المشرق العربي.. ساحة معركة إقليمية ودولية (3-5)

epa05350482 Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu (L) and Russian President Vladimir Putin (R) attend a joint news conference following their talks in the Kremlin in Moscow, Russia, 07 June 2016. Benjamin Netanyahu is on an official visit in Russia on the occasion of the 25th anniversary of the establishment of diplomatic relations. EPA/MAXIM SHIPENKOV / POOL

المشهد الإقليمي
تحديات وفرص

أثار نقل روسيا الصراع الجيوسياسي إلى سوريا وباقي دول المشرق العربي، وتمدد الصين التجاري والاستثماري، ردود فعل غربية وأميركية بشكل خاص، لاعتبارات تتعلق بالتوازن الدولي وتبعاته السياسية والاقتصادية، وانعكاسه على النظام الدولي القائم وآليات عمله.

ولّد هذا النقل للصراع شبكة معقدة من التناقضات والتقاطعات، في ضوء وجود دول إقليمية متنافسة على الهيمنة والسيطرة في المنطقة (إسرائيل وإيران وتركيا)، وأخرى تسعى لحماية أنظمتها من تبعات هذا التنافس بالعمل على تطويق الصراعات، واحتواء مترتباتها واللعب في هوامشها لإبعاد نيرانها عنها (السعودية والإمارات وقطر)، وجعل دول المشرق العربي ساحة لتصفية الحسابات وفرض الإرادات والمصالح.

المشهد الإقليمي
تبنت إسرائيل -منذ أن أقامتها الحركة الصهيونية على أرض فلسطين- إستراتيجية إضعاف المحيط العربي (عدوها القومي)، عبر العمل على تقسيم دوله على أسس دينية ومذهبية وقومية، لتبرير قيام دولتها على أساس ديني، والتحالف مع دول الجوار غير العربية (تركيا إيران وإثيوبيا) لإضعاف الدول العربية المحيطة بها.

خاضت إسرائيل حروبا مع الدول العربية: حرب الـسويس 1956 مع مصر، وحرب يونيو/حزيران 1967 مع مصر وسوريا والأردن، وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 مع مصر وسوريا، واحتلت عام 1982 جزءا واسعا من أرض لبنان فاستمر احتلالها له إلى عام 2000.

ونجحت من خلال هذه الحروب في عقد تسويات مع مصر باتفاقية كامب ديفد 1979، والأردن باتفاقية وادي عربة 1994، وعقدت اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، لكنها لم تلتزم بمقتضياتها بل حوّلتها إلى غطاء للاستيطان وتدمير الاجتماع الفلسطيني وكيانه السياسي.

تبنت إسرائيل إستراتيجية جديدة قائمة على اختراق الرفض العربي، وتقديم إغراءات تقنية وأمنية واقتصادية للأنظمة العربية، مستغلة الخلافات البينية وفقدان الشرعية الشعبية لأغلبها، وثقل الولايات المتحدة في هذه الدول؛ وأقامت علاقات تجارية وأمنية مع عدد منها محوِّلة حالة اللاحرب واللاسلم وتفكك الإجماع العربي على مركزية القضية الفلسطينية إلى طوقٍ لخنق الفلسطينيين وإنهاء حلم قيام دولة فلسطينية مستقلة

تبنت إسرائيل بعد ذلك إستراتيجية جديدة قائمة على اختراق الرفض العربي، وتقديم إغراءات تقنية وأمنية واقتصادية للأنظمة العربية، مستغلة الخلافات البينية وفقدان الشرعية الشعبية لأغلبها، وثقل الولايات المتحدة في هذه الدول؛ وأقامت علاقات تجارية وأمنية مع عدد منها محوِّلة حالة اللاحرب واللاسلم وتفكك الإجماع العربي على مركزية القضية الفلسطينية إلى طوقٍ لخنق الفلسطينيين وإنهاء حلم قيام دولة فلسطينية مستقلة؛ وفرصةٍ للتمدد السياسي والاقتصادي والأمني في الدول العربية.

غير أن تحقيق حلمها بالانفراد بالهيمنة على المنطقة -الذي بدت مؤشراته بانهيار القوة العربية، ودخولها في حالة انعدام وزن في ظل غياب فكرة حافزة وصراع الأنظمة العربية على الزعامة- اصطدم بقوتين إقليميتين طامحتين: إيران وتركيا.

فقد تبنت الأولى -تحت تأثير هواجس ومخاوف من الخارج- إستراتيجية هجومية بخلفية عقائدية تحت شعار "تصدير الثورة" و"نصرة المستضعفين"، الأولى موجهة للدول الإسلامية والثانية موجهة للدول الأجنبية؛ وحوّلتها إلى التزام رسمي بإدراجها في نص الدستور.

لكن فشل إيران في "تصدير الثورة" وانخراطها في حالة عداء مزمن مع الولايات المتحدة، دفعاها إلى تغيير تكتيكها من الاستقطاب إلى الاختراق؛ باستثمار المظلومية الشيعية وربط المواطنين الشيعة بها عبر المطالبة بحقوقهم المشروعة؛ وتوظيفها في كسب موطئ قدم في الدول التي ينتمي قسم وازن من مواطنيها إلى المذهب الشيعي الاثني عشري (المذهب الرسمي في إيران).

كما وظفت قدراتها المالية الضخمة في تشييع مواطنين جدد لتوسيع نفوذها وزيادة قدرتها على التأثير، واستثمار استتباعهم في إقامة كيانات سياسية ومليشيات مذهبية وتدريبها وتسليحها للعب دور مخلب قِطّ في هذه الدول، مع التركيز على دول جوار فلسطين.

وسعت إلى تحويل هذه الكيانات والفصائل الفلسطينية التي استقطبتها -عبر الدعم العسكري والمالي الضخم- إلى قوى رديفة، واستخدامها في حروب بالوكالة ولعب دور أطواق لحماية الأمن القومي الإيراني، وأداة ضغط على الولايات المتحدة لردعها عن مهاجمتها وإسقاط نظامها عن طريق التهديد بالانتقام من طفلتها المدللة: إسرائيل.

تحديات وفرص
وقد أدت هذه الإستراتيجية دورا كبيرا في الإنجازات التي حققها النظام الإيراني في الخارج القريب: اختراق أكثر من دولة عربية، والسيطرة على جزء هام من قرارها الوطني (يتباهى قادة إيرانيون بالسيطرة على أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وبعودة الإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد)، واستخدامها ورقة في المساومات والمقايضات السياسية مع القوى الإقليمية والدولية.

وهو ما حوّلها إلى تحدٍّ لإسرائيل وفرصة في آنٍ؛ فهي تحدّ لكونها خطرة، خاصة مع تطور قدراتها العلمية والعسكرية: البرنامج النووي والصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة؛ وفرصة لأنها أثارت مشكلات أمنية واجتماعية للدول العربية، بتفجير صراعات طائفية بين مواطنيها وتمزيق سلمها الأهلي، فتحوّلت إلى العدو الأول لهذه الدول مما خفف حدة عدائها لها على قاعدة "عدو عدوي صديقي".

أما الثانية (تركيا) فقد تحوّلت -تحت حكم حزب العدالة والتنمية- من حليف لإسرائيل إلى منافس مزعج لها على النفوذ والسيطرة، على خلفية تبني النظام الجديد -لاعتبارات عقائدية إسلامية- الدفاع عن مطالب الفلسطينيين وحقوق المسلمين في القدس، فصار منافسا خطرا، خاصة بعد تحقيقه إنجازات اقتصادية كبيرة، وتحسينه قدرات تركيا العسكرية، وانفتاحه سياسيا واقتصاديا على دول الجوار العربي.

تعاطت إسرائيل مع التحدي التركي سياسيا ودبلوماسيا، واستثمرت في خلافاته مع خصومه الإقليميين: مصر والسعودية والإمارات، على خلفية تبنيه ودعمه لحركات الإخوان المسلمين والتنافس على قيادة العالم السني؛ وفي خلافاته مع اليونان وقبرص اليونانية، على خلفية القضية القبرصية والمياه الاقتصادية والتنقيب على الغاز في حوض شرق المتوسط

هذا بجانب تحوّله إلى نموذج ملهم لقطاعات شعبية وسياسية عربية، باعتباره قوة سنية موازنة لإيران الشيعية التي لعبت على الخلاف المذهبي، وأثارت الفتن والفوضى ودمرت الاستقرار الهش في عدد من الدول العربية؛ وتبنيه تصورا إستراتيجياً قائما على تعزيز دوره ونفوذه في المجالين العربي والإسلامي، بالاعتماد على قوته الناعمة والصلبة والتاريخ المشترك خلال الفترة العثمانية تحت شعار العثمانية الجديدة، ودعمه لثورات الربيع العربي وما تحمله من قوة تغيير وتحديث.

وعلاوة على ذلك؛ نجحت تركيا في إقامة علاقات تعاون وتجارة مع عدد كبير من دول المنطقة والعالم، وبناء قاعدتين عسكريتين واحدة في قطر وأخرى في الصومال، ووقعت مذكرة تفاهم عسكرية مع الحكومة الليبية المعترف بها دوليا.

ولكن إسرائيل -في ضوء الفارق بين التحديين- اعتمدت مقاربة سياسية وعسكرية مع التحدي الأول (الإيراني)، عبر تحريض دولي ضد عدوانيته ومخاطر مشروعه النووي والتجسس عليه والتشهير بطبيعته، واغتيال العلماء النوويين، وقصف مواقع إيرانية وأخرى تابعة لطهران مقامة على الأرض السورية والعراقية.

في حين تعاطت مع التحدي الثاني (التركي) سياسيا ودبلوماسيا، واستثمرت في خلافاته مع خصومه الإقليميين: مصر والسعودية والإمارات، على خلفية تبنيه ودعمه لحركات الإخوان المسلمين والتنافس على قيادة العالم السني؛ وفي خلافاته مع اليونان وقبرص اليونانية، على خلفية القضية القبرصية والمياه الاقتصادية والتنقيب على الغاز في حوض شرق المتوسط.

فقد شكلت إسرائيل مع مصر واليونان وقبرص اليونانية تحالفا لاستثمار الغاز وتصديره، وهو ما دفع تركيا للرد عليه عبر توقيع مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية، لتأمين غطاء قانوني لمطالبها المتعلقة بالتنقيب عن الغاز في الحوض الشرقي للمتوسط.



حول هذه القصة

U.S. President Donald Trump and Russia's President Vladimir Putin shake hands as they meet in Helsinki, Finland July 16, 2018. REUTERS/Kevin Lamarque TPX IMAGES OF THE DAY

أعطت أميركا أولوية لمواجهة التحدي الصيني باعتباره التهديد الداهم والخطير، ووضعت “إعادة التوازن بآسيا والهادئ” بصدارة سلّم أولوياتها لوقف تمدد الصين واحتوائه، قبل أن يكسر التوازن القائم في الشرق الأقصى.

General view of the Gulf Cooperation Council (GCC) summit in Mecca, Saudi Arabia, May 30, 2019. Picture taken May 30, 2019. Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY

كاد الخليج العربي أن يودع 2019 بنبرة تفاؤلية نحو عام جديد؛ ففي الربع الأخير من العام كان التصعيد الأميركي/الإيراني انخفض لأدنى مستوياته، وبدأ الحديث عن مفاوضات سعودية/قطرية لحل الأزمة الخليجية.

blogs قمة كوالالمبور

استضافت ماليزيا القمة الإسلامية تحت عنوان: “دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية”؛ وشاركت فيها ماليزيا وتركيا وإيران وقطر بمستوى رئيس الدولة، بينما شاركت 18 دولة أخرى رسميا لكن بمستويات مختلفة.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة