مقالات

نظرات وعبرات | الغول والديناصور والشبح والإرهاب والكابوس

صانع القمع، زارع الرعب، ماسح النطق والبصر والسمع، نولد ونموت معه، ينقلنا من نكسة إلى أخرى، ومن هزيمة إلى كارثة إلى مأساة، نتنفسه في هوائنا، وترتجف له قلوبنا، ننام ونصحو على زئيره، حيثما تلفتنا وجدنا عيونه ترصدنا، وسمعه يسجل علينا همساتنا وما يجول في خواطرنا، إنه سر أوجاعنا، ومصدر خوفنا وقلقنا، وسبب فقرنا وتخلفنا، هو ممزق وحدتنا ومفرق شملنا، سارق ابتسامتنا ومفسد بهجتنا، مدمر تاريخنا، خاطف حاضرنا، وبائع مستقبلنا.

 

إنه الغول الذي يبتلعنا، والديناصور الذي يطاردنا ويفترسنا جيلاً بعد جيل، إنه الشبح الذي يرعبنا ويقطع أنفاسنا، ما إن نراه حتى يختفي، ولا يكاد يختفي حتى يفزعنا من جديد، إنه الكابوس الذي يقض مضاجعنا وينتهك أحلامنا، إنه الإرهاب الحقيقي الذي رخصت تحت أقدامه أرواحنا، وهانت بسببه دماؤنا.

إنه الاستبداد، ولا غرابة في أن يكون كذلك.

 الاستبداد يهدد الجميع

إنه الاستبداد الذي يجب على الجميع مواجهته والتصدي له والإطاحة به، فلا صلاح لحالنا، ولا فلاح لحاضرنا، ولا أفق لمستقبلنا، ما دام يجثم فوق صدورنا، ويحتل أعمارنا، ويتجسد في صورنا ويتمثل في وجوهنا، حتى صار كثيرون منا نسخة منه، يأتمرون بأمره، يرددون ما يقول، ويفعلون ما يريد.

إنه الاستبداد الذي يجب على الجميع التصدي له، حكاماً ومحكومين، رؤساء وملوكا وأمراء وسلاطين، شيوخا ووزراء ومديرين ومفكرين وعلماء، إعلاميين وفنانين وأدباء، عامة وخاصة ووجهاء، ذلك أن خطر الاستبداد يطال الجميع، بل يطال كل شيء، البشر والشجر والحجر.

 

قد يظن الحاكم المستبد والمدافعون عنه والمتسترون به والمعارضون له والمتفرجون الصامتون أنهم في مأمن، والحقيقة أنهم في خطر عظيم، سيحرق الأخضر واليابس، وينشر الدمار والقتل والنزوح واللجوء، ويعود بنا إلى الوراء عشرات السنين

 

قد يظن الحاكم المستبد الغارق في جبروته، المتسلط بقوته، أنه في مأمن، وقد يظن المدافعون عنه والمتملقون والمنافقون والمنتفعون، المتسترون به وبما لديهم من نفوذ وصلاحيات وإمكانيات، أنهم في مأمن، وقد يظن المعارضون للحاكم المستبد أن حلم إسقاطه قريب وأنهم بعد إسقاطه سيكونون في مأمن، وقد يظن المتفرجون الصامتون أنهم بصمتهم واعتزالهم سيكونون في مأمن. والحقيقة أنه لا أحد في مأمن، الجميع في خطر عظيم، يتربص بهم لينقض عليهم في ساعة الصفر كالصاعقة التي تدمر كل شيء، ولست بحاجة إلى أن أسوق الأمثلة على ذلك، ونحن نعيشها في كل يوم، وبالأمس القريب، رأينا كيف انهار العديد من الزعماء المستبدين بأنظمتهم وأجهزتهم وأتباعهم، وكيف تدحرجت كرة اللهب من بعد ذلك يمنة ويسرة تحرق الأخضر واليابس، وتنشر الدمار والقتل والجراح والنزوح واللجوء والبؤس والألم في كل شيء، لترجع بنا إلى الوراء عشرات السنين.

خطيئة إعادة إنتاج الاستبداد

في الوقت الذي بدأ فيه الاستبداد ينحسر رويداً رويداً على مستوى العالم، بالتزامن مع التغييرات التاريخية الكبرى، كالحربين العالميتين الأولى والثانية وانهيار الاتحاد السوفياتي، وفي الوقت الذي ازداد فيه انفتاحنا على التجارب الديمقراطية من حولنا، وعلى إنجازاتها في كافة المجالات، وفي الوقت الذي اتسعت فيه لدينا دائرة العلم والمعرفة في شتى المجالات وأصبح لدينا أفواج متتالية من الخبراء والعلماء والمختصين القادرين على الابتكار والإبداع من أجل إعادة البناء بما يحفظ التوازنات ويحقق للدول العربية تكاملها ونموها وتألقها وتفوقها، وفي الوقت الذي عانت فيه الأمة العربية ما عانت من القمع والاضطهاد ومصادرة الحريات، ومن الفساد والهزائم والفشل، نجد الاستبداد يتخلّق في أوطاننا من جديد، وبرعاية منمّقة وإصرار عجيب، مغلقاً الباب في وجه الإصلاح والتطوير.

إن الذين يحاولون إعادة إنتاج الاستبداد من جديد مخطئون، والذين يساندون الاستبداد ويهللون له، ويسيرون له المواكب والوفود طمعاً في مكاسب جديدة أو حفاظاً على مكاسب سابقة مخطئون، والذين يطأطئون له خوفاً وإذعاناً مخطئون، والذين يسلطون جحيم استبدادهم على شعوبهم وأوطانهم، ويستسهلون القتل ويستعذبون الحرائق والدمار مخطئون، والذين يهللون للاستبداد ويهتفون للمستبد، يبررون إجرامه وفشله ويتفاخرون بقمعه وبطشه، يصادرون عقولهم ويغيبون وعيهم ويلهبون حماسهم بالوهم والخداع مخطئون، لأنهم جميعاً يعيدون بذلك إنتاج الهزائم والتخلف والقمع والتسلط  والفشل والخراب، إنهم يشعلون بذلك الحريق ويطلقون الغول والديناصور من جديد، ويديرون عجلة الزمان إلى الوراء، وهي تجر معها ما تشاء من المآسي والعناء.

 

إن الذين يعيدون إنتاج الاستبداد ويدعمونه ويهللون له مخطئون، إنهم يعيدون إنتاج الهزائم والتخلف والفشل والقمع والتسلط والحرائق والخراب، ويديرون عجلة الزمان إلى الوراء وهي تجر معها ما تشاء من المآسي والعناء

 

فلماذا الإصرار على إنتاجهم من جديد، وإنتاج جحيمهم وكوارثهم وفشلهم؟

لماذا الإصرار على اختزال الوطن في شخص الحاكم، رئيساً أو ملكاً أو أميراً أو سلطاناً؟

لماذا الإصرار على اعتبار الوطن ومن فيه موروثاً شرعياً للحاكم يتصرف فيه كيف يشاء؟

لماذا الإصرار على الاستمرار في الاستحواذ والاستعباد والإقصاء والإفساد والبطش والتنكيل؟

لماذا الإصرار على التمييز بين أبناء الوطن على أساس الولاء الخانع والطاعة العمياء؟

لماذا نخاف من المصالحة والإصلاح والعدل والحريات الدستورية والشفافية واستقلال السلطات؟

لماذا هذا التغول الأمني الشرس داخل أوطاننا يلاحق الأنفاس والنظرات قبل الكلمات والخطوات؟

ولماذا هذه الاستهانة بالمواطنين واستباحة أرواحهم وأموالهم وأعراضهم لأبسط الأسباب؟

لماذا تستمر هذه الهواجس المرعبة لدى الحاكم فتجعله يرى في هدوء الموج طوفاناً كامناً، وفي صفاء الماء فيضاناً قادماً، وفي تعليقات الخبراء والمختصين تدخلاً في شؤون الحكم، وفي الاجتماعات والندوات أنشطة معادية وتخطيطاً للانقلاب على الحكم، وفي النقد والمعارضة عرقلةً لجهود الدولة وتهديداً للاستقرار، وفي الاتصالات الخارجية تآمراً مع جهات معادية…؟

لقد مضى المستبدون من أمتنا، من الحجاج بن يوسف الثقفي إلى بن علي والقذافي وصحبهم، ممن تربعوا على عروشهم، وهاموا في سلطانهم، وأخضعوا شعوبهم لطغيانهم، وظنوا أنهم جبابرة العصور، يمتطون صهوة الزمان، ويمسكون بزمام الخلود. مضوا بأبشع خاتمة، وسطرهم التاريخ في أسود صفحاته، لم يكفهم ما ألحقوا ببلدانهم من التخلف والقمع والفساد والاستعباد، فتركوها غارقة في الصراعات الدموية والنزاعات المدوية التي لا تنتهي.

سلوكيات الحاكم المستبد

يخلط كثيرون بين نظام الحكم وسلوك الحاكم، أما نظام الحكم فهو النمط أو النوع الذي يتم على أساسه اختيار الحاكم، وأشهرها في زماننا الملكي والدكتاتوري والديمقراطي. وأما سلوك الحاكم فهو مجموعة الممارسات والتصرفات الصادرة عن الحاكم عند إدارته للسلطة حسب نمط نظام الحكم الذي جاء به، والاستبداد هو مجموعة السلوكيات والممارسات المنبثقة عن صلاحيات الحاكم المطلقة، إما حسب نوع نظام الحكم، كما هو الحال في النظام الدكتاتوري، أو بفعل ظروف استثنائية معينة، كما في النظامين الملكي والديمقراطي، وليس هو الحاكم الذي طالت فترة بقائه في السلطة.

الحاكم المستبد من يستولي على الدولة ومؤسساتها ومواردها، ويستعبد شعبها بكل فئاته وطبقاته.

الحاكم المستبد من يتأله على شعبه ويفرض عليهم الطاعة العمياء لكل ما يصدر عنه.

الحاكم المستبد من يجمع في يده كافة السلطات، فهو المشرع وهو المنفذ وهو القاضي.

الحاكم المستبد من يدوس على الدستور والقانون، ويصبح هو النظام والدستور والقانون.

الحاكم المستبد من يصادر الحريات ويكمم الأفواه وينتهك الحرمات ويستحوذ على الثروات وسائر المقدرات.

 

لماذا يصر الحاكم المستبد على الاستبداد، وهو يعلم أن عاقبته وخيمة، إما برصاصة طائشة، أو أزمة قلبية، أو سكتة دماغية بسمٍ أو بقهر، أو وراء قضبان، أو كان فارّاً، أو معلقاً على حبل مشنقة…؟

 

الحاكم المستبد من يضحي بالمخلصين والصادقين من العلماء والخبراء، ولا يبقي حوله إلا المنافقين والمتملقين والفاسدين والمتسلقين.

الحاكم المستبد من يعيش في الخداع ويحيط نفسه بالمخادعين، ويقتات على الخداع، فيخدع شعبه، ويغرقهم في الزيف والأكاذيب.

الحاكم المستبد من ينشر الرعب في زوايا الوطن، ويستهين بأرواح شعبه ودمائهم وآلامهم وأحلامهم.

الحاكم المستبد هو من يصنع الغيلان ويربي الديناصورات والأشباح، وينشر الرعب والإرهاب، ويحيل الحياة إلى سلسلة لا متناهية من الكوابيس التي تطارد الناس.

ومع ذلك، فالحاكم المستبد، فرد جبان، يعيش في رعب متواصل، وقلق لا ينتهي، بسبب ممارساته المستبدة، يتستر بالعنف والشدة والقسوة، دائم الارتياب، لا يطمئن حتى لأكثر المقربين إليه.

فلماذا نصر عليه وهو على هذه السلوكيات؟

ولماذا يصر هو على الاستبداد، وهو يعلم أن عاقبته وخيمة، إما برصاصة طائشة، أو أزمة قلبية، أو سكتة دماغية بسمٍ أو بقهر، أو وراء قضبان، أو كان فارّاً، أو معلقاً على حبل مشنقة…؟

في الأسبوع القادم بإذن الله (صناعة الاستبداد ودعائمه).

 

 

 



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة