والدته، تلك السيدة أهدته الحياة عبر صرخة متبادلة منهما.

 

عندما يكون الرجل مبالغا في حبه لأمه يخاف غضبها، ويفكر فيها قبل كل قرار خاصة لو كان الارتباط بأنثى ستشاركها الاهتمام. يخاف الابتعاد عنها؛ لأنها وتده الأول، ويخشى فقدانها.. ويبحث في شريكته عن بعض من أمه المرسومة بدقة داخل قلبه.

 

يخافها ويبحث عنها، ويتمنى زوجة تواصل عطاءها، وهو أخطر ما في الأمر، فحب الأم ليس مشروطا على عكس الشريكة التي تتوقع دوما عطاء بالمقابل.. قد يستطيع الموازنة بين هذه وتلك لو كانت لأمه تجربة حياتية طبيعية تفهم جيدا مالها ومالزوجة ابنها.

أما لو كانت والدته من هؤلاء اللاتي تعذبن في الحياة مع رجال غير جدرين بهن، فربما يخاف خذلانها فيرتكب أخطاء أكثر، ويبحث عنها، فيريد استنساخها.. يخشى الابتعاد عنها ويود فراقها.. يبقى موصولا بحبلها السري، وكأنه مازال جنينا داخلها.. يسجن نفسه في مخاوفها، ويغزلها جنبا إلى جنب مع قلقه، ويلبسهما ساترا يحول دون اكتشافه لمواطن رجولته.. يخاف دعواتها الثائرة عندما يرتكب هفوة، ويبقى مصلوبا بين حبه لأمه ولامرأته متأرجحا بينهما.

في بلادنا دأبت الأسر على كسر شوكة الفتاة منذ صغرها إلا ما ندر، فالغلبة لأخيها دوما، والقرار لأبيها ومن بعده زوجها. في الوقت ذاته يعترفون بدور المرأة، فلا يكاد يمر أمر من دون إرجائه للتشاور، وهي إشارة مبطنة لسؤال الزوجة عن رأيها.

من سطوة زوجته

"خوفا من الهزء، دفنت أنبل عواطفي في أعماق قلبي" ميخائيل ليرمونتوف، بطل عصرنا.

في حوار بفيلم يوناني قالت السيدة لابنتها وهي تنصحها قبل الارتباط "زوجك رأس البيت؛ لكنك الرقبة التي تحرك تلك الرأس" جملة تختصر فكرة سائدة لدى كثيرين بأن الزوجة دورها مهم؛ لكن لا يجب أن يظهر ذلك الدور علنا حتى أمام أقرب المقربين.

 

في بلادنا دأبت الأسر على كسر شوكة الفتاة منذ صغرها إلا ما ندر، فالغلبة لأخيها دوما، والقرار لأبيها ومن بعده زوجها. في الوقت ذاته يعترفون بدور المرأة، فلا يكاد يمر أمر من دون إرجائه للتشاور، وهي إشارة مبطنة لسؤال الزوجة عن رأيها.

 

اتهام الزوج بأن شريكته مسيطرة قد يحيل حياتهما إلى جحيم، وربما يقضي على فرصهما في الاستمرار. يقف خلف ذلك تاريخ من مخاوف تراكمت على مر عقود طويلة يرسخها المجتمع بأن الزوج هو رب البيت والمسيطر الأوحد، وحتى لو كان يطلب منها غير ذلك في الواقع، ويحملها مهمات صعبة، ويطلب أن تكون ناعمة ورقيقة وهادئة، ووقتها عليها أن تظهر العكس حفاظا على سمعة زوجها.

 

يخاف الرجل من تقلبات المستقبل.. الإفلاس.. المقارنة مع الآخرين.. الفقد.. ولكنه قبل كل ذلك يخشى التعبير عن مخاوفه، يبقيها حبيسة كهفه، ويتأنق مختالا بأنه لا يخاف شيئا..  ونذكر هنا بما قاله سليفدين أفيديتش في مخاوفي السبعة "أهمُ خطوات محاربة المخاوف، هي الاعتراف بوجودها".

 

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة