مقالات

نحن وكورونا.. من يصل أولاً؟

أطلق فيروس كورونا (كوفيد 19) سلسلة من المفاجآت والتحديات في آنٍ واحد؛ فرغم أن البعض كان يتوقع حدوث بعضها -منذ زمن طويل- فقد وقعت مفاجآت صادمة أظهرت مدى العجز العالمي عن مواجهة الوباء.

كان متوقعاً مثلاً أنه إن توقف السياح عن السفر فسيتعطل قطاع السياحة، لكن لا أحد كان يعرف متى وكيف ولماذا سيتوقف المسافرون فجأة عن القدوم إلى وجهاتهم؟ وكان مفترضاً أنه إن توقفت السفن عن إيصال البضائع والسلع فستنكمش الأسواق بشدة، لكن لم يكن أحد يعرف ما الذي سيتسبب في ذلك؟

وكان متوقعاً أيضا تفشي وباء أو جائحة بسبب طفرات جينية لفيروس مجهول يفتك بمن لا تقوى مناعته الذاتية على المقاومة، وكانت الأنظمة الصحية تتوقع وتدّعي قدرتها على فعل كل ما يلزم للتصدي لذلك، لكن المفاجأة التي حصلت هي أن العالم لم يكن مستعداً لمواجهة تفشي هذا الوباء؟ وكيف أثّر على أنماط الحياة البشرية وكل مناشطها الاقتصادية وحتى الرياضية.

لا أحد بإمكانه أن يتنبأ بلحظة الإعلان عن الانتصار على كورونا، لأننا أمام وضع مختلف جوهرياً لكثرة الفواعل وتشابك العوامل المتداخلة، غير أن العامل الأبرز في هذه الحالة هو الجهل بطبيعة الشبح الذي يطاردنا، ولا نعرف تحديدا اتجاهات حركته أو أين وكيف ومتى سيضرب من جديد؟ فضلاً عن معرفة إمكانية وكيفية السيطرة على هذا البلاء الجديد؟ أو حجم الخسائر التي سيتركها خلفه؟

المفارقة تكمن في أنه لا سبيل للنجاة بشكل فردي إن على مستوى الأشخاص أو الدول، فالولايات المتحدة الأميركية -التي سَخِرت إدارتها بداية الأزمة من تحدي هذه الجائحة- تتصدر الآن قائمة الدول في عدد الإصابات، وتعاني من ضغط هائل على نظامها الصحي الذي انكشف أمام تفشي الوباء بشكل مفاجئ.

لا أحد بإمكانه المكابرة بإنكاره الإصابة بالوباء أو نجاحه في إغلاق الحدود أمام هذا الفيروس الموصوف بالغدر، وبقدرته (أي الفيروس) على الوصول إلى أي مكان دون الحصول على تأشيرة دخول من أي سلطة، مهما كانت قوية ومتحكمة.

لقد كان متوقعاً أيضا تفشي وباء أو جائحة بسبب طفرات جينية لفيروس مجهول يفتك بمن لا تقوى مناعته الذاتية على المقاومة، وكانت الأنظمة الصحية تتوقع وتدّعي قدرتها على فعل كل ما يلزم للتصدي لذلك، لكن المفاجأة التي حصلت هي أن العالم لم يكن مستعداً لمواجهة تفشي هذا الوباء؟ وكيف أثّر على أنماط الحياة البشرية وكل مناشطها الاقتصادية وحتى الرياضية

لا أحد يستطيع العيش معزولا لمدة طويلة، ولا حتى الأنظمة الشمولية التي تحكمت -بمركزية شديدة- في حياة شعوبها، وحجبت عنهم الكثير من الحقائق والمعلومات، هذه الدول عجزت -هذه المرة- عن الإنكار والمكابرة، وكل ما استطاعت أن تخفيه -إلى حين- هو عدد الإصابات وربما الوفيات، مع توجيه أصابع الاتهام لها بعدم المصداقية بسبب غياب الشفافية وضعف أو انعدام الحصول على المعلومة.

عندما يخرج العالم من هذه الأزمة؛ سيظهر حجم المصيبة التي حلت بالبشرية والخسائر الاقتصادية والأعباء المالية، فهذه الجائحة كانت بمثابة تسونامي من العيار الثقيل اجتاح العالم بقسوة بالغة، ليصبح معيار النجاح هو: من يخرج بأقل الخسائر!

التحدي هذه المرة لم يكن سطحيا ولا وطنيا، وإنما هي حرب تواجه فيها البشرية شبحا بلا عنوان ولا هوية، ويطارد الجميع دون تمييز. الأزمة الحالية شاملة وعميقة وطويلة المدى، وتختلف عن كل ما سبقها من أزمات.

فهي أزمة حطمت الجغرافيا السياسية، واستباحت السيادة الوطنية، وفجأة وجدت البشرية أن ما اعتبرته أعظم مكاسبها (من سهولة التنقل وانسياب البضائع ورفع العوائق أمام التجارة العالمية) أصبح عبئا عليها، ومقيداً لرشاقة حركتها ولياقة مكوناتها.

وهي أزمة شاملة أيضاً؛ بمعنى أنها تتحدى كل أبعاد البناء السياسي من المنظومة الدولية، إلى المنظومات الإقليمية إلى الدولة الوطنية إلى الوحدات المنضوية تحتها، وتشمل كل مكونات البناء الاجتماعي من العائلة إلى الفرد. وهي كذلك شاملة لكل مجالات النشاط الإنساني؛ فالقادح الصحي يحاكم الاقتصاد والتربية والثقافة والسياسة، وتعمّ المستويات كافة: الدولة القُطرية والاتحادات القومية والتكتلات الإقليمية والدولية.

تطرح الأزمة الحالية أسئلة كبرى بعضها عن العلاقة المركبة بين "رأس المال الوطني" و"سيادة الدولة الحديثة"، بعد أن أصبحت الجملة الأكثر تداولاً هي أن العالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها، سواء أكان الحديث عن الاقتصاد أم عن رأس المال أم عن إدارة الأعمال، أم عن النظم السياسية أم عن علم الاجتماع وفلسفة العلاقات الدولية، ومساءلة المفاهيم التي ساد استعمالها مثل التعاون والتنافس والاعتماد المتبادل والحدود والسيادة ومفهوم المواطنة وغيرها.

إن الصورة في الساحة الدولية لم تتضح بما فيه الكفاية، بل إنها تنوعت فيها المقاربات المعتمدة؛ فهناك من غلّب سياسات صارمة اعتمدت التوقي والحصار الشامل ولو أدى الأمر تحمل تكلفة اقتصادية ثقيلة (يتهامس البعض بأن الصين لجأت لهذه المقاربة بعد أن تراخت في التصدي لكورونا في الوقت المناسب، ويحملها تبعا لذلك مغالطة الرأي العام العالمي، والتسبب في كارثة إنسانية كان بالإمكان محاصرتها في المنشأ)؛ وهناك من اعتمد سياسة مسايرة تدرجية للمحافظة في نفس الوقت على السوق والأرواح.

في حين فضّل صنف ثالث من الدول التعويل على إمكانية الوصول إلى مناعة جماعية بعد فترة تعايش وخسائر لا يمكن تجنبها، وهي مقاربة سرعان ما عدل عنها أصحابها (بريطانيا والولايات المتحدة) تحت ضغط الرأي العام، وخوفا من التكلفة الأخلاقية والسياسية وحتى الانتخابية.

المواجهة متعددة الأوجه، والانعكاسات الاقتصادية لا تُخفى الصعوبات الهيكلية التي تعاني منها اقتصاديات كونية ما زالت على قائمة التصنيف بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة. ورغم غزارة الإنتاج فإن المفقود -حتى هذه اللحظة- هو عدالة التوزيع.

ويعني هذا أن العالم كله يعيش مرحلة الحضانة، ولحظات المخاض لميلاد نظام عالمي جديد، ليس من أجل القيم الأخلاقية ولا العدالة الاجتماعية فقط، وإنما لأسباب موضوعية متعلقة بمواصفات النظام العالمي الجديد، والتهديد الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة ما لم يتحقق الأمن العالمي والسِّلم الدولي، والتغلب على المخاطر السيبرانية.

وكذلك السيطرة على التهديدات الأمنية المتعلقة بالحد من الفقر وغياب العدالة وإعادة توزيع الثروة، قبل أن تندلع الثورة وتتدفق أمواج الهجرات البشرية الباحثة عن لقمة العيش، وعن الاستقرار والشراكة الوطنية الناتجة عن إصلاحات بنيوية ترسم ملامح النظام العالمي القادم الجديد. إن البلدان والمدن والكتل الاقتصادية والمكونات الإنسانية المؤهلة لتجاوز هذه المحنة؛ هي تلك القادرة على استقبال المنتجات الهائلة لثورة الذكاء الصناعي.

دخل العالم -على خجل أو على مهل- مرحلة الاستشارات عن بعد، ربما تكون نجاعتها ما زالت متواضعة في كل بلد وفي كل منصة، ولكن هذا يعتمد -بشكل رئيسي- على نجاعة البنى التحتية اللازمة، وكذلك حجم المال المُستثمَر فيها، والأهم هو تصديقنا وقناعتنا بأن التحول هو الممر الإجباري الذي لا مفر منه للباحثين عن المستقبل. تكلفة المدارس والجامعات والمطارات -وغيرها من البنى التحتية الباهظة جداً في الإنشاء والمستنزفة في الصيانة- قد حان وقت تجاوزها

لقد بدأت مبادرات الرعاية الصحية عن بُعد منذ أكثر من عشرة أعوام، صحيح أنها كانت خجولة ونجاعتها محدودة إلا أن الفيروس الجديد والتطور المتسارع في منتجات الثورة الصناعية الرابعة -منذ خمس سنوات- قد فتحا الباب واسعا أمام التطبيقات المتعلقة بالاستشفاء عن بُعد، وكذلك التعلم أيضاً.

إن هذا الأمر الذي يستوجب الاستعجال في إنزال تقنية الاتصال "5G"، والحوسبة السحابية (cloud computing)، وتدفق المعلومات الهائلة. لقد أصبح الحلم بالتغلب على تخلف وسائل المواصلات كي تواكب التطور الهائل في الاتصالات قاب قوسين أو أدنى، وأصبح الطيران الكهربائي (e-craft) هو الناقل المرتقب المفضل لكونه الأكثر أمناً والأقل تلوثاً.

وسيتيح هذا البديل للمجموعات اختيار طائراتهم بحسب رغباتهم، ونقلاً كثيفاً لا ينفث السم الكربوني، ولا يحتاج إلى البنية التحتية (المطارات العملاقة) الهائلة الكلفة، وسيكون النقل الجديد غير ناقل للعدوى بسبب تجنب الازدحام في الطائرات والكثافة في المطارات.

ستكون هناك عملية "أوبرايزاشين" (مثل شركة "أوبر" في النقل البري)، لقد دخل العالم -على خجل أو على مهل- مرحلة الاستشارات عن بعد، ربما تكون نجاعتها ما زالت متواضعة في كل بلد وفي كل منصة، ولكن هذا يعتمد -بشكل رئيسي- على نجاعة البنى التحتية اللازمة، وكذلك حجم المال المُستثمَر فيها، والأهم هو تصديقنا وقناعتنا بأن التحول هو الممر الإجباري الذي لا مفر منه للباحثين عن المستقبل. تكلفة المدارس والجامعات والمطارات -وغيرها من البنى التحتية الباهظة جداً في الإنشاء والمستنزفة في الصيانة- قد حان وقت تجاوزها.

ليس الأمر مقتصراً على استشراف المستقبل وفهم احتياجات المواطنين المعاشية فقط، لأن العبور نحو المستقبل الآمن يحتاج إلى الرؤية الشاملة، التي تحقق الإجراءات الاستباقية بالنظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة والواقع الذي نعيشه، وتحقق الشراكة الحقيقية في صناعة القرار، وتضع حداً -وإلى الأبد- لمرحلة الاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي، وما ينشأ على شواطئهما من فساد واسع ودمار كبير.

الخلاصة: وماذا بعد؟ على مستوى الاقتصاد؛ بدأ البعض يبشر بنهاية العولمة بعد فشل النظرية والتجربة الرأسمالية، كما يبشر بالعودة التائبة إلى الاشتراكية الشمولية، وهؤلاء ببساطة يتمتعون بعاطفة رغائبية حالمة وغير قادرة على فهم التاريخ، فضلاً عن القدرة على ملء الفراغ أو المشاركة في قيادة العالم.

إذا كانت ثمة دول تعاني من أزمة ثقة بين حكامها وشعوبها؛ فإن التعايش مع أزمة طويلة الأمد يفرض التفكير بشكل مختلف في الحلول والأولويات. فهذا الفيروس الصغير كشف المستور، وفضح الخزعبلات ومزق الخرافات، ووضع النقطة في نهاية السطر

وتحدث آخرون عن نسخة جديدة من العولمة والرأسمالية القائمة على نفس المبادئ التي تأسست بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد فشل التجربة الشيوعية المركزية، والظاهر أن هؤلاء أيضاً لم يستفيدوا من الفرصة المرافقة للأزمة الاقتصادية التي ضربت قواعد الاقتصاد الرأسمالي المركزي عام 2008.

هذا المتعلق بالاقتصاد ولكن ماذا عن السياسة؟ إذا كانت ثمة دول تعاني من أزمة ثقة بين حكامها وشعوبها؛ فإن التعايش مع أزمة طويلة الأمد يفرض التفكير بشكل مختلف في الحلول والأولويات. فهذا الفيروس الصغير كشف المستور، وفضح الخزعبلات ومزق الخرافات، ووضع النقطة في نهاية السطر.

لتبدأ الحياة من جديد؛ فالمستقبل القادم بنظامه الجديد يشكل تحدياً للحكم الشمولي، ويخلو من الاستبداد السياسي والدجل الإعلامي والتوظيف الديني، ولا مكان فيه للهرطقات السياسية أو احتكار السلطة والقرار. إن ما بعد كورونا سيضع حداً للشعوذة السياسية والكذب والنفاق والدجل، ويغلق المسرح قبل أن يكتمل العرض لأن البضاعة المعروضة منتهية الصلاحية، وليست صالحة للعرض من جديد.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

غیّر فیروس كورونا العالم، وأثر على النسیج الاجتماعي، وقلب الأعمال، وھدد سلاسل التورید. الناس یخافون ویحتمون بمنازلھم، والآن على التكنولوجیا أن تساعد في معالجة الأمور والاستعداد لمستقبل أكثر نجاحًا صحة.

الأكثر قراءة