مقالات

المجتمع المدني في تركيا مكمل للدولة وليس منافسا لها

رغم أنّ تركيا ليست هي الدولة الأغنى في العالَم؛ فإنّها -في السنوات الأخيرة- احتلّت المرتبةَ الأولى عالميًّا في إرسال المساعدات الإنسانية. وهذا التقدم في مجال المساعدات الإنسانية في تركيا كان متوازيا مع تقدُّمها في كثير من المجالات الأخرى، ولكن تقدُّمها في المجال الإنساني بدا للآخرين أكثر وضوحا من غيره.

إن جزءًا مهمًّا من المساعدات الإنسانية تُبذَل لتقديم الخدمات للّاجئين الماكثين في الأراضي التركية بسبب الأزمات في بلادهم. فالفارّون من سوريا وكثير من الأشخاص العرب يفضِّلون اللجوء إلى تركيا ليجدوا فيها النهج الإنساني والملاذ الآمن.

ولكن تركيا -في الوقت نفسه- ترسل المساعدات الإنسانية إلى كل منطقة في العالم تعاني من أزمة؛ ومن ذلك أنّه قبل عشر سنوات تقريبا -عندما كانت الصومال تعاني من انهيار مؤسساتها- سارعت تركيا إلى الصومال ومدّت إليها يد العون، فاستجمعت الصومال قواها وانتعشت من جديد؛ كما هو معلوم.

في الواقع؛ إن الوجود التركي في الصومال يعطي لأي دولة نموذجا عن العلاقة المفيدة مع تركيا في جميع جوانبها. وإن المقارنة مع أشكال التدخل التي تقوم بها إيران والسعودية والإمارات -في بعض البلدان- ستعطينا أيضا نموذجا مختلفا وذا مغزى كبير.

فلو نظرنا إلى البلدان التي تحاول هذه الدول التدخل فيها، أو اختراقها وبسط نفوذها عليها (طبعا مع المنافسة فيما بينها على هذا النفوذ)؛ فسنرى أنّه يتم تدمير هذه البلدان مع الأسف، وحتّى إن بقي هناك نوع من الانتظام في دولة ما فإنها تُقاد إلى حرب أهلية أو انقلابات، ويتم دفعها إلى فوضى كاملة كما نرى في اليمن وليبيا ومصر والعراق وسوريا ولبنان.

وفي الحقيقة؛ إذا كان تنافُسُ هذه الدول من أجل السيطرة ومدّ النفوذ في بلد ينتج عنه تخريب محقَّق لذلك البلد؛ فما هو الشيء الذي ستربحه هذه الدول؟ في حين أنّ تركيا عندما تربطها علاقة بأي بلد فإنه لا يتمّ شيء غير إعمار هذا البلد.

إن جزءا مهمًّا من المساعدات التركية الخارجية يتحقق بالأنشطة التطوعية من شعبها، ففي تركيا ثمة انسجام وتناغم بين الدولة والمجتمع قلّ نظيره، وهذا يمنح الدولة رؤيةً بصيرةً إضافة إلى القوّة، وهذه الحالة المتناغمة تنطوي على سرّ مهم لنجاح تركيا وحمايتها منذ ثمانية عشر عاما

على كل حال، هذا موضوع آخر؛ أمّا موضوعنا الأساسي فهو المساعدات الإنسانية التركية المقدمة إلى الخارج، والتي تتم بالتعاون بين الدولة والمجتمع المدني في تركيا.

في الواقع؛ إن جزءا مهمًّا من المساعدات التركية الخارجية يتحقق بالأنشطة التطوعية من شعبها، ففي تركيا ثمة انسجام وتناغم بين الدولة والمجتمع قلّ نظيره، وهذا يمنح الدولة رؤيةً بصيرةً إضافة إلى القوّة، وهذه الحالة المتناغمة تنطوي على سرّ مهم لنجاح تركيا وحمايتها منذ ثمانية عشر عاما.

إن قوة المجتمع المدني في دولةٍ ما هي قوة لذلك المجتمع وللدولة معا، وإنّ المجال الذي تُفسحه الدولة لمنظمات المجتمع المدني يعكس ثقة الدولة بنفسها وبالمجتمع. أمّا الدولة التي لا تملك الثقة بذاتها فإنّها ترتاعُ من منظمات المجتمع المدني، وتخشى أن تشكّل بديلا عنها، وتتخوّف من قوة منظمات المجتمع المدني وتشعر بتهديد أمنها.

ففي الماضي عندما اختطف الانقلابيون إرادة الشعب في تركيا واغتصبوا الحُكم، وجثموا على صدور الشعب، كما ذكرنا من قبل؛ كانت الدولة آنذاك خائفة -بشكل جنوني- من أنشطة المجتمع المدني، وتحاول قمْع هذه الأنشطة.

ففي زلزال 17 أغسطس/آب المدمر الذي ضرب منطقة مرمرة؛ لم تقدّم الدولة المساعداتِ للمواطنين المنكوبين الذين كانوا بعشرات الآلاف، فسارعت مؤسسات المجتمع المدني بالعمل التطوعي لإنقاذ الجرحى وتوزيع الإغاثات؛ ولكن الدولة قاضَت هذه المنظمات المجتمعية ووجّهت إليها اتهامات بالسعي للقيام بأعمال "تجعل الدولة تبدو ضعيفة".

في حين أنّه حاليا يتم التنسيق والتعاون بين الجهات الحكومية التركية ومؤسسات المجتمع المدني في العديد من المجالات؛ على شكل أنشطة خيرية، أو بإجراء الفعاليات الثقافية والاجتماعية الأخرى.

إن المنظمات الإغاثية التركية في الخارج مثل "وقف إغاثة الإنسان (IHH)"، ومنظمة "أطباء الأرض"، وجمعية "منارة البحر"، وجمعية "جانسيو- للتضامن والتعاون"، وجمعية "ياردملي- للإغاثة الإنسانية حول العالم"، وجمعية "صدقة تاشي" وغيرها؛ كلّها منظمات وجمعيات إغاثية غير حكومية البتّة، وتقدم مساعدات إنسانية صادرة من قلوب الشعب التركي إلى معظم مناطق الأزمات في العالم.

وتشمل فعالياتها إيصال المساعدات المباشرة إلى المناطق التي تتضور جوعا، بالإضافة إلى مشاركتها في أنشطة مثل: حفرِ آبار المياه في المناطق التي تعاني العطش وتعيش أزمة مياه بأفريقيا، وتقديمِ الخدمات الصحية بإجراء جراحات العيون والفحوص الصحية وغيرها، وهم يشاركون في أنشطة مثل تحويل الكثير من الفقراء إلى أصحاب أعمال، وخاصة عبر برامج دعم المشاريع الصغيرة الدائمة.

وثمة أعداد كبيرة من الشباب التركي ينضوون في هذه الأنشطة الخيرية التطوعية؛ إذ تهيّئُ لهم أرضيةَ تدريب جادةً لنشاط إيجابي للغاية. وبالتالي، بدلاً من إغراق الشباب التركي في التدريب بشكل إيديولوجي؛ يتم تعليمهم في إطار يركز على العمل المفيد بشكل عملي بنّاء.

وإلى جانب هذه المنظمات المدنية؛ فإنّ منظمات مثل "الهلال الأحمر التركي" و"آفاد" و"تيكا" هي أيضا منظمات إغاثية وإنمائية، وتصطفّ في جيش المساعدات الإنسانية التركي؛ إن جاز التعبير.

فالمساعدات التي قُدّمت لنصرة ومساعدة الشعب الصومالي كانت -بشكل كامل تقريبا- من التبرعات الشعبية التركية، والدولة نظّمتها بنجاح ووجّهتها فقط.

والتناغم بين الدولة والمجتمع التركي الذي يعيش خارج تركيا قوي أيضا، بل لعله أقوى مما هو في الداخل، وبفضل ذلك يمكن التغلب على الكثير من المشكلات.

إذا كنتَ اليوم تلاحظُ تميُّزَ تركيا وتفوّقها على جميع دول العالم في مواجهة وباء كورونا (كوفيد-19)؛ فإنّ نصيبا كبيرا من هذا النجاح يعود إلى التعاون بين الدولة والمجتمع؛ فقد تم حشْد الشعب في تركيا بقوة لمساعدة بعضه البعض في هذه الأزمة، وخاصة الناس الأكثر تضررا

إن الدولة التركية -مع جميع الأزمات- نجد عملها في أعلى درجات التنظيم، ولا سيما في مجال المساعدات الإنسانية، ففي جميع الزلازل أو الكوارث الطبيعية رأينا -حتى الآن- أنه يتم إيصال المساعدات اللازمة للمتضررين بسرعة؛ بفضل التعاون بين الدولة والمجتمع. واليوم إذ تستضيف تركيا نحو أربعة ملايين من إخواننا السوريين؛ نرى الحِملَ الأكبر يأتي من مساهمات المجتمع.

وبعبارة أخرى؛ رغم أن السوريين ليسوا من مواطني تركيا فإنهم ضيوفٌ مُرحَّب بهم ويعيشون مع شعب هذه الدولة. وعلاوة على المنظمات الكبيرة المذكورة أعلاه؛ فإنّ مئات التجمعات والجمعيات والمنظمات غير الحكومة تهتم بشؤون إخوتنا السوريين، بدون أي صوت أو ضجة.

إنّ الدولة عندما تتماشى مع قيم الناس الذين تحكمهم، وعندما تكون ممثلة لقيم هذا الشعب وراعية لها، بدلا من محاولة السيطرة عليه والاستبداد به واستبدال قيمه؛ فإنّها تملك أفئدة الشعب وتكون لها مكانة في قلوبه، وقد بدا هذا جليّا ليلة محاولة الانقلاب الفاشل (15 يوليو/تموز 2016).

ففي تلك الليلة -التي كان فيها الانقلابيون يحاولون الإطاحة بالحكومة التركية- لم يكن من الحكومة إلّا أن تحصَّنت بشعبها الذي تمثّله وترعاه، ودعت الشعب إلى النفير ضد الانقلاب، فخرج الشعب يحمي الدولة كما لو كان يحمي نفسه.

وهكذا؛ فإن الناس الذين احتضنوا دولتهم -التي تخصهم شخصيا من بين كل دول العالم- خرجوا من بيوتهم ليلا لحماية دولتهم، وكان العالم كله يرى -في تلك الليلة- كيف كانوا على استعداد -إذا لزم الأمر- لمواجهة الدبابات والرصاص وقصف الطائرات وجها لوجه؛ لأجل بقائهم وبقاء دولتهم.

واليوم؛ إذا كنتَ تلاحظُ تميُّزَ تركيا وتفوّقها على جميع دول العالم في مواجهة وباء كورونا (كوفيد-19)؛ فإنّ نصيبا كبيرا من هذا النجاح يعود إلى التعاون بين الدولة والمجتمع؛ فقد تم حشْد الشعب في تركيا بقوة لمساعدة بعضه البعض في هذه الأزمة، وخاصة الناس الأكثر تضررا.

والشعب التركي إذ يرى الدولة تفعل لأجله قصارى جهدها بكل إخلاص وصدق؛ فإنّه حتما سيقف مع دولته جنبا إلى جنب من جديد، وسيتكاتف ويطلق أقوى الأجسام المضادة "الاجتماعية" ضد هذا الفيروس.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

تُطلعنا الصورة المقدمة لمكافحة فيروس كورونا على تفاصيل تتعلق بالتكامل الاجتماعي وثقافة التضامن في كل بلد، وكذلك على مستوى التكامل بين الدولة والمجتمع، وإنّ أصالة الأمّة تظهرها مواقفها في الكوارث.

الأكثر قراءة