تحديات التاريخ والمؤرخ في الزمن الرقمي

لشدة ولع القارئ ببعض الكُتّاب، ممن يجد عندهم ما يغبط القلب ويرضي النفس، فإنه يحرص على تلقف كل ما يكتبون، حتى إذا فاته شيء من ذلك لازمه شعور غريب بالتقصير في الظفر بعلم جديد، أو التخلف عن إدراك عوالم جديدة.

ذلك أن الكاتب، بأوسع معاني هذه الصفة وأعمقها، هو، كما يذهب الشاعر الفرنسي آرثر رامبو إلى القول، من يُكثّف شعورك بالوجود. وهذا، كذلك، هو المعنى المقرر للفظة "شاعر" في اللغة الألمانية (Dichter)، حيث إنها تنحدر من فعل (Dichten) الذي يفيد معنيين اثنين: معنى "شَعر"، أي قال شعرا، ومعنى "كثّف". فلا يخفى أن هناك كُتّابا نجد عندهم، على قصر العبارة، إشارات تومئ إلى بواطن يستعصي على المرء أن يخبر حقيقتها أو أن يعبر عنها ولو بقواميس اللغة مجتمعة.

أحسب أن أمين معلوف من طينة هؤلاء الكُتّاب، فأنا لا أخفي ولعي بكتابته، كما لا أخفي سعادتي بتلقف أي عمل من أعماله الجديدة، موقنا أنها لا محالة ستكثف الإحساس بأبعاد خفية، أبعاد تجلت حتى اختفت. ولعل السر وراء ما يضفي على هذه الكتابة سحرا خاصا، هو شغف الكاتب بالتاريخ وتمكنه منه. فالتاريخ في أعمال أمين معلوف، الروائية خصوصا، هو تلك الخلفية الضرورية لانبساط الأحداث الدرامية ورسم الشخوص. فلا جدال في أن معلوف قد وفق في كل كتاباته في إبراز أبطال تاريخيين إبرازا مبهرا يملك على القارئ أمره.

يكفي قراءة "كرسي على نهر السين: أربعة قرون من تاريخ فرنسا" ( Un fauteuil sur la seine: quatre siècle d’histoire de France ) -وهو الكتاب الذي يدور حول الشخصيات العلمية والأدبية التي تناوبت على كرسي الأكاديمية الفرنسية الذي يجلس فيه اليوم أمين معلوف نفسه- كي يقف المرء عند كتابة مبهرة تتوسل بأسلوب سردي مشوق، أسلوب لا ينقطع معه السبب أو الصلة بين القارئ وأحداث تحتفظ بها الذاكرة كما توثقها المخطوطات والمصادر التاريخية. في هذا الكتاب تأكيد لإبداع فني مطّرد، إذا لم يزد صاحبه تألقا، بوصفه صاحب حس تاريخي فريد، فإنه لا يحط من مكانته ولا ينقص من شأنه بين المبدعين.

إلا أنه ومع كتابه "غرق الحضارات" (Le naufrage des civilisations) (2019) شعرت شعورا غامضا وكأن أمين معلوف يقدم مثالا حيا يؤشر على أن زمن الكتابة التاريخية قد انتهى، أو أوشك على الانتهاء. جعلت تداعبني، وأنا رفقة الكتاب، خواطر مختلفة، منها ما هو متعلق بالكاتب نفسه، حيث صرت أتساءل إن كان نَفَس أمين معلوف في فنون السرد والحكي صار أقصر من أن يستوعب مرحلتنا التاريخية الراهنة فيعبر عنها؛ ومنها ما هو متعلق بهذه المرحلة ذاتها، إن كانت مرحلة تستعصي على الكتابة التاريخية.

 

لست أدري إن كان بإمكاني التجرؤ على الأمل في أن أرى يوما الشعوب التي أنجبت ابن رشد وابن سينا وابن عربي والخيام والأمير عبد القادر، تمنح حضارتها لحظات عظمة حقيقية!

من يتأمل في شكل ومضمون "غرق الحضارات" يجد أن وراء كتابته باعثا نفسيا خفيا، ألقى في روع الكاتب أننا على مشارف مرحلة سيكون حال المؤرخ الذي يطلب الإحاطة بتفاصيلها أشبه بحال من أراد القبض على الماء، تخونه فروج الأصابع كما يقول الشاعر. وهذا ما دفع بكاتبنا إلى التفكير في توثيق أحداث عالمه المعروف، وهو يقف على مشارف عالم ذي ملامح مبهمة، أو في طريقه إلى التلاشي كما يقول العنوان الفرعي للفصل الأخير من الكتاب. وكأننا بأمين معلوف يسعى إلى لملمة أطراف الذاكرة وهو يسرد علينا أحداثا قد لا يسردها علينا أحد من بعده، ويحدثنا عن شخصيات توارت حتى اختفت، أو كادت تختفي من ذاكرة الأجيال الجديدة. إذ ليس من المبالغة القول إن  "القومية العربية" و"الناصرية"، و"الحرب الأهلية في لبنان"، و"ثورة الخميني"، و"حرب حزيران 1967″، و"حرب أكتوبر 1973″، وغيرها، قد أصبحت مجرد أسماء لا تحيل على أحداث ممتدة في التاريخ امتدادا يصلها بواقع الأجيال الجديدة اليوم.

بعد سرد تاريخ الشرق الأوسط وأحداثه المؤلمة، نشعر وكأن الشك في مستقبل المنطقة وشعوبها يتملك أمين معلوف، حيث يقول متسائلا: "لست أدري إن كان بإمكاني التجرؤ على الأمل في أن أرى يوما الشعوب التي أنجبت ابن رشد وابن سينا وابن عربي والخيام والأمير عبد القادر، تمنح حضارتها لحظات عظمة حقيقية!".

وفي مقابل الشك في قدرة شعوب المنطقة العربية على الانبعاث، يساور أمين معلوف شك آخر، في قدرة الإنسانية اليوم على تجاوز الانهيار المتربص بالحضارة قبل فوات الأوان، حيث يقول: "أريد التمسك بالأمل. سيكون أمرا حزينا لو أن سفينة الإنسانية واصلت الترنح باتجاه حتفها، وهي غافلة عن الخطر المحدق بها، تظن، كما ظنت سفينة التايتانك من قبلها، أنها معصومة، حتى اصطدمت في ظلام الليل بجبل الجليد لتنكسر، بينما جوقة الموسيقى تعزف مقطوعة (أكثر قربا منك يا رب) وبينما الخمر يسيل أنهارا".

 

الذكاء الاصطناعي أصبح يتحكم في صياغة الكتابة التاريخية، وكأننا بشركات التكنولوجيا تخطو خطوات رهيبة نحو الاستحواذ على سرديات الشعوب

لا شيء يوازي شك أمين معلوف في قدرة شعوب المنطقة العربية على الانبعاث، وفي قدرة الزعامات التاريخية على تجنيب الحضارة الإنسانية الأفول والانهيار، سوى ارتباكه الواضح أمام الثورات والتغيرات التي يشهدها العالم في الزمن الرقمي والافتراضي. فالقارئ المتتبع للتطورات التي تحصل اليوم في العالم الافتراضي والثقافة الرقمية يشعر أن أمين معلوف يترك في أنفسنا شيئا من حتى، ويغلب عنده الظن أن معلوف يقف عاجزا عن سبر أغوار هذا العالم وهذه الثقافة، لا يفيها حقها من الوصف والتحليل. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل إن كان عجز معلوف المؤرخ عن التفاعل مع الواقع الجديد، وصفا وتحليلا، مرده إلى عوامل ذاتية ذات صلة بجاهزية الإبداع؛ أم أن الأمر ذو صلة بما يمكن أن نصطلح عليه "بنهاية دور المؤرخ"!

والراجح عندنا أن الزمن الرقمي والفضاء الافتراضي هو اليوم بصدد الإجهاز على الدور التقليدي للمؤرخ، وأن الذكاء الاصطناعي قد أصبح -من الآن فصاعدا- يتحكم في صياغة الكتابة التاريخية، وكأننا بشركات التكنولوجيا تخطو خطوات رهيبة نحو الاستحواذ على سرديات الشعوب، معلنة بذلك امتلاك التاريخ، تماما مثلما هي الآن تعيد صياغة الفضاء العمومي لتعلن امتلاك الديمقراطية.

تتربص بالكتابة التاريخية في الزمن الرقمي والفضاء الافتراضي، كما تتربص بغيرها من العلوم، خصوصا العلوم الإنسانية، آفة كبرى، ألا وهي آفة "نهاية الخبرة". بحيث أصبح يعسر التمييز بين الخطأ والصواب، أو بين الذاتي والموضوعي، في الأخبار التي يقوم عليها الوعي والحس التاريخيان. فقد انمحت خيوط الفصل بين الاحتراف والهواية في قراءة التاريخ، حتى أصبحنا أمام ظواهر غريبة، كأن يتجرّأ سياسي غرّ، مثل جاريد كوري كوشنير، على تقديم الاستشارة لحل معضلة تاريخية عمّرت لعقود، ألا وهي القضية الفلسطينية، غير متردد في اقتراح "صفقة القرن"، مستمدا شرعيته من قراءة "25 كتابا" كما يقول، ضاربا بتاريخ المنطقة عرض الحائط، مراهنا على تلاشي الذاكرة الجماعية وخلو ذاكرة الأجيال الجديدة من كل أنواع الوعي التاريخي المشترك.

لفهم هذه الظواهر الجديدة، لا بد من الوقوف عند ثلاث مراحل من تطور الكتابة التاريخية. في البداية كانت الغلبة للتاريخ الرسمي، الذي تتأسس عليه السلطة وشرعية الحكم. ففعل التأريخ كان يعنى بالوقوف على أهم الأحداث التي ساهمت في تكون الدول والممالك، وفي إقرار التكتلات الحضارية والثقافية والمجتمعية الكبرى أو التي تحيل على أعمال بطولية خارقة. لم يكن التأريخ يعنى بحياة الأفراد، أو يلتفت إلى مشاعرهم كمصدر من مصادر التاريخ الموثوقة.

في البداية كان المؤرخ يعتمد الرواية الشفهية، يطوف البلدان مثل هيرودوت ليخبر الحقيقة التاريخية من أفواه الرجال. وبعد انتشار الكتابة، صار هم المؤرخ الأساس هو الظفر بالمخطوطة كمصدر من المصادر التي يرتكز عليها البحث والتحليل التاريخيان. في هذه المرحلة الأولى، لم يكن بمقدور أي كان أن يكون مؤرخا، إلا إذا توفرت فيه شروط القراءة والكتابة. كما أنه خلال هذه المرحلة، لم يكن الإنسان العادي، أو الفرد في الجماعة، يعنى -عن وعي- بتوثيق الأحداث توثيقا يصير مادة لكتابة التاريخ من بعد.

كانت هذه المرحلة تشهد صراعا محتدما من أجل الظفر بالحق في إملاء الحقيقة التاريخية الواحدة التي لا تقبل الشك. وكانت قوة السلطان تقاس بقدرته على فرض هذه الحقيقة من بين حقائق أخرى متنافسة. هذا ما أدى ببعض المؤرخين إلى ابتكار مفهوم "التاريخ الموازي" لإصباغ صبغة النسبية على الحقيقة التاريخية، كما تتجسد في الكتابة الرسمية المتبناة من طرف الدولة التي تجتهد من أجل غرسها في ذاكرة المواطنين عبر التلقين والتعليم في مؤسساتها.

ينطلق المؤرخ هاورد زين (Howard Zinn)، في مسعاه إلى تفكيك التاريخ الرسمي للولايات المتحدة الأميركية، من القناعة التي نجدها في كتابه الشهير "تاريخ شعبي للولايات المتحدة الأميركية" (A People’s History of the United States)، ومفادها أن كتابة التاريخ، مثلها مثل كتابة الأرض، أي الجغرافيا، تعتمد على الاختزال (جيو-غرافيا، كما لم يفتأ كينث وايث صاحب مدرسة "الجيو-شاعرية" يردد، تفيد حرفيا "كتابة الأرض").

فمن يريد أن يرسم خارطة بلد معين، لا بد أن يختزل الفضاء الشاسع في صفحة وفق سلم تصميم يكون فيه السنتيمتر الواحد على الورقة مقابلا لمئة ألف متر في الواقع، مثلا. وكذلك الأمر هو بالنسبة للكتابة التاريخية، حيث يتعذر على المؤرخ أن يعيد إنتاج التاريخ كما وقع، بتفاصيله، بل يعمد إلى اختزاله في أحداث بعينها. إلا أن الفرق بين كتابة الأرض وكتابة التاريخ، يكمن في أن الاختزال في الكتابة الأولى تمليه إكراهات تقنية، بينما يأتي الاختزال في الكتابة الثانية نتيجة اختيارات أيديولوجية.

إذا كان التاريخ الرسمي للولايات المتحدة الأميركية يقوم على أساس إحصاءات ومخطوطات ووثائق رسمية، فإن التاريخ الموازي، كما مارسه هاورد زين وأتباعه، على سبيل المثال، يُستقى من منابع أخرى، من قبيل أغنية شعبية تغنى أصحابها بمعاناة الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية مع العبودية، أو مذكرة فتاة صغيرة تتضمن تفاصيل عن حقيقة التشدد الطهراني في القرن التاسع عشر، وغير ذلك من المصادر المهمشة من طرف المؤرخ الرسمي. بالاعتماد على التاريخ الشعبي ومصادره المتنوعة، توفّق هاورد زين في كتابة تاريخ آخر، يفكك تاريخ الولايات المتحدة الرسمي. إلا أن التاريخين، الرسمي و الموازي، يظلان وجهين لعملة واحدة: ألا وهي الأيديولوجية، التي تملي على المؤرخ الوقوف عند هذا الحدث وغض الطرف عن ذاك.

بعد هاتين المرحلتين، مرحلة التاريخ الرسمي والتاريخ الموازي، ندخل اليوم مرحلة جديدة يمكن أن نصطلح عليها بمرحلة "التواريخ الموازية". على عكس التاريخ الموازي الواحد الذي تحركه أيديولوجية ذات نزعة تفكيكية، تروم تفكيك التاريخ الرسمي، فإن التواريخ الموازية هي أكثر ارتباطا بالفرد منها بالجماعة، وبالأقلية منها بالأغلبية، ومن خصائصها أنها لا تضع أيديولوجية مقابل أيديولوجية أخرى في تمثل ما وقع في الماضي، بل تضع تاريخ الأفراد والأقليات في مقابل "التاريخ المشترك"، وهي تتوسل بما تتيحه وسائط التواصل الاجتماعي من خزان لا ينضب من المعلومات والصور والوقائع التي أصبحت تقوم مقام المخطوطة أو الوثيقة التاريخية قديما.

يكفي اليوم أن تفتح شريط "يوتيوب" واحدا لمعارض من معارضي نظام سياسي قائم، لتصلك، فور انتهائك من معاينته مباشرة، عشرات، بل مئات الأشرطة التي تصب في نفس الاتجاه؛ أو أن تفتح شريطا واحدا فيه مراجعة لحقيقة تاريخية مقررة، حتى تجد نفسك وسط كم هائل من الأشرطة التي تعزز هذه المراجعة. لقد أصبحنا أمام ذكاء اصطناعي يتوسل بخوارزميات ترسم مساقات متنوعة للوعي بالتاريخ، وتحدد محاور استقطاب جديدة لا تنضبط بضوابط التاريخ المشترك المهيمن.

 

من الصعب تخيل لورنس العرب في زماننا يشارك في أحداث تاريخية تحدد مصير منطقة كبرى، دون أن نجد له في الهواتف الذكية تسجيلات تمكننا من التحقق من الدور الذي يقوم به في الثورة، أو التحقق من جملة من الأشياء الأخرى المسرودة في كتابه

هذا فضلا عن أن التطور الهائل في وسائل التواصل والتوثيق بالصوت والصورة أكسب الفرد العادي شعورا بدوره في توثيق الأحداث وجرأة على التأريخ. حين كان التاريخ مرتبطا بفعل القراءة والكتابة وبالتمكن من فنون الكلام واللغة، كان الأمي، مثلا، مقصيا من المساهمة في كتابته، لا حيلة له لإيصال صوته للأجيال القادمة.

أذكر، وأنا طالب أحضر الدكتوراه في موضوع "لورنس العرب" وثورة الشريف حسين العربية، كيف كنت أجابه بشح المصادر العربية لتقييم ما كتبه لورنس في "أعمدة الحكمة السبعة" (The Seven Pillars of Wisdom)، والسبب في هذا الشح هو أن البدو ممن كانوا يرافقون لورنس لم يخلّفوا لنا وثائق تطلعنا على حيثيات ما جرى، وذلك نظرا لحاجز الكتابة. فالكتابة كانت حينها هي الوسيلة الوحيدة للتوثيق. هذا على خلاف كبير مع ما يحصل اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي وسيلة من وسائل التوثيق التي لا تعلو عليها وسيلة أخرى.

من الصعب تخيل لورنس العرب في زماننا يشارك في أحداث تاريخية تحدد مصير منطقة كبرى، دون أن نجد له في الهواتف الذكية تسجيلات تمكننا من التحقق من الدور الذي يقوم به في الثورة، أو التحقق من جملة من الأشياء الأخرى المسرودة في كتابه، مثل تمكنه من اللغة العربية الذي يظل محط خلاف، أو مدى مطابقة وصفه للبدو المرافقين له للواقع، من أمثال "عودة أبو تايه" وغيره.

لو نظرنا في حال الأجيال الجديدة التي تقف وراء الربيع العربي أو وراء أنواع الحراك التي شهدتها المجتمعات العربية، فسنجدها تعنى بتوثيق الأحداث عناية بالغة لم نعهدها من الأجيال السابقة. ولا شك في أن الأجيال اللاحقة ستكون لها قراءة في تاريخ شعوبها لا تنضبط بضوابط الكتابة التاريخية التقليدية. إن التوثيق بالصوت والصورة الذي تتيحه الوسائل التكنولوجية اليوم أقوى من الكتابة في تشكيل وعي الإنسان بالتاريخ، ذلك أن الكتابة، على جلال قدرها، تظل أداة أقرب إلى الذاتية، إلى ذاتية الكاتب وأسلوبه. أما الصوت والصورة فهما يدخلان في ما يمكن أن نصطلح عليه بـ"وسائل الكشف"، أي تكشف الغطاء عن حقيقة منظورة، ماثلة أمام العين.

 

إن التكنولوجية الرقمية هي الآن في طريقها إلى إلغاء الفرق القائم بين من يصنع التاريخ ومن لا يصنعه. ولبلوغ هذا المرام فهي تعمل على محق "النسيان"، النسيان الذي هو من أكثر الأشياء ضرورة لبناء التاريخ المشترك أو الذاكرة الجمعية

إن تعميم وسائل التصوير الحي المباشر للأحداث سيغير لا محالة كتابة التاريخ. لقد كانت الكتابة باللغة تعتمد من طرف المؤرخ للربط بين أحداث متناثرة حتى تصبح في نهاية المطاف تاريخا، أي مادة تنتمي إلى مجال "الثقافة العالمة". غير أن التطور التكنولوجي المذهل جعل قاعدة المعلومة التاريخية تتوسّع إلى درجة التلاشي وفقدان المركز. هذا ما سبق إلى الإشارة إليه الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي (Maurice Merleau-Ponty) في منتصف القرن الماضي، حيث تحدث عن "نهاية السرديات الكبرى"، منبها إلى أن هذه النهاية لا تقترن بما بعد الحداثة، على اعتبار أن في ما بعد الحداثة شيء من الحداثة. الآن، بالفعل، نجد أنفسنا نخرج من الحداثة ومن ما بعد الحداثة لندخل زمنا رقميا جديدا تتلاشى فيه كل السرديات الكبرى، كل التواريخ الرسمية والموازية.

إن التكنولوجية الرقمية هي الآن في طريقها إلى إلغاء الفرق القائم بين من يصنع التاريخ ومن لا يصنعه. ولبلوغ هذا المرام فهي تعمل على محق "النسيان"، النسيان الذي هو من أكثر الأشياء ضرورة لبناء التاريخ المشترك أو الذاكرة الجمعية. إن تخزين المعلومة التاريخية المستمر يُصعّب من مهمة المؤرخ ويجعله أعجز من أن يفهم ما يحدث في اللحظة التاريخية الواحدة، ناهيك عن أن يجعل الأحداث تنتظم في كل متناغم. ومع هذا الوضع، يبدو لنا وكأن الثقافة غير العالمة، ممثلة في الإنسان العادي المالك لجهاز تكنولوجي ذكي، هي اليوم تثأر من الثقافة العالمة، ممثلة في المؤرخ، المختص أو العالم بعلم التاريخ. لم يعد التاريخ علما يتوخى من تعلمه الحقيقة التاريخية؛ بل هو في طريقه إلى أن يصير شأنا فرديا، ذا صلة بعواطف الناس وذاكرتهم الخاصة.

وبهذا لم يعد بالإمكان في الزمن الرقمي بناء شرعية جديدة على أسس سردية تاريخية، دينية أو عرقية، تفرض بالقوة. لقد استحوذت شركات التكنولوجية، بفضل ما تملكه من ذكاء اصطناعي، على مصادر التاريخ، وأصبح وعي الإنسان بالتاريخ رهينا بما يبحث عنه، وفق ميوله العاطفي في لحظات معلومة من حياته. إن كان المرء يشعر بالتذمر في وسطه المجتمعي، في فضائه الحضاري، في بيئته الاقتصادية، فجعل ينظر إلى الأشياء من نافذة هذا التذمر، عندها سيجد أمامه تاريخا مليئا بتفاصيل تساوق نزوعه النفسي. وإن كان، على العكس من ذلك، يشعر بالانتشاء في واقعه والتلذذ بالانتماء إليه، عندها سينظر إلى الأمور بمنظار يجلي له تفاصيل أخرى. لقد أصبح التاريخ مائعا، يكاد لا يثبت على صيغة. كما أصبح من السهل التحكم في تحديد المداخل إليه، ومن ثمة توظيفه لتحريك ديناميات مجتمعية تشكل صورة المستقبل.

 

أتي على رأس أولويات المؤرخ اليوم التفكير في دوره وفي علاقة هذا الدور بمصادر القوة والسلطة التقليديين، كالدولة والمجتمع، ومصادر القوة الجديدة، المتمثلة في الشركات التكنولوجية المالكة للذكاء الاصطناعي.

لم يسبق أن اعتمد التاريخ مثل اليوم أداة لرسم معالم المستقبل وبرمجة الواقع الجديد. بقدر ما توفقت التكنولوجية في تحرير الوعي التاريخي من قبضة الصيغ الرسمية، ومن قبضة الثقافة العالمة، ثم ربطه بعاطفة الأفراد؛ بقدر ما سهل على المالك لهذه التكنولوجية توظيفها لإعادة تشكيل وعي الإنسان بذاته، بعيدا عن مقاصد المجتمع الكبرى. وبقدر ما تعمل التكنولوجية على فك ارتباط وعي هذا الإنسان بالتاريخ المشترك، كذلك تعمل على فك ارتباطه بـ"المصير المشترك".

لقد فلّت التكنولوجية معاول المؤرخ التقليدي، وهي الآن توهمنا بأنها تتيح لنا أن نختار "من كنا" و"من نريد أن نكون"، خارج إطار كل التواريخ، الرسمية والموازية. لقد أدخلتنا زمنا رقميا جديدا، مقطوع الصلة بالحداثة وما بعد الحداثة. لا شك أن ما ترتكز عليه التكنولوجية اليوم من ذكاء خارق ليس كله شرا، ولكن بالمقابل يصح القول إن ما تحمله ليس كله خيرا. والمطلوب اليوم هو الوعي بمخاطر التكنولوجية شرطا في الاستفادة من خدماتها. ويأتي على رأس أولويات المؤرخ اليوم التفكير في دوره وفي علاقة هذا الدور بمصادر القوة والسلطة التقليديين، كالدولة والمجتمع، ومصادر القوة الجديدة، المتمثلة في الشركات التكنولوجية المالكة للذكاء الاصطناعي.



حول هذه القصة

يتطرق هذا المقال لبعض أدوار السود في التاريخ الإسلامي؛ محاولا تقديم مداخل متعددة لرصد جهود جمع من أعلام السود اضطلعوا بأدوار علمية وأدبية وسياسية في دفع حركة المسلمين قرونا عديدة وعلى صُعُد شتى.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة