يوميات العربي الحزين في زمن كورونا

لدى المصريين مخاوف من أن يكون عدد الإصابات بكورونا أكثر مما تعلنه السلطة بكثير (غيتي)

في حين يبدو العالم مشغولاً بكيفية التعاطي مع تداعيات الأزمات المركّبة الناجمة عن فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد-19)؛ لا يزال القوم في بلاد العرب يتصارعون ويتحاربون وكأن شيئاً لم يحدث.

ولا يبدو أن أحداً من مسؤولي العرب قد اتّعظ أو تعلّم، أو أظهر استعدادا للتعلم والاتعاظ والتفكّر فيما فعله -ولا يزال يفعله- هذا الفيروس بالعالم، حيث قلب الحياة رأساً على عقب.

ففي بلد عربي يقوده شاب مغامر؛ تقوم قواته بقتل مواطن، لمجرد أنه رفض أن يترك أرضه ومنزله لصالح مشروع اقتصادي ضخم، يسعى هذا الشاب الأرعن لإقامته. وفي بلد آخر؛ يتم اعتقال واحتجاز مواطنين لمجرد أنهم رفعوا الأذان بأحد المساجد دون إذن من السلطات. وفي بلد عربي ثالث؛ لا تتوقف الطائرات عن قصف المدنيين ومؤسساتهم من مدارس ومستشفيات وأسواق… وهكذا.

لا يعتبر الحكام والمسؤولون والسياسيون العرب من فاجعة كورونا، وما تفعله بالأفراد والأسواق والممتلكات شرقاً وغرباً، ويظن أغلبهم أنه في مأمن من الفيروس وتداعياته. أحدهم شارك في اجتماع قبل فترة مع كبار مسؤوليه، وبعد أن اكتشف إصابة بعضهم عزل نفسه مدة أسبوعين، ثم خرج على الناس منتشياً ومتوعداً، ومواصلاً كذبه وقمعه.

بينما قامر آخر بثروات بلاده، ودخل في حروب اقتصادية مع قوى عظمى برعونة وحماقة توشك أن تبدّد ثروات بلاده، وذلك دون حسيب أو رقيب. في حين لا يزال ثالث غارقا في غيّه، يمارس هوايته المفضلة في تأجيج الصراعات وتمويلها، ودعم الطغاة وأمراء الحروب، وتزويدهم بالمال والسلاح، من أجل استمرار مسلسل الخراب في المنطقة.

لا يعتبر الحكام والمسؤولون والسياسيون العرب من فاجعة كورونا، وما تفعله بالأفراد والأسواق والممتلكات شرقاً وغرباً، ويظن أغلبهم أنه في مأمن من الفيروس وتداعياته. أحدهم شارك في اجتماع قبل فترة مع كبار مسؤوليه، وبعد أن اكتشف إصابة بعضهم عزل نفسه مدة أسبوعين، ثم خرج على الناس منتشياً ومتوعداً، ومواصلاً كذبه وقمعه

ورغم النداءات المستمرة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، من أجل وقف الصراعات والحروب، وإعلان وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء العالم لإعطاء فرصة للتعاطي مع كورونا؛ فإن صراعات المنطقة تزداد التهاباً وسخونة، سواء في سوريا أو ليبيا أو اليمن. هذا عن الصراعات الكبرى؛ أم الصغرى فحدث ولا حرج، فهي مستمرة بل ومتزايدة في زمن كورونا.

فالعربي "العادي" يبدأ يومه بالصراع والمناكفة والمكابدة، سواء مع ظروف المعيشة التي قد تدفعه مضطراً للخروج والعمل من أجل البقاء على قيد الحياة، أو مع بيروقراطية بلاده التي لا هدف لها سوى تأديبه وتركيعه تحت أقدام الدولة.

خذ مثلاً ما يحدث في مصر؛ فرغم تقييد الحركة وفرض حظر التجول فإن مشاهد الازدحام لا تتوقف، سواء في المواصلات العامة والخاصة، أو في المصالح الحكومية، أو في الأسواق والمتاجر. وكأنه لا يوجد وباء عالمي ينتشر ويزداد بسبب التجمعات البشرية!! وهو ما يحدث أيضا في بلدان أخرى مثل لبنان والعراق والسودان والمغرب والجزائر.

فالحياة تبدو طبيعية، ليس لأن هذه هي رغبة المواطنين، ولكن لأن هذه هي حياتهم وظروفهم التي يضطرون للتعاطي معها؛ فكثير من المواطنين العرب "العاديين" لا يملكون رفاهية العزل المنزلي أو البقاء في البيوت، والاستمتاع بوسائل التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة "نيتفليكس" وغيرها من منصات الأفلام، من أجل قضاء تمضية وقتل وقت فراغهم.

بل على العكس؛ هم مضطرون للنزول والخروج والمغامرة بأنفسهم من أجل لقمة العيش، هم في صراع يومي أكبر من صراعهم مع كورونا، وهو صراع من أجل الوجود والبقاء. لا يضير أحدهم احتمالات إصابته بالفيروس إذا غامر بالخروج، ولكنه حتماً سيصاب بالأذى إذا لم يخرج لكسب قوت يومه، أو هكذا يقول لنفسه!

يخرج أحدهم من منزله وهو يحمل معه شعار "من لم يمت بالفيروس، مات بغيره". خذ مثلاً مشهد عشرات المصريين العالقين في أكثر من بلد عربي وأجنبي، سواء بسبب رفض بلادهم استقبالهم، أو بسبب تكاليف الحجر الصحي الباهظة عند عودتهم للبلاد والتي تصل لآلاف الجنيهات.

كثير منهم من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة الذين سافروا طلباً للرزق، ويعيشون ظروفاً اقتصادية ومالية صعبة. بعضهم يرغب في العودة ليس من أجل الحياة، وإنما كي يموت بين أهله وعائلته. تسمع استغاثتهم وتوسلاتهم فيتملكك الضيق والحزن.

مسكين ذلك العربي الحزين الذي لا يملك من خيارات البقاء على قيد الحياة الكثير. وهو الآن في موقف لا يُحسد عليه؛ فإذا كانت كورونا أمامه كخطر محتمل، فإن الحروب والصراعات والقمع -ومعهما الخوف والجوع والفقر- تقف خلفه خطرا مؤكدا وموجودا فعلا

وتتابع مشاهد الأطباء والممرضين وغيرهم من الأطقم الطبية وهم لا يملكون الحد الأدنى من المعدات اللازمة لمكافحة الفيروس، بينما حكّام وإعلام بلادهم يتباهى بصفاقة بإرسال مساعدات طبية وطائرات لنقل مواطنين دول غربية، دون أية مراعاة لاستغاثات أبنائهم، وذلك في مشهد مُشين أخلاقياً وإنسانياً.

كما يهزّك أيضا مشهد الطفل المغربي زياد يوسف الذي أصيب بكورونا بعد أن فقد والدته بأيام، فتشعر بالحزن عليه وعلى عائلته التي أصابها الهمّ والضيق مما وقع. وهي مشاهد أصبحت عادية من كثرة تكرارها، تماما مثل مشاهد التدمير والقتل في سوريا التي باتت وكأنها شيء "عادي".

مسكين ذلك العربي الحزين الذي لا يملك من خيارات البقاء على قيد الحياة الكثير. وهو الآن في موقف لا يُحسد عليه؛ فإذا كانت كورونا أمامه كخطر محتمل، فإن الحروب والصراعات والقمع -ومعهما الخوف والجوع والفقر- تقف خلفه خطرا مؤكدا وموجودا فعلا. وهو مضطر لأن يختار بين كلا الخطريْن، طالما أن النهاية واحدة؛ أو هكذا يقول لسان حاله.