مقالات

آيا صوفيا والصراع على الرموز | الدين والفن والهوية

تحويل متحف «آيا صوفيا» لمسجد من جديد
تحويل متحف «آيا صوفيا» لمسجد من جديد

أثار قرار إعادة متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد كثيرًا من الجدل، وقد أخذ القرار التركي أبعادًا ومسارات متعددة؛ لخصوصية المكان أولًا، وللسياق السياسي الحالي والموقف من الفاعلين فيه ثانيًا.

 

تنوعت ردود الفعل بين سياسية ودينية وشعبية، لكن بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الذي تمثل في مناكفة الإعلام المصري والإماراتي للرئيس التركي من جهة، وفي تعليقات الإسلاميين الحزبيين والإسلاميين السابقين من جهة أخرى، فإن هذا المقال هو محاولة لفهم ما يجري بمعزل عن الانفعالات السياسية، والفهم هنا يستلزم النظر من جهتين: المنظور التاريخي السياسي، والمنظور الفقهي القانوني.

لكن السؤال الذي لا نكاد نعثر له على إجابة هو: ما ملابسات تحويله إلى متحف؟ ولماذا يتعامل بعضهم مع قرار جَعْله متحفًا كما لو كان هو الأصل الذي جَبَّ إرث قرون سابقة؟

يحاجج هذا المقال لإثبات أن المسألة أعقد من المماحكات والاستثمار السياسي الآني؛ فالقرار حلقة ضمن مسار طويل يعكس تحولات الهوية التركية الحديثة والصراع على كيفية تعريفها (علمانية أو إسلامية) وعلى تصوراتها للتحديث، كما يرتبط أيضًا بعلاقة تركيا بأوروبا؛ أي: إن القرار ليس حدثًا سياسيًّا شخصيًّا أو عابرًا، وإن كان هذا –كأي حدث– يمكن استثماره سياسيًّا من قِبل أطراف عدة لا من طرف واحد.

 

يمثل مبنى آيا صوفيا بتاريخه المديد -نحو 1500 عام- تراثًا متنوِّعًا، فقد بناه الإمبراطور الروماني جستينيان الأول بين عامي (532-537م)، وعُدّ الكاتدرائية الأبرز في العالم المسيحي، ثم حوله السلطان محمد الفاتح عام 1453 إلى مسجد بعد فتح القسطنطينية، ثم تحول في عهد مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف سنة 1935.

نظرًا لهذه التعقيدات سنجد أن كل طرف يركز على جانب واحد منه فقط، فثمة من لا يرى فيه إلا أصله على أنه كنيسة (بقي كذلك لنحو 900 سنة)، ومَن لا يرى إلا أنه كان مسجدًا (بقي كذلك لنحو 500 سنة)، وآخرون لا يرون إلا أنه متحف (بقي كذلك لنحو 85 سنة).

 

هذه التعقيدات تبدو ملائمة للمناكفات السياسية الجارية؛ لكن السؤال الذي لا نكاد نعثر له على إجابة هو: ما ملابسات تحويله إلى متحف؟ ولماذا يتعامل بعضهم مع قرار جَعْله متحفًا كما لو كان هو الأصل الذي جَبَّ إرث قرون سابقة؟

 

تكمن أهمية المبنى في تاريخه ورمزيته؛ فمن جهة يختزن الإرث البيزنطي والتركي، ومن جهة أخرى يرمز للصراع بين المسيحية والإسلام، ومن ثم فلا يمكن فصل أي جدل حول المبنى عن هذه الرمزية الثرية التي لم تفارقه؛ سواء في لحظة بنائه أم حين حُوِّل إلى مسجد أم حين حُوِّل إلى متحف والآن حين يعاد مسجدًا؛ أي: إن الصراع الرمزي لا ينفك عنه، وردود الفعل الغربية -وخاصة المسيحية- تعبّر عن ذلك بوضوح، وإلا فلماذا يكون تحويل متحف إلى مسجد "عودة إلى العصور الوسطى" (بتعبير الكنيسة الأرثوذكسية الروسية)، أو "انتهاكًا غير مقبول لحرية الدين" (بتعبير الأسقف الروسي ميتروبوليت إلاريون)، أو "تمزيقًا للشرق والغرب" (بتعبير البطريرك المسكوني بارثولوميو)؟

 

فهذه التصريحات لا ترى في المبنى إلا كنيسة سيتم تحويلها إلى مسجد، رغم أن المبنى لم يعد كنيسة منذ نحو 6 قرون، وفي المقابل تصر فئة أخرى على إبقائه متحفًا؛ لأنها لا ترى في الأمر إلا رجعية دينية يمثلها الحزب الإسلامي الحاكم، وهي تتبنى مفهومًا حديثًا للفن والسياحة.

لم تُسَمَّ الكنيسة باسم قديسة معينة، فآيا صوفيا تعني الحكمة المقدسة أو العقل الخلاق أو الحكمة الإلهية، وتمثِّل الفن المعماري البيزنطي الذي تمتزج فيه -لأول مرة- العناصر اليونانية والرومانية والشرقية والمسيحية، وقد صُمِّم ليكون عاصمة مُلك جستينيان المتفردة وأجمل من روما، وفي مشهد معبر يتقدم جستينيان نحو المنبر رافعًا يديه داعيًا: "المجد لله الذي رآني خليقًا بأن أتم هذا العمل الجليل. أي سليمان! لقد انتصرتُ عليك".

 

ويحدثنا المؤرخ ويل ديورانت أن مؤرخ العالم الغربي القديم بروكبيوس القيسراني (ت 560م) تحدّث عن آيا صوفيا فقال: "إذا دخل الإنسان هذه الكنيسة للصلاة أحس بأنها ليست من أعمال القوى البشرية… ذلك أن الروح ترقى إلى السماء وتدرك أن الله هنا قريب منها".

كل المباني يجب أن تصان لتكون غنيمة ينظمها السلطان"، وهو ما يتطابق تمامًا مع الرؤية الفقهية، وخاصة المذهب الحنفي الذي كان معمولًا به في الدولة العثمانية

إسلاميًّا يميز الفقهاء المسلمون بين البلاد التي فُتحت صُلحًا وتلك التي فُتحت عنوة (أي حربًا)، وقد اختلفوا في الأراضي والأبنية التي صادفها المسلمون بعد فتح البلدان عنوة، وثمة ثلاثة أقوال؛ الأول: إنها تصير وَقْفًا بمجرد الاستيلاء عليها، وهو مذهب الإمام مالك كما حكاه أبو بكر الطرطوشي (ت 520 للهجرة). وقال ابن رشد الجد (ت 520 للهجرة): "جميعها فَيْءٌ لله على المسلمين: الكنائسُ وغيرها". والثاني: إن للإمام (الخليفة أو السلطان) قسمتها كسائر غنائم الحرب، والثالث: إن الإمام مُخَير في ذلك، وهو مذهب الحنفية كما حكاه ابن أبي العز (ت 792 للهجرة)؛ لكن حكى الإمام شهاب الدين القرافي (ت 684 للهجرة) أن القواعد المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاءُ حاكمٍ تَعين القول به وارتفع الخلاف.

 

ومعنى ذلك أن ما فعله السلطان محمد الفاتح (ت 886 للهجرة) في آيا صوفيا حين حولها إلى مسجد وَقَفَه على المسلمين هو موافق للفقه الإسلامي تمامًا، وقد كتب الفاتح نصًا طويلًا يوضح وقفيَّته هذ (النسخة الخطية التي بين يدي تقع في 176 صفحة)، والوقف الإسلامي له تقييدات وشروط عالية تجعل من نص الواقف كنص الشارع لجهة الإلزام وعدم الاجتهاد في تغييره، ومن ثم فلا معنى لاختراع واقعة لا تَثبُت (وهي أنه اشترى المبنى من ماله الخاص)؛ فأسباب الملكية في العالم القديم لم تكن قاصرة على الشراء فقط، وهذا ما جرى عليه العمل في العالم القديم وأُقِرَّ في العالم الحديث بحيث باتت كل دولة تمارس السيادة على ما تحت يدها، بغض النظر عن تاريخ الحروب السابقة زمن الإمبراطوريات.

ويحكي ويل ديورانت أن السلطان الفاتح أعلن أن "كل المباني يجب أن تصان لتكون غنيمة ينظمها السلطان"، وهو ما يتطابق تمامًا مع الرؤية الفقهية، وخاصة المذهب الحنفي الذي كان معمولًا به في الدولة العثمانية.

وحينما نتحدث عن "جامع آيا صوفيا" الذي عُمِّر نحو خمسة قرون وعن مدرسة أُلحقت به، فإننا نتحدث عن ذاكرة إسلامية ثرية، ويمكن أن نجد شذرات من هذا التاريخ في بعض كتب التراجم، حيث نقف على أسماء بعض من وعظ وخطب وقرأ العلمَ في آيا صوفيا، فممن وعظ فيه الإمام محيي الدين محمد النكساري الرّومي الحنفي الذي كان يذكّر الناس كل جمعة: تارة بآيا صوفيا وتارة بجامع السّلطان محمد، وقد ختم تفسير القرآن في آيا صوفيا قبيل وفاته سنة 901 للهجرة، والشيخ عبد الأحد النُّوري الزّيلي (ت 1061 للهجرة) الذي استمر واعظًا فيها إلى وفاته، وغيرهما. ويذكر المحبي واقعة يشير فيها إلى أن أحمد بن النعيمي الدمشقي كان "خطيب آيا صوفيا"، وممن درّس فيها: الفقيه الحنفي الشيخ مُلا خسرو (ت 885 للهجرة) الذي وُلِّي القضاء بالقسطنطينية ثم صار مفتيًا بالتخت السلطاني.

وقد بقيت آيا صوفيا مسجدًا ومدرسة حتى عام 1931، وقد قال عنها المؤرخ التونسي محمود مقديش (ت 1813): "ولا زالت محلًا للعبادة وسببًا للحسنى وزيادة، ومقرّ عزٍّ وسعادة".

ولكن كيف تحولت آيا صوفيا إلى متحف؟ أدى توماس وايتمور (Thomas Whittemore) مؤسِّس المعهد البيزنطي في أمريكا Byzantine Institute  of America) دورًا مهمًا في علمنة المبنى؛ فقد كان مشتغِلًا بالفن والتاريخ البيزنطيين، وفي 1931 حصل على إذن مصطفى كمال أتاتورك لترميم جامع آيا صوفيا، ويبدو من بعض الكتابات أن توماس كان شخصية ديبلوماسية وقريبًا من أتاتورك، وكان عضوًا في الدوائر الثرية والمؤثرة في بوسطن في النصف الأول من القرن العشرين، وكان ممن دعموا إحياء الكنائس البيزنطية، وقد أشار قاموس مؤرِّخي الفن (The Dictionary of Art Historians) أن توماس كان يقضي فترة الشتاء في أمريكا يجمع الأموال لدعم مشروعه الذي يؤكد على "طبيعته المسيحية".

وقد جرى التفكير في تحويل جامع آيا صوفيا إلى متحف لأول مرة بعد تدخل توماس وأثناء فترة الترميم التي دامت أربع سنوات، وكان قد حصل على إذن بإزاحة الجص من على الرسومات البيزنطي داخل المبنى، والتي كانت قد سُترت بعد دخول المسلمين، وهو ما وصفه ديورانت بقوله: "جرى التطهير المناسب فأزيلت عنها كل الأمارات المسيحية، وطُليت فسيفساؤها بالبياض، ونُسي ما كان عليها خمسمئة سنة".

وفي تقديري أن الكشف عن هذه الرسوم البيزنطية المهمة كان المدخلَ لتحويل الجامع إلى متحف حتى يتسنى إبقاؤها مكشوفة لتلبي الفكرة النموذجية للسياحة.

وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1934 أعلن مجلس وزراء جمهورية تركيا الحديثة أنه يجب علمنة جامع آيا صوفيا وتحويله إلى متحف؛ لأهميته التاريخية بوصفه معمارًا فنيًّا فريدًا، ونافذة معرفية جديدة للبشرية، ويبدو أن وزير التربية عابدين أوزمن (Abidin Özmen) كان قد أدى دورًا مهمًّا في هذا؛ حيث وجدوا في فكرة المتحف فعلًا ثقافيًّا وحياديًّا في الآن نفسه، ومع ذلك لم يكن القرار ليمر دون ضجة؛ بل طُرحت تساؤلات حول صحة التوقيع على القرار، لكن ما لبث أن هدأ الجدل واستقر الأمر على كونه متحفًا.

 

آيا صوفيا التي نراها اليوم تحمل آثار التدخلات التي طرأت على المبنى وما حوله منذ التنظيمات العثمانية أوخر القرن التاسع عشر، حيث جرى إزالة بعض المباني المحيطة بها لخلق فضاء يُتيح رؤية المبنى كاملاً

على صعيد آخر، يبدو أن فكرة المتحف هدأت من توتر بعض الغربيين تجاه المبنى، فمنذ تحويل آيا صوفيا إلى مسجد أراد اليونان "استرداد" كنيستهم (بالتعبير اللاهوتي)، وكان ثَمة مطالبات بذلك بعد الحرب العالمية الأولى في الدول الأنجلو ساكسونية، وكان من أشد المدافعين عن الاستعادة اللورد جورج كورزون وزير الخارجية البريطاني (بين عامي 1919 و1924).

فعلمنة المبنى جعلت منه مجرد "ذاكرة تاريخية" (لا مسجدًا ولا كنيسة)، وكونه متحفًا يعني أنه أُخرِج من واقع الحياة الحالية وأصبح جزءًا من منظومة السياحة والتاريخ المشترك وفق التصور الأوروبي الحديث.

على الجانب التركي، كان أتاتورك يسعى لبناء دولة قومية حديثة على النمط الأوروبي، ومن ثم كان بحاجة إلى تأسيس تاريخ مشترك يجسد الفكرة القومية، وربما وجد في تحويل المبنى إلى متحف وسيلة ملائمة لتعزيز عظمة الأمة التركية وتاريخها من جهة، ولإيجاد روافد أخرى -بيزنطية- لتعزيز هذا التاريخ وللحصول على اعتراف أوروبي بحداثة دولته الناشئة أيضًا (لنتذكر أن بعض التحديثيين في مصر لجؤوا إلى تاريخ الفراعنة مثلاً)

لكن آيا صوفيا التي نراها اليوم تحمل آثار التدخلات التي طرأت على المبنى وما حوله منذ التنظيمات العثمانية أوخر القرن التاسع عشر، حيث جرى إزالة بعض المباني المحيطة بها لخلق فضاء يُتيح رؤية المبنى كاملاً؛ امتثالاً لمعايير السياحة الأوروبية، ثم تم بعد ذلك تجريد الجزء الداخلي من المبنى من بعض العناصر الإسلامية التي أُدخلت فيه خلال الحقبة العثمانية في إطار استعادة الموروث البيزنطي، ويمكن الوقوف على تاريخ هذه التطورات الحديثة من خلال كتابات روبرت نيلسون (Robert Nelson) مثلاً.

وهكذا تمت علمنة آيا صوفيا في سياق الاهتمام المتزايد بالتاريخ البيزنطي من جهة، وفي سياق التحديث الكمالي في تركيا والسعي لبناء هوية قومية يرفدها التاريخ البيزنطي والعثماني معًا، ومن اللافت أن برنارد برناردز (Bernard Bernards) توقّع في 2013 أنه إذا قوي الاتجاه المناهض للعلمانية في تركيا، فليس من المستبعد أن يتحوّل آيا صوفيا مرة أخرى إلى مسجد مع طبقة أخرى من الذكريات المرتبطة به، وذلك في مقال علمي قدّمه في تاريخ الفن في جامعة رادبود نيميجن في هولندا، وكان ثمة معطيات تشير إلى ذلك؛ ففي السنة نفسها عبَّر بولينت أرينك نائب رئيس الحكومة التركية عن رغبته في إعادة فتح آيا صوفيا كمسجد، وهي مطالبة ورغبة تم الإلحاح عليها فيما بعد.

يشير هذا السياق التاريخي المديد إلى مكونين مركزيين: الرمزية الدينية والتاريخية، وأيديولوجيا السلطة الحاكمة التي كان لها باستمرار دورٌ في التبدلات التي أصابت "وظيفة المبنى" (كنيسة، مسجد، متحف، مسجد)، ومن ثم فلا أتوقع أن يُفضَّ الإشكال والتوتر القائم، فالقرار الحالي يأتي في سياق الوجه الجديد لتركيا التي تريد أن تستعيد تاريخها السابق على العلمنة، وهو ما يضعنا في قلب الاستقطابات المعادية لأردوغان والإسلاميين عامة، فيتحول القرار إلى مجرد أداة جديدة للصراع؛ رغم أن سياق تحويله إلى متحف كان كذلك؛ بل إن الصورة تبدو أوضح حين نستحضر مباني آيا صوفيا الأخرى التي جرى تحويلها إلى متاحف ثم تمت استعادتها بوصفها مساجد.

يقدم لنا بينار آيقاتش (Pınar Aykaç) دراسة لافتة تحت عنوان "الطعن في الماضي البيزنطي: أربعة مبان لآيا صوفيا والمعارك الأيديولوجية حول ترميم العمارة في تركيا". ففي (Vize) قرقلر إيلي التي استولى عليها العثمانيون بين عامي 1368-1369، تم تحويل آيا صوفيا إلى مسجد سليمان باشا، وكانت هناك محاولات لإرسال بعثات أوروبية لترميمه ونشب نزاع بين مديرية المؤسسات التي تولت شؤون الأوقاف بعد إنشاء الجمهورية التركية من جهة، ووزارة الثقافة من جهة أخرى، وفي 2007 تم افتتاح المبنى كمسجد مجددًا.

 

أن تقدم نمطًا تحديثيًّا معيّنًا حيث تُحيِّد الحاضر وتنقلنا إلى ذاكرة محنطة هي التاريخ، وتلبي معايير السياحة الحديثة؛ لكنها ليست قادرة على إزالة التوترات الدينية والتاريخية التي تنعشها هذه الذاكرة نفسها

وفي إزنيق (عاصمة سلاجقة الروم في إمبراطورية نيقيا وتتبع لبورصة الآن) كان السطان أورهان غازي قد حول آيا صوفيا إلى مسجد سنة 1330، وكان لوزير التربية التركي المشار إليه سابقًا دور أيضًا في ترميم النصب التذكاري فيها ما بين عامي 1933-1934، ومنذ الثمانينيات شهد هذا الموقع جدلًا ومطالبات بتخصيصه للمناسبات الدينية المسيحية، ورُفعت بشأنه قضايا قضائية، لكن صدر القرار في 2011 بإعادته إلى مسجد.

وفي طرابزون التي شكّلت استثناء حيث ظل يعمل بوصفه كنيسة لقرون منذ سيطرة العثمانيين على إمبراطورية طرابزون سنة 1461، وظل كذلك حتى 1952 حيث تم تحويله إلى متحف؛ لكن في 2012 تم تحويله إلى مسجد بقرار قضائي بعد دعاوى بين وزارة الثقافة والسياحة ومديرية المؤسسات.

يمكن لعلمنة الأماكن الدينية المتمثلة في فكرة "المتحف" أن تقدم نمطًا تحديثيًّا معيّنًا حيث تُحيِّد الحاضر وتنقلنا إلى ذاكرة محنطة هي التاريخ، وتلبي معايير السياحة الحديثة؛ لكنها ليست قادرة على إزالة التوترات الدينية والتاريخية التي تنعشها هذه الذاكرة نفسها، والتي تتغذى عليها آمال وآلام، لذلك فقد طرحت بعض الدراسات المعاصرة مفهومًا جديدًا أسمته (Spatial Turn) وهو توجّه يولي المكان أهمية خاصة، فالأماكن المقدسة تكتسب أهمية خاصة في تطوير فضائل أخلاقية كالتعايش أو التعددية الدينية، وهي فضاءات يُطلق عليها فضاءات ما بعد العلمانية (Post-Secular Societies) ويتم فيها تعزيز فضائل التضامن والتعايش، وقد اقترح ماسيمو روزاتي (Massimo Rosati) أن تكون آيا صوفيا نموذجًا لهذا النمط؛ لأنها ليست مجرد تراث إنساني معماري؛ بل هي رمز ديني مركزي لدى المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين معًا. ولكن التحدي الأبرز الذي يواجه تحويل المتحف إلى مسجد -في رأيي- يتمثّل في كيفية التعامل مع الرسوم البيزنطية والتصاوير الداخلية التي دفعت باتجاه جَعْله متحفًا سياحيًّا، وهي لا تتلاءم مع مفهوم ووظيفة المسجد، كذلك في حدود الحرية التي ستُمنح للزائرين المسيحيين مستقبلاً.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة