مقالات

نظرات وعبرات | ترويض الغول

الاستبداد (مواقع التواصل الاجتماعي)
الاستبداد (مواقع التواصل الاجتماعي)

هل هو أمر حتمي وقدر مفروض لا نملك إلا الاستسلام له؛ ألا نعمل على التخلص من الاستبداد إلا بثمن باهظ تدفعه الأمة من دماء أبنائها ومن مستقبل أجيالها؟ هل من سبيل للتخلص من الاستبداد بطريقة سلمية آمنة، واستبداله بنظام يحقق العدالة والمساواة، ويمثل إرادة الشعب، يتقوى به لا عليه، ويحافظ على مقدراته، ويحقق آماله وتطلعاته، نظام يحافظ على وحدة التراب ووحدة الشعب على أساس الدستور والقانون، نظام يحمي الدستور والقانون ويخضع لهما، ولا يتحول هو إلى الدستور والقانون؟

هذا هو المقال الخامس والأخير في سلسلة المقالات التي تناولت فيها موضوع الاستبداد، وأوضحت فيها ما يأتي:

  • إن الاستبداد يهدد الجميع حكاما ومحكومين، وإن الأنظمة المستبدة والحكام المستبدين لم يحمهم جبروتهم وأجهزتهم القمعية وقوتهم التي يتحصنون خلفها من الانهيار والسقوط وبأبشع خاتمة.
  • إن عملية إعادة إنتاج الاستبداد التي تجري في بعض الدول العربية هي في الحقيقة إعادة إنتاج للكارثة والفشل، وتكريس للهزيمة والتخلف، ولن يترتب عليها إصلاح أو تطوير.
  • إن النظام المستبد والحاكم المستبد يرتكز على مجموعة دعائم خارجية وداخلية، تقتضي مصالحها المحافظة عليه، فتسانده وتحقق له الهيمنة والقوة والطغيان، وسرعان ما تتخلى عنه إذا فشل في رعاية مصالحها والمحافظة عليها.
  • إن النتائج المترتبة على الاستبداد كارثية بكل معنى الكلمة، على مستوى الدولة والشعب، وعلى مستوى المجتمع والفرد، وعلى مستوى الحاضر والمستقبل.
  • إن عمر الأنظمة المستبدة يمر بأربعة مراحل، آخرها سقوطها الحتمي البشع، هو السبب الذي يجعل النظام المستبد شديد التغول والبطش والقمع.
  • إن الطرق الأربعة التي جربتها المنطقة العربية للتخلص من الاستبداد على مدار 70 عاما كانت باهظة الثمن فادحة النتائج والآثار؛ وهي: الانقلابات والمواجهة السياسية والمواجهة المسلحة والثورة الشعبية الموجهة، وإن من العبث الاستمرار في تجريب هذه الطرق من جديد.

في هذا المقال أطرح باختصار مقاربة جديدة للتعامل مع غول الاستبداد تعتمد طريقا آخر غير الطرق الأربعة السابقة، لعلها تستطيع تحقيق ما عجزت الطرق السابقة عن تحقيقه، والمقال يفتح بذلك الباب واسعا أمام المفكرين والمثقفين والإعلاميين للإدلاء بدلوهم في نقد هذه المقاربة وتقويمها وتطويرها وتحويلها إلى تيار إصلاح جديد متكامل الأركان، يبني ولا يهدم، يتكامل ولا ينشطر، يتصالح ولا يقتتل.

 

تتلخص فكرة ترويض الغول في مواجهة الاستبداد بطريقة سلمية، تجعله أقل عدوانية وأكثر انفتاحا على الأفكار البناءة دون خوف من أصحابها، وأكثر تقبلا للنقد وتعاطيا مع الواقع الحقيقي، وأكثر التصاقا بقضايا الشعب وتفانيا في خدمتها… إنها عملية ترويض فكرية تنويرية تركّز على إعادة بناء الأفكار الكلية التي تتحكم في سلوكيات الاستبداد وتعمل على تغييرها تدريجيا.

 

 ترويض الاستبداد

1-   الفكرة:

العمل على ترويض الاستبداد، وجعله أقل عدوانية وأكثر انفتاحا على الأفكار البناءة دون خوف من أصحابها، وأكثر تقبلا للنقد وتعاطيا مع الواقع الحقيقي، وأكثر التصاقا بقضايا الشعب وتفانيا في خدمتها.

إنها عملية ترويض فكرية تنويرية تركّز على إعادة بناء الأفكار الكلية التي تتحكم في سلوكيات الاستبداد وتعمل على تغييرها تدريجيا، وليس المستهدف بها شخص الحاكم المستبد، وإنما السلوكيات الاستبدادية التي يلجأ إليها نتيجة لعوامل داخلية وخارجية عديدة تجعله فاقدا للشرعية الدستورية، مغتصبا للسلطة، هائما بسحرها، قلقا عليها، خائفا من زوالها، متوجسا من الطامعين بها؛ ومن هذه الأفكار:

  • طمأنة النظام المستبد على الحكم، وعدم منافسته عليه، ما سيجعله يتخلص من القلق والخوف والانشغال الدائم بتأمين السلطة والكرسي وحفظها من الانهيار على حساب مصالح الشعب.
  • عدم الاعتراض على طول بقاء النظام أو الحاكم في السلطة، فالاستبداد كما ذكرنا في مقال سابق، عبارة عن سلوك وليس شكل حكم، ولا ضير من بقاء الحاكم حتى نهاية عمره في السلطة، مادام قائما بواجباته الدستورية على أكمل وجه.
  • المحافظة على شكل نظام الحكم القائم جمهوريا كان أو وراثيا، وعدم استهدافه، فالعبرة ليست بشكل النظام وإنما بسلوكه، وما دام النظام لا يرى نفسه وريثا شرعيا مالكا للدولة والشعب والأرض والمقدرات، وإنما قائما على أمرها وفقا للدستور والقانون، بما يحقق مصالح الشعب.
  • التأكيد على أن استقرار النظام في السلطة ودوامه فيها إنما يبقى ما دام حاميا للدولة ومحافظا على أرضها وشعبها وسيادتها واستقلالها، مقيما للعدل والمساواة بينهم، محافظا على مقدراتهم، محققا لمصالحهم، محترما لدينهم وتاريخهم وتراثهم وأعرافهم، معمرا لحاضرهم ومستقبلهم، يتقوى بهم، وينتمي إليهم، ويحارب معهم الظلم والفساد من كافة الأنواع.
  • التأكيد على مفهوم المواطنة، وأن جميع أبناء الشعب يتساوون أمام الدستور والقانون نصا وروحا وتطبيقا.
  • التأكيد على أن الشعب بكافة قطاعاته سيكون أكثر التفافا حول النظام، وأكثر تأييدا له، وتفانيا في مؤازرته، وتضحية في سبيله، طالما نزل إليهم ووقف إلى جانبهم، وتودد إليهم، وسهر على راحتهم.
  • التركيز على أن حرية الرأي والتعبير حق دستوري مكتسب لجميع المواطنين، وأنها ظاهرة إيجابية، لا تهدد النظام، ولا تزعزع أركانه كما قد يصور البعض، وأن العكس هو الصحيح، حيث تتحول مصادرة الرأي وقمع أصحابه وكتم أنفاسهم؛ إلى كبت دفين لا يتوقف عن نشر الدعاية المضادة له بكل الطرق وفي شتى المناسبات.
  • مخاطبة الأركان الداعمة للاستبداد من أجهزة أمنية وعسكرية وإعلاميين واقتصاديين وفنانين… أن كارثة الاستبداد تهدد الجميع، وأن السقف سينهال على رؤوسهم، وأنهم بدعمهم المطلق للاستبداد يرتكبون جريمة لا تُغتفر، وطمأنتهم بأن انحيازهم للشعب هو تأكيد لصدق انتمائهم له، وهو بحد ذاته تعزيز لأركان النظام وإطالة أمده.
  • وغير ذلك من الجوانب والقضايا التي تخفف التوتر وتقلل من أسباب التنازع والتشنج والتشظي والخصومة والتناحر، وتثير الأعصاب والعواطف والانفعالات، وتزيد من عدد المعارضين والخصوم، وتدفع أجهزة النظام إلى إقصائهم والتخلص منهم، وتدعو الجميع إلى النظر والتأمل في الخلافات، والبحث عن أسبابها، والتعامل الرشيد معها، انطلاقا من أن الجميع شركاء في الوطن.

 

هل من سبيل للتخلص من الاستبداد بطريقة سلمية آمنة، واستبداله بنظام يحقق العدالة والمساواة، ويمثل إرادة الشعب، يتقوى به لا عليه، ويحافظ على مقدراته، ويحقق آماله وتطلعاته، نظام يحافظ على وحدة التراب ووحدة الشعب على أساس الدستور والقانون، نظام يحمي الدستور والقانون ويخضع لهما ولا يتحول هو إلى الدستور والقانون؟

 

2.   الأهداف:

تهدف هذه الطريقة إلى تحقيق جملة من الأهداف على رأسها:

  • تصحيح منظومة الأفكار والمفاهيم المتحكمة في سلوكيات الحاكم المستبد.
  • تغيير سلوكيات الاستبداد لدى الحاكم المستبد.
  • وضع حد للعنف والقمع والبطش والتسلط والفساد المصاحب لسلوكيات الاستبداد.
  • وضع حد لحالة العداوة والخصومة المميتة التي تشهدها الدول الخاضعة للاستبداد.
  • طمأنة الحاكم المستبد والأركان الداعمة له بأنهم جزء من الشعب، وأن قوى الشعب ليست عدوًّا لهم، ولا تسعى للإطاحة بهم، وإنما تنتظر منهم القيام بواجباتهم الدستورية والقانونية تجاه الدولة والشعب.
  • وضع حد للثمن الدامي الذي تدفعه الدولة والشعب عند اللجوء إلى الطرق الأخرى لإسقاط الاستبداد.

3.   الأدوات:

جميع الأدوات المستخدمة في عملية ترويض الاستبداد ينبغي أن تكون أدوات مدنية سلمية؛ ومنها:

  • الإعلام بمختلف وسائله وقوالبه ومنصاته.
  • المحاضرات والندوات والمؤتمرات.
  • الثقافة والأدب والفن.

حيث تتحول جميع المحاور الفكرية السابقة، وما يتفرع عنها من قضايا إلى موضوعات للحوارات الإعلامية والمناظرات الفكرية والندوات البحثية والمحاضرات التنويرية والمعالجات الدرامية والأعمال الأدبية الروائية والشعرية والأعمال المسرحية والغنائية وغيرها من الفنون…

4.   الجهات المنفِّذة:

جميع الأطراف المكوِّنة للمشهد السياسي والاقتصادي والفكري والاجتماعي والديني في الدولة، مدعوون بشدة إلى المشاركة في عملية الترويض هذه، سواء كانوا في السلطة أم في المعارضة، وعلى رأسهم:

  • النظام المستبد وأجهزة حمايته الأمنية والعسكرية.
  • الأجهزة الإعلامية.
  • المؤسسات التعليمية والأكاديمية.
  • المؤسسات الاقتصادية.
  • مؤسسات المجتمع المدني.
  • المؤسسات الإعلامية.
  • النخب الفكرية والإعلامية والثقافية والأدبية والفنية.
  • الأحزاب والقوى المعارضة.
  • الكيانات الشعبية المساندة للنظام.

مع ملاحظة أن كل جهة من هذه الجهات، يعمل مستقلا عن الآخر، دون حاجة إلى تشكيل كيانات تنظيمية تُسخَّر في النهاية لصالح الجهات التي تقف خلفها.

 

 

إن فكرة ترويض الغول هي الطريقة الأكثر سلمية في مواجهة الاستبداد، وإذا لم تنجح في إسقاط الاستبداد، فإنها ستنجح في التأسيس لسلوكيات سياسية واجتماعية جديدة، لا يحتاجها النظام المستبد فحسب؛ بل تحتاجها جميع القوى والكوادر والأفراد الساعين إلى القضاء على الاستبداد، وإذا كانت حركة التاريخ مليئة بالدماء والظلم والعدوان، فإنها لا تخلو من تجارب مضيئة تعتبر نبراسا للبشرية في التصالح وحل المشكلات الداخلية والمحافظة على أرواح المواطنين وتأمين حياتهم.

 

5.   مدة الترويض:

في ظني أن هذه الطريقة بحاجة إلى مدة زمنية تتراوح بين 20 و30 عاما، وهي مدة ليست بالطويلة في عمر الأوطان والشعوب، وقد شهدت المنطقة عدة دورات من الاستبداد، تجاوز كثير منها هذه المدة.

ومن جهة ثانية، فإن هذه المدة قابلة للزيادة والنقصان، تبعا لنوعية ومستوى ردود الفعل، ومدى تجاوب الأطراف المعنية مع هذا الطرح، وتبعا لمسار المتغيرات التي تموج بها المنطقة صعودا وهبوطا.

6.   سياسات النجاح:

من الطبيعي أن عملا على هذا المستوى من الحساسية والتعقيد، يقتضي من الأطراف المنخرطة فيه من السلطة المستبدة والمعارضة، أن تراعي مجموعة من السياسات الحاكمة التي تساعد على تحقيق أفضل معدلات النجاح، وفي مقدمة هذه السياسات:

  • الابتعاد عن ردود الفعل.
  • كبح العواطف والانفعالات.
  • الالتزام التام بالحكمة وتحكيم العقل.
  • الاستماع لجميع الأفكار.
  • الانفتاح على جميع التيارات.
  • التعامل بحسن النية.
  • توحيد مستوى التعامل مع الجميع.
  • تعزيز الثقة بين جميع الأطراف.
  • اتباع سياسة النفس الطويل.
  • التقريب بين وجهات النظر المتباينة.
  • تجنب ازدواجية المعايير.
  • تعزيز التصالح بين جميع مكونات النسيج الوطني.
  • إدانة السلوكيات العنفية من جميع الأطراف.
  • تقدير كافة الفعاليات التي تصب تخدم والإشادة بمن قاموا بها.
  • الإيمان الشديد بإمكانية نجاح ترويض الاستبداد.
  •  توسيع دائرة الالتقاء.

النتائج المتوقعة

إن هذه الطريقة في التعامل مع الاستبداد ليست بالأمر السهل الذي تبدو عليه، فالأمر في غاية الصعوبة والتعقيد، ويصطدم بالكثير من المعوقات والتحديات الداخلية والخارجية، وإذا قُدّر لهذه الطريقة أن تجد تجاوبا في أوساط النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والدينية والفكرية والثقافية، فإن أبرز النتائج المتوقعة تتبلور فيما يأتي:

  1. قبول الأنظمة الاستبدادية لها، والتعاون معها، ودعمها.
  2. قبول الأنظمة الاستبدادية لها، والتعاون معها بغرض إفشالها، وإثبات أن ما عليه النظام المستبد هو الأفضل لصالح الدولة والشعب.
  3. رفض الأنظمة الاستبدادية لها، واتهام القائمين عليها بمثل ما اتهم به المنخرطون في الطرق الأربعة التقليدية لمواجهة الاستبداد.
  4. اتساع نطاق المد الفكري لهذه الطريقة، وتناول أفكارها في المنصات المختلفة، والترويج لها في كافة المناسبات، ما قد يدفع النظام المستبد إلى إعادة النظر فيها، واتخاذها منطلقا للتغيير وتعزيز الاستقرار.
  5. فشل هذه الطريقة والتشكيك بها وبمن يدافعون عنها ويتبنون أفكارها، ووقوف العديد من الكيانات السياسية والعسكرية والفكرية والاجتماعية في وجهها ومعارضتها بشدة وعنف.

وفي الختام، فإن فكرة ترويض الغول قد تبدو للكثيرين فكرة رومانسية حالمة وغير قابلة للتطبيق، وتتعارض مع حركة التاريخ وسنن التدافع؛ لكنها الطريقة الأكثر سلمية في مواجهة الاستبداد، وإذا لم تنجح في إسقاط الاستبداد، فإنها ستنجح في التأسيس لسلوكيات سياسية واجتماعية جديدة، لا يحتاجها النظام المستبد فحسب؛ بل تحتاجها جميع القوى والكوادر والأفراد الساعين إلى القضاء على الاستبداد، الطامحين إلى الانتقال لمرحلة سياسية جديدة تقوم على العدل والمساواة ومحاربة الفساد والسهر على مصالح الشعب وتحقيق تطلعاتهم وآمالهم، وإذا كانت حركة التاريخ مليئة بالدماء والظلم والعدوان، فإنها لا تخلو من تجارب مضيئة تعدُّ نبراسا للبشرية في التصالح وحل المشكلات والمحافظة على أرواح المواطنين وتأمين حياتهم، خاصة عندما يكون الأمر على المستوى الوطني.

 

 

 

 



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة