مقالات

هل الوباء رحمة للمؤمنين وعذابٌ على غيرهم؟

 

تُثير أحاديث الطاعون -وهي كثيرة- أسئلة عديدة اليوم، لأن السحر والغموض الذي أحاط بالوباء (والطاعون من الأوبئة) قد نُزع؛ بفضل التقدم الطبي الذي يقدم لنا معلومات تفصيلية تزداد دقة مع الزمن. فالعلم التجريبي ذو طبيعة كشفية، وكلما تقدمنا في البحث انحسرت مساحة المجهول والغامض. وإذا ما قارنا بين التفسيرات العلمية والتفسيرات الدينية، نجد أن التفسيرات العلمية تجريبية ومتطورة، في حين أن التفسيرات النصية (الحديثية هنا) تخضع لمسألتين: النقد النصي لجهة ثبوت الرواية إسنادًا ودقتها متنًا، وما إذا كانت من كلام النبوة فعلا. والتأويل الذي يبحث في المراد من هذه الروايات وما إذا كانت تعبر عن مضمون ديني أو دنيوي (وحي أو خبرة بشرية؟).

كيف يكون الوباء (والأوبئة تَعُم الجميع) رحمةً للمؤمن وعذابًا للكافر؟ هل يحيل هذا إلى ازدواجية في المعايير؟ أم أن الإيمان والكفر يكفيان لتسويغ هذا التباين والاختلاف؟

تقدم أحاديث عدة في الصحيحين (البخاري ومسلم) وغيرهما فكرتين: الأولى: أن الطاعون (أو السقم أو الوجع) عذابٌ عُذب به بعض الأمم قبلكم (وفي بعضها أنها عذاب على الكافر)، والثانية: أنه رحمة للمؤمن (أو المسلم) وشهادة أيضًا. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرني "أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين. ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا؛ يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثلُ أجر شهيد".

فهذا الحديث يعيدنا إلى مسألتين: أولاهما كلامية تتصل بالتفسير الديني للطاعون وأنه فعلٌ إلهيٌّ يسير نحو غاية (عذاب أو رحمة)، مما يجعل من انحسار الأوبئة (وقد كانت تتواتر تاريخيًّا) مسألةً مُشكلة هنا؛ لأنها قد تعني نسخ تلك التفسيرات أو تَوَقف هذه الوسائل عن أن تكون من باب العقوبة لتبقى محض حوادث كونية لها أسباب علمية تجريبية يمكن معرفتها ومعالجتها. وقد عالجتُ طرفًا من هذه المسألة في مقال سابق بعنوان "الوباء ووخز الجن".

والمسألة الثانية التي يثيرها الحديث هي مسألة أخلاقية؛ إذ كيف يكون الوباء (والأوبئة تَعُم الجميع) رحمةً للمؤمن وعذابًا للكافر؟ هل يحيل هذا إلى ازدواجية في المعايير؟ أم أن الإيمان والكفر يكفيان لتسويغ هذا التباين والاختلاف؟ بل ربما دفعت إلى القول: إن الكافر اليوم هو الذي يقوم أصالةً بنزع السحر عن الأوبئة مما يؤدي إلى انحسار فكرة العذاب والرحمة أيضًا!

وهذا النوع من الاستشكال حديثٌ؛ إذ إن بعض شُراح الحديث انصرفوا إلى بحث الإشكالات الدينية (الإيمانية) المرتبطة بمفهوم الشهادة وشروطها، وكيفية التوفيق بين الروايات المختلفة في هذا السياق، وتفسير ألفاظ الروايات، وهي عناصر تعكس منظور المحدّث الشارح وطريقته في تحليل النصوص. فهذه الأحاديث تثبت تفسيرًا دينيًّا للطاعون، ومن ثم يبدأ شُرَّاح الحديث في بناء التفاصيل المترتبة على ذلك الاعتقاد وحل الإشكالات الواردة من قبيل: كيف يقع الطاعون بسبب المعاصي ومع ذلك يكون شهادة؟ هل تشمل الشهادة أيضًا العاصي (مرتكب الكبائر المصرّ عليها وقت وقوع الوباء)؟ وهي استشكالاتٌ تهدف إلى بناء تصور متماسك يؤلف بين مختلف الروايات الواردة في الموضوع.

والاستشكالُ من صميم العلم نفسه بل هو لُبه، وهو يعكس روح كل عصر ويزداد كلما اتسع العلم وتراكمت المعلومات. ولكن بعض شراح اليوم حين يحبسون أنفسهم في استشكالات السابقين يعزلون أنفسهم عن روح عصرهم. فالمعاصَرَة لا تعني التضحية بالموروث والبدء من جديد أو الانتقال إلى موروث أمة أخرى، بل تتحقق من خلال منهجية التعامل مع التراث، وكيفية فهمه، ونوع الاستشكالات التي نطرحها عليه؛ لحفظ استمرارية المعرفة والمساهمة النقدية فيها والإضافة إليها وتطويرها.

ويمكن أن نوضح الفرق بين استشكالات شراح الحديث والاستشكال الذي يطرحه هذا المقال، من خلال ثنائية الديني والأخلاقي، ونعني بالديني هنا المسائل الإيمانية (التعبدية والعقدية) التي لا تنطوي على بعد معياري أو تقويمي. أما الأخلاقي فيتصل بالمعياري ومبحث التقويمات والتعليل الأخلاقي. فالحديث عن وجود ازدواجية في المعايير مثلاً يضعنا في مواجهة مع قيمة العدل الإلهي. وقد يُطلق الديني أيضًا على العلاقة الخاصة بين العبد وربه تحديدًا (قد يسمى الأخلاق الدينية) في مقابل العلاقة بين العبد والآخرين (يسمى الأخلاق الاجتماعية)، والفارق هنا أن الأولى مرجعها الضمير الفردي، والثانية لا بد فيها من تشريعات منضبطة وظاهرة.

ولمعالجة الإشكال الأخلاقي المطروح هنا (كيف يكون رحمة وعذابًا في آن؟)، سنقوم بالتمييز بين الوصفي والمعياري الذي سيقودنا إلى التمييز بين: الدنيوي والأخروي، وبين الفعل والانفعال، وكلاهما يتصل بحقل الأخلاق من جهة، وبالعدل الإلهي وموازينه من جهة أخرى.

الشهادة والرحمة من ثمار هذا العذاب الدنيوي والابتلاء الذي يصيب الناس ويؤثر في حيواتهم كلٌّ بحسبه، وأنه يدور على معتقداتهم وتصوراتهم عن إرادة الله وقدره من جهة، وأمره ونهيه من جهة أخرى. فالحديث عن العذاب والرحمة لا يُحيل إلى ذات الوباء أو الفيروس، وإنما يحيل إلى الآثار المترتبة عليه في الآخرة فقط

يتصل الطاعون (والأوبئة عامة) بمستويين: الأول وصفي والثاني معياري. فالوصفي مسألة تجريبية؛ لجهة كونها مرضًا وإمكان قياس الأضرار المادية والنفسية المترتبة عليها. فلا شك في أن الطاعون -مثلاً- يعذّب جسد المصاب به، وأنه من أشد النوازل والمصائب التي تنزل بالإنسان والمجتمعات، وأضراره ظاهرة وعامة وإن تفاوتت في الدرجة. نعلم ذلك من جهة الطب ومن جهة التجربة التاريخية أيضًا، كما نعلم الآن من خلال وباء كورونا أن التأثير قد لا يكون واحدًا على كل جسد يصاب بالفيروس؛ لتفسيرات مختلفة تتصل بتحولات الفيروس نفسه أو بطبيعة جسد المصاب أو نوع العلاج الذي يخضع له، أي أنه نتاج تفاعلات متعددة مفهومة ومعقولة أو يمكن فهمها على الأقل ولها أدواتها العلمية، رغم أن كل ذلك لا يتم بمعزل عن قدر الله في خلقه الذي لا نعرفه إلا بعد وقوعه، أما قبل وقوعه فإننا نقارعه بقدر مثله.

وإذا ما انتقلنا من الوصفي إلى المعياري المنوط بالتقويمات، نجد أن (الشهادة والرحمة) من ثمار هذا العذاب الدنيوي والابتلاء الذي يصيب الناس ويؤثر في حيواتهم كلٌّ بحسبه، وأنه يدور على معتقداتهم وتصوراتهم عن إرادة الله وقدره من جهة، وأمره ونهيه من جهة أخرى. فالحديث عن العذاب والرحمة لا يُحيل إلى ذات الوباء أو الفيروس، وإنما يحيل إلى الآثار المترتبة عليه في الآخرة فقط، ومن ثم فإننا حينما نتحدث عن انحسار الوباء أو انتشاره إنما نتحدث عن (أسباب) الرحمة والعذاب، وهي أسباب متنوعة، ومركبة، فالأسباب المادية لها منطقها وسننها ومعرفتنا بها متبدلة ومتطورة، والأسباب الدينية غامضة وعامة ولا يمكن الوقوف عليها بدقة وتفصيل، ولكن الفرد يعرفها من نفسه ومن سلوكه، ولكن لا يقال لمن ابتُلي بشيء إنه عقاب إلهي لأنه تَقَول على الله؛ فلا نملك من المعرفة ما يخول لنا ذلك، وكل امرئ أعرف بنفسه.

وإذا ما مشينا على الأسباب المادية السننية لا نجد تَنَافيًا بين كون الوباء سببًا للرحمة أو العذاب، وبين السعي للوقاية منه أو دفعه؛ فالمرء لا يستطيع أن يخرج من سنن الله في كونه، فهو لا يفتأ يتحرك بين قَدَر واقع أو متوقع. فالقدر الواقع مفاجئ (كفيروس كورونا)، فالإنسان يخوض تجربته معه، وهي تجربة مليئة بالتفاصيل والخبرات الجديدة والكاشفة. والقدر المتوقع يمكن تجنبه وتخفيف مخاطره بفعل قدرة العلم على التنبؤ (كالمعرفة المسبقة بالزلازل والأعاصير وغيرها). وهذا يعني أن نميز في القدر الإلهي بين مستويين: مستوى كلي علمه المحيط به عند الله تعالى  وحده، ومستوى جزئي يبقى ينطبق عليه قانون (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً). وفي رحلة المعرفة الإنسانية الطويلة والشاقة لا يفتأ قدر الله تعالى يتكشف لنا جزئيًّا فقط؛ نظرًا لنسبية ومحدودية المعرفة، ولكن تبقى أفعال وتقويمات البشر مقيدة بحدود معارفهم، وعليهم أن يتصرفوا وفق هذه المعرفة نفسها.

وقد استشكل بعض الفقهاء كون الطاعون شهادة والدعاء برفعه، فكيف يُدعى بدفع الشهادة؟ وهو استشكال ناتج عن تصورهم لقدر الله، ووظيفة الدعاء، ولكن تقدم الطب توصل إلى رفع الطاعون جملة؛ بمعرفة أسبابه وصناعة اللقاح المضاد له، أي أن قدر الله متحرك بالنظر إلى نسبية المعرفة وتقدمها، كما أن النظر الديني نفسه يمكن أن يكون أكثر تركيبًا من الثنائية البسيطة التي ترى ثم تعارضًا بين كون الطاعون شهادة وبين الدعاء برفعه. فأسباب الشهادة متنوعة، ومع ذلك لا تُطلب هذه الأسباب لتحصيل الشهادة، فالموت في المعركة شهادة ولكن ليس معنى ذلك السعى والحرص على خوض المعارك، بل ثبت سؤال الله العافية الكامنة في تجنب القتال، وهكذا يقال في باقي أسباب الشهادة. أي أن النظر هنا مركّب نميز فيه بين السبب والأثر، وبين الوصفي والمعياري، ونقف فيه على التفاعل بين الديني والعلمي الذي يكشف عن حركية قدر الله تعالى بالنظر إلى التاريخ الكلي، في حين أنه بالنظر إلى التاريخ المعين بفرد أو مجتمع أو حقبة زمنية محددة هو قدر ثابت.

يبقى أن وظيفة القدر هنا مرتبطة بالفرد (في معتقده وعمله)، وبالتكليف الذي يخاطب الأفراد أصالة، أي أن النظر الفردي سيقف عند حدود القدر الثابت بالنسبة له؛ إذ يُقر أمامه بحدود معرفته، وبعجز إرادته بعد أن استنفد أسبابه، ويُسلّم للفاعل الحقيقي الذي لا يحدث شيء في كونه إلا بإرادته وفعله. وهنا يظهر أثر الإيمان بالقدر على فعل الفرد وقناعاته، بالتذكر، والفضائل التي تبرز في صفحة نفسه (كالصبر والرضا والشكر) بحيث يُحدث فعلاً ظاهرًا وباطنًا عند كل فعل كوني، فهو يتقلب بين الخلق الإلهي والأمر الإلهي عبدًا لله سبحانه.

هكذا يُحيلنا المعياري إلى حقل الأخلاق، فالرحمة والعذاب تفرض السؤال عن الأسباب، وتعيدنا إلى أصل الإشكال المطروح في هذا المقال عن العدل الإلهي ومعاييره. فالرحمة والشهادة منوطة بأفعال الإنسان وتصوراته عن الفعل الإلهي والأمر الإلهي. ولتوضيح ذلك يمكن أن نميز هنا بين مسألتين:

المسألة الأولى تتعلق بالتمييز بين الدنيوي والأخروي، فالأجر والثواب مسألة أخروية (إيمانية)، ومن ثم فهي تختص بالمؤمن الذي يرجو ذلك فعلاً، وهذا يشمل كل أنواع الابتلاء في الدنيا (ومنها الأمراض). ولأنها جزء من نظام الإيمان فهي مرتبطة بمفهوم "الكفارات"، أي الأسباب التي تكفّر أخطاء المؤمن في حق الله تعالى، ويتحصل بها الأجر والثواب أو تُحَط بها الخطايا والأوزار إلا التبعات المتعلقة بحقوق الآدميين فالأمر فيها راجع إليهم أنفسهم. وهذا باب واسعٌ، وفيه أدبيات عديدة تسمى (الأمراض والكفارات).

والمسألة الثانية تتعلق بتصرفات الإنسان أثناء الابتلاء، وذلك أن الأجر والثواب منوط بفعل الإنسان أو انفعاله (ويعبر المتصوفة عن الانفعال بالحال)، أو ثنائية الظاهر والباطن. وإذا كان الفعل يضعنا في صلب الأخلاق المعيارية التي تتناول الفعل، فإن الانفعال يأخذنا إلى أخلاق الفضيلة التي تتناول الفاعل نفسه وفضائله الباطنة.

ففيما يخص الأفعال فهي تحيل إلى الأفعال الظاهرة ويمكن أن نميز فيها بين نوعين: أفعال الخلق وأفعال الأمر.

أما أفعال الخَلْق (نسميه الفعل العلمي)، فهي فعل الله القدري الذي يجري على سنن يمكن فهمها والتعامل معها بعد فهم سننها ومنطق حركتها (والأوبئة من هذا الباب). فهذا الفعل القدري له أسباب وقوانين علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهي تنتشر وتنحسر بحسب القدرة على معرفة سننها وتسخيرها، وتتأثر بأفعال الإنسان في التسبب بها أو انحسارها (تدخلات الإنسان في الكون وعواقبها خيرًا أو شرًّا). أي أننا نتعامل مع أسباب متغيرة لها قوانينها ومنطقها، وينشأ عن تفاعل هذه القوانين مع تدخل الإنسان في الكون نتائج متنوعة. فالأوبئة تبقى عذابًا على الجميع -حين تقع- ما لم يعملوا على فهمها وكشف قوانينها، فإذا ما كشفوا قوانينها نزلت بهم رحمة العافية منها، وهنا لا فرق بين الفيروس المصنّع والفيروس الناشئ عن سببٍ ما يمكن استكشافه. وأفعال الخَلق تندرج ضمن الأمر المطلق بالسير في الأرض (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)، أي أنه أمرٌ بالكشف عن سنن الله في الخلق للتعامل معها، وأن التدخل البشري غير الحكيم في الكون سترتد عاقبته على البشر أنفسهم.

العبد يتقلّب بين خلق إلهي يصبر عليه إذا ما وقع، وأمر إلهي يمتثله أو نهي يجتنبه، وهذا يضعنا في صلب أخلاق الفضيلة التي ينشغل بها عادة المتصوفة والفلاسفة، ومنها فضيلة الصبر على البلاء إذا ما وقع وعدم الجَزَع منه

أما أفعال الأمر فهي محط النظر المعياري أصالةً (الوصف بالحسن والقبح والخير والشر)، وهي جملة الأفعال الفردية التقويمية التي تدور على صيانة النفس وكيفية التعامل مع الآخرين وغير ذلك (ويتداخل فيها الفعل الديني والفعل الأخلاقي).

وفيما يخص الانفعال، فهو يحيل إلى أفعال الباطن (كالصبر والرضا والشكر)؛ لأن العبد يتقلب بين خلق إلهي يصبر عليه إذا ما وقع، وأمر إلهي يمتثله أو نهي يجتنبه، وهذا يضعنا في صلب أخلاق الفضيلة التي ينشغل بها عادة المتصوفة والفلاسفة، ومنها فضيلة الصبر على البلاء إذا ما وقع وعدم الجَزَع منه؛ لأن الأحوال النفسانية لا تؤثر فقط في سلوك الإنسان وإنما تؤثر أيضًا في تعبده لله وهي مظاهر كاشفة عن أخلاق نفسه.

ويقع النقاش هنا فيما إذا كان مجرد وقوع البلاء كافيًا لتحصيل الثواب الأخروي أم لا بد من التحقق بفضيلتي الصبر والرضا حتى يُثاب. فالحافظ ابن حجر (ت 852هـ) ذهب إلى أنه بمجرد وقوع المرض يترتب عليه تكفير خطايا العبد، سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا، في حين ذهب القرطبي المحدّث (ت 656هـ) إلى أن محل ذلك ما إذا صبر المصاب واحتسب الأجر عند الله. أما الحافظ ابن رجب (ت 795هـ) فقد ميز بين حصول تكفير الخطايا وبين تحصيل الثواب، فجعل مجرد وقوع المصيبة كفارةً للذنوب (التي في حق الله) ولكن المصاب لا يثاب على المصيبة بمجرد وقوعها؛ إذ لا بد من التخلق بالفضائل حتى يحصل الأجر والثواب، وقال: إن "هذا هو المنقول عن كثير من الصحابة". وأما شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) فرأى أن فضيلة الصبر على المصائب واجبٌ باتفاق أئمة الدين، وإنما اختلفوا في وجوب الرضا.

ومن الملاحظ أن النقاش هنا كله انصرف إلى المسألة الدينية (تكفير الخطايا والأجر والثواب)، ولكنه في الأصل نقاش حول أهمية التخلق بالفضائل، وهو ما سميناه (الانفعال)، والفضائل تتفاوت؛ فأدناها فضيلة الصبر التي تحيلنا مجددًا إلى التسليم بالقدر الذي لا يمكن دفعه باعتباره فعلاً إيمانيًّا يُنتج حالاً (أو انفعالاً) يورث الإنسان الطمأنينة النفسية في الدنيا، والأجر والثواب في الآخرة، وهو ما يردنا إلى الصلة بين الإيمان والفضائل. وثمة فضيلة أرفع من الصبر وهي الرضا بقدر الله والاستبشار به، وهو مقامٌ أرفع يحرص عليه أئمة الصوفية عادة؛ لأن نظرهم متوجه إلى العلاقة بالله والقرب منه، بغض النظر عن أجره وثوابه، وهذا يعيدنا مجددًا إلى الفضيلة والواجب من أجل الواجب. وقد جاءت الأحاديث توضح أن العبد الصالح كيفما كان فهو من الله تعالى في خير؛ لأنه إنما ينظر إلى الفاعل الحقيقي المتصرف في الكون.

محصول الكلام أن موازين الفعل الإلهي ترجع إلى كليات وجزئيات، فالكليات مقررة في القرآن الكريم وهي مبادئ عامة، ولكن الجزئيات تشبه تحقيق المناط في مسائل الفقه، أي أن كل واقعة جزئية يكتنفها تعقيدات متعددة الأوجه، وتنزيلها المبادئ على الوقائع صار يتطلب نظرًا مركبًا وإلمامًا بفروع متعددة، والاطلاع على تفاصيل قد لا تكون في مقدور العبد إلا فيما خاصة نفسه فقط.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة