مقالات

أطباء مصر بين ضعف النقابة وطغيان النظام

ضرب زلزال كورونا العالم بأسره، وما زال شبح كوفيد-19 يطارد الجميع، ومن آثاره أنه كشف عن عورات النظم الصحية لبعض الدول وأظهر ضعف المنظومة الصحية بها، وفشلت كثير من الدول في إدارة الأزمة وفق القواعد والمعايير العالمية، وظهرت سوءة النظام الصحي بها، ونجحت القلة في ذلك.

وكانت النتائج السلبية بمصر حتى الآن كبيرة، وأصبح التساؤل مطروحا عن مدى كفاءة النظام الصحي المصري وإداراته لمثل هذه الأزمات؟ وهل هناك سابقة في إدارة أزمات  مماثلة؟ وهل لديه آليات وإمكانات محلية تمكنه من تجاوز الأزمة. ولاشك أن مصر مليئة بالكفاءات والخبرات، وأن كفاءة أساتذة طب المجتمع والصحة العامة في كليات الطب المختلفة بمصر، إضافة إلى فريق الأوبئة والترصد الوبائي بوزارة الصحة المصرية قادر على ذلك.

 

ولكن السؤال المطروح هل المناخ السائد الآن يساعد على الاستفادة من هذه الطاقات؟ هناك شكوك في ذلك.

لقد ألقت جائحة كوفيد-19 الضوء على مدى الظلم الذي يتعرض له العاملون في الصحة بمصر منذ عقود طويلة ومدى الاستهتار بأرواحهم وعدم توفير وسائل الحماية لهم للحفاظ على حياتهم وصحتهم.

فحتى كتابة هذه السطور سقط 75 زميلا عزيزا، بكى عليهم أهلهم ومرضاهم والوطن كله.

لكن يبدو أن المسؤولين لم يدركوا بعد حجم المصيبة، وأن مصر تفقد يوميا عنصرا من أغلى ما تملك، إنهم أبناؤها المخلصون الذين ضحوا بأنفسهم من أجل أهلهم ووطنهم.

فمع الأسف ومنذ عقود طويلة كان عدم تقدير الأطباء والغفلة عن حقوقهم هو السمة الغالبة في مصر، حيث تدهور وضع الأطباء، ومنعوا من مساواتهم بباقي قطاعات الخدمات في الدولة كالشرطة والجيش والقضاء، وأفشلت أحداث 30 يونيو محاولة جعل كادر خاص لهم موضع التشريع والتنفيذ من خلال برلمان ثورة يناير، ووجد البعض أن الهجرة للخارج هي الحل من أجل حياة أفضل.

وباتت الحاجة شديده للأطباء والعاملين في الصحة خصوصا مع كوفيد-19. وقفز الاهتمام بهم للواجهة من جديد.

 

وكم ذا بمصر من المضحكات  ولكنه ضحك كالبكا

ويبدو أن هذا الأمر لم يرق للمسؤولين، الذين أطلقوا مصطلحات التسكين والترضية مثل تحية تقدير وإعزاز للعاملين بالصحة، فقط كي تمر الأزمة وتعود بعدها الأمور كما كانت عليه، ولن يفيدهم هذا على المدى البعيد، بعد أن تجاهلوا إصدار تشريع وتنفيذه على أرض الواقع يعيد للأطباء وأعضاء المهن الطبية حقوقهم، وينصفهم ويحميهم ويرد لهم بعض الاعتبار.

والعجيب أن الدولة التي عجزت عن توفير وسائل الحماية للأطباء وأعضاء الفريق الصحي نجدها تتبرع بها إلى إيطاليا فلربما تخفي والأقنعة وجه الحقيقة في قضية ريجيني.

وكم ذا بمصر من المضحكات  ولكنه ضحك كالبكا.

إن الأطباء قد ضاعوا بين وزارة الصحة التي تحولت الوزيرة فيها إلى مديرة مكتب تنفذ التعليمات ولا تكترث بالاستغاثات التي صدرت من الأطباء والاستقالات التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تتحرك لتوفير سرير بقسم العناية الفائقة لطبيب أصيب بكورونا أثناء أداء واجبه، وتشغل نفسها بضرورة توفير سرير لإحدى الفنانات مما يستوجب محاسبتها قانونيا وبرلمانيا، وبين نقابة اطباء مصر التي التزمت الصمت واكتفت ببيانات نعي الأطباء وإعلان الحداد على موقعها على الشبكة العنكبوتية ولا عزاء للحقوق المشروعة للأطباء .

وربما يتساءل البعض: أين الأشاوس من صقور مجلس النقابة الذين دخلوها بعد 2013، أصحاب التصريحات  القوية أيام الحرية وأثناء ثورة يناير المجيدة  مطالبين بالكادر المالي وباقي الحقوق؟

هل تحولوا إلى حمائم وديعة وصاروا كالذي يقول للنظام "تسمح لي أعارض سيادتك يا باشا لو تكرمت؟".

أليس هذا الأداء النقابي ضعيف وهزيل بل ومتخاذل؟

ويرى البعض الآخر أن مجلس النقابة الحالي قد بذل أقصى ما يستطيع في ظل الهامش المسموح به من قبل سلطات الاستبداد، وفي ظل تأميم الاجهزة الأمنية في مصر للعمل النقابي ومؤسسات المجتمع المدني كلها. وبين هذا وذاك ضاعت حقوق أطباء مصر ومطالبهم.

 

الدستور ينص في مادته 18 على أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي.

في حين أنه من الناحية القانونية نجد حقوق الأطباء منصوصا عليها بوضوح في قوانين النقابة ولوائحها تفرض عليها حمايتهم، وقانون رقم ٥٤ لسنة ١٩٦٩ بشأن نقابة الأطباء التي تحميهم وتصون حقوقهم وترفع من قيمة المهنة الإنسانية والذي ينص في مادته رقم 2 بفقراتها المتعددة على:

تجنيد طاقات الأطباء ليؤدوا مهنتهم من أجل حل المشاكل الصحية للشعب والمشاركة مع جميع فئات العاملين في الخدمات الصحية لتنسيق الجهود من أجل كفايتهم وزيادة الإنتاج في الخدمات الصحية والعمل على رفع مستوى مهنة الطب وقائياً وعلاجياً وتطويرها بما يحقق للشعب أكبر قدر من الرعاية، والمشاركة في رسم التعليم الطبي وتطوير المناهج والتدريب الفني للأطباء على المستوى المركزي بالقاهرة والإقليمي بالمحافظات عن طريق النقابات الفرعية والارتفاع بالمستوى العلمي للأطباء.

والمشاركة فى رسم سياسة توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وتشجيع صناعة الأدوية الوطنية، والمساعدة في تهيئة فرص العمل لكل طبيب وتنظيم العلاقة بين الأطباء، وتنمية روح التعاون وتقوية الروابط بينهم، وتيسير الخدمات العلاجية والاجتماعية للأطباء وأسرهم والعمل على تهيئة الظروف المادية والمعنوية التي تصون مصالحهم وترفع مستواهم.

والدستور ينص في مادته 18 على أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي، وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي.

ووزارة الصحة تؤكد كل هذه الحقوق في عشرات القرارات الوزارية المتتالية.

ولكن يبدو أنه ل اتوجد إرادة سياسية حقيقية لإصلاح الأوضاع المقلوبة وإعادة الاعتبار للمهن الطبية بل تطور الوضع مؤخرا إلى تهديد الأطباء بالاعتقال والتعذيب والسجن والتشريد، فمن فرض الدستور لا يلتزم به أبدا، ومن تصدى للعمل النقابي لا يؤدي واجبه كما ينبغي.

لقد ضاع الأطباء بين طغيان من قال "اقعد انت مش عارف بتقول ايه" وبين ضعف من قال "تسمح لي يا باشا بالاعتراض".

آن الأوان لتصحيح وضع الأطباء والعاملين في مجال الصحة، ويجب على الأطباء أن يضغطوا على نقابتهم من أجل توفير بيئة عمل مناسبة والعمل على برامج علمية لإعدادهم لمواجهة هذه الجائحة وتبادل الخبرات مع الدول التي حققت نجاحا وتوفير علاج مناسب لهم ولأسرهم وحمايتهم من السلطات الحالية مع ضرورة تبني مشروع كادر مالي للأطباء والمهن الطبية.

وعلى من في دار الحكمة -مقر النقابة- أن يستجيبوا فورا لذلك ويؤدوا واجبهم النقابي والوطني بشجاعة.

وأمام النظام فرصة ليتحلى ببعض الحكمة ويحسن صورته خارجيا وداخليا ويستجيب لهذه المطالب العادلة، من أجل تحقيق مصلحة المواطنين وتوفير حق الخدمات الصحية للشعب وفقا للدستور الذي أقسم عليه.

إذًا أمام الجميع فرصة ذهبية لإصدار تشريع وتنفيذه لإنصاف العاملين في مجال الصحة، فهل سيقتنصون الفرصة أم ما زلنا في زمن الفرص الضائعة؟

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة