مقالات

الإمامة من "أصول الدين" إلى "السياسة الشرعية"

يقدم التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر عِبَراً دالّة على مقدار الضرر الذي ترتب على نقل قضية الإمامة من مجال السياسة الشرعية -أو المصالح المرسلة بالتعبير الفقهي الأصولي- إلى مجال العقيدة.

فقد كان ذلك النقل السبب الرئيس في عدم الاستقرار السياسي الذي عرفه المجتمع الأول في عصر الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ترتب على ذلك من قيام علم الجدل في العقيدة، أو ما يعرف بـ"علم الكلام".

واليوم يعيد التاريخ نفسه عندما نُقِلت مسألة الحكم من مجال السياسة الشرعية إلى مجال العقيدة، من خلال الحمولة الجديدة التي أخذها مفهوم الحاكمية عند سيد قطب، ومن خلال التفسير الخاص بأبي الأعلى المودودي "للمصطلحات الأربعة"، أو من خلال ما يسميه أبو الحسن الندوي "التفسير السياسي للإسلام". ولذلك؛ فإن إعادة قضية الإمامة أو القضية السياسية إلى مجالها وحجمها الحقيقي يشكل أحد مداخل نظرية الإصلاح.

يقدم ابن خلدون تفسيرا اجتماعيا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأئمة من قريش»، ويؤوّله تأويلا يخرجه من المجال الشرعي الملزم إلى مجال السياسة الشرعية. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد هنا مبدأ شرعيا يجعل من الانتماء القبلي القرشي شرطا دائما ثابتا لإمامة المسلمين، بقدر ما كان ينبه على مبدأ من المبادئ الضامنة للمشروعية الاجتماعية، والمَنَعَة الضرورية لتحقيق الاستقرار السياسي اللازم للدولة، وهذا التأويل ينسجم مع نظرية العصبية التي يعتمدها ابن خلدون أساسا لتفسير حركية التاريخ الإسلامي.

وتوفير تلك المنعة ضروري في نظر ابن خلدون، ليس فقط للنظام السياسي، بل وأيضا للدعوة الدينية التي أتى بها الأنبياء، كما أنه يرى أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، وأن "كل أمر تُحمل عليه الكافة لا بد له من العصبية".

كان من الأولى للعلماء النظر إلى القرشية -كشرط في الإمامة- باعتبارها تقديرا مرتبطا بمراعاة المصلحة، وقضيةً من قضايا السياسة الشرعية. ومما يؤكد ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة من بعده، وأن أمر اختيار الخلفاء كان أمرا اجتهد فيه المسلمون، فاختلفت آليات الانتخاب من خليفة لآخر

وفي الحديث الصحيح «ما بعث الله نبيا إلا في مَنَعَة من قومه». وإذا كان هذا في الأنبياء -وهم أولى بخرق العوائد- فما ظنك بغيرهم ألّا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية".

ولا يهمنا مدى صحة ذلك التأويل وصلاحيته في تفسير كل مراحل التاريخ الإسلامي، كما أننا لا نقف عند نظرية العصبية؛ بقدر ما يهمنا توجيه ابن خلدون للحديث المذكور توجيها جعل من قضية الإمامة قضية سياسية اجتهادية، أي موضوعا من موضوعات السياسة الشرعية، وليس من موضوعات العقيدة.

ويشهد لهذا التوجيه تمييز عدد من العلماء بين تصرفات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة وتصرفاته بالقضاء وتصرفاته بالفتيا وتصرفاته بالإمامة، كما أن الوفاء -من الناحية الواقعية- بهذا الشرط في الإمام -مع اتساع رقعة الإسلام وتعدد دولها وتباعد الشقة بينها وبين الجزيرة العربية- صعب إن لم يكن مستحيلا.

إذ لا يُتصوَّر كيف يمكن وجود العنصر القرشي الأفضل دينا والأكثر أحقية للإمامة في جميع الأمصار وفي جميع العصور. ولذلك كان من الأولى النظر إلى القرشية -كشرط في الإمامة- باعتبارها تقديرا مرتبطا بمراعاة المصلحة، وقضيةً من قضايا السياسة الشرعية.

ومما يؤكد ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة من بعده، وأن أمر اختيار الخلفاء كان أمرا اجتهد فيه المسلمون، فاختلفت آليات الانتخاب من خليفة لآخر، فقد رشح عمر رضي الله عنه في اجتماع السقيفة سيدنا أبا بكر رضي الله عنه لخلافة النبي صلى الله عليه وسلم، فقبله أهل المدينة برضاهم.

أما سيدنا أبو بكر فقد أوصى باستخلاف سيدنا عمر وجمع الناس في المسجد النبوي طالبا مصادقتهم، مبينا أنه لم يوّلِّ ذا قرابة وأنه اجتهد في اختيار أفضل من يكون له الأمر بعده، فقبل الناس وبايعوا سيدنا عمر بطواعية.

وتتقدم طريقة اختيار الخليفة خطوة مع سيدنا عمر، حيث أنشأ مجلسا انتخابيا قبل وفاته، يكون من ستة أشخاص رأى عمر أنهم أكثر الناس تأثيرا وقبولا، وهو المجلس الذي فوض لسيدنا عبد الرحمن بن عوف أمر اختيار الخليفة، فتنقل في الناس حتى إنه سأل القوافل العائدة من الحج والنساء في خدورهن، فوجد أن الناس يميلون إلى سيدنا عثمان، فكانت بيعة عثمان رضي الله عنه في مجلس عام.

وكذلك كان الشأن لعلي رضي الله عنه، حيث ذهب إليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل المدينة قائلين: "لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ (تاريخ الطبري).

فرفض علي رضي الله عنه، ولكنهم أصروا فقال لهم عند ذلك: "ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين"، فاجتمع الناس في المسجد النبوي وبايعه كل المهاجرين والأنصار، ولم يمتنع إلا قلة من الصحابة، ولكنه امتناع لا يؤثر في صحة خلافته أو في شرعيتها، حيث الأغلبية العظمى قد رضيت وبايعت.

غير أن الأحداث -التي تلاحقت بعد ذلك وأخذت شكل حرب طاحنة وانتهت بمقتل سيدنا علي رضي الله عنه- كانت سببا في انتقال التفكير في مسألة الإمامة من دائرة السياسة الشرعية إلى دائرة النقاش العقدي، بل يمكن اعتبار استشهاد علي رضي الله عنه نتيجة مباشرة لذلك التحول.

فقد رفع الخوارج شعار "لا حكم إلا لله"، وانطلاقا من ذلك الشعار كفّروا الفريقين المتحاكميْن (علي ومعاوية) لأنهم "حكمّوا البشر" وتركوا "حكم الله"، وهكذا ظهرت أولى القضايا التي سيتأسس عليها مبحث "علم الكلام"، وهي قضية "مرتكب الكبيرة"، ولم تكن الكبيرة في بدايتها إلا كبيرة "التحاكم لغير الله".

وكانت الشيعة من أكثر المذاهب التي رسخت ذلك الانتقال لمسألة الإمامة من دائرة "المصلحة المرسلة" إلى "دائرة أصول الدين"؛ فقد قرروا أنه لا بد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نصّ على من سيخلفه، وأن كل إمام جديد يجب أن يعيَّن بنص سابق.

كثير من الكوارث التي عرفها عالمنا الإسلامي في السنوات الأخيرة كالتطاحن بين الفصائل الإسلامية في أفغانستان، أو الخلافات الحادة حول المسألة السياسية، وحول الموقف من الأنظمة وطريقة التعامل معها، والتي تفرِّق الحركات الإسلامية في بعض البلاد الإسلامية، وتعرقل كل خطوة من خطوات الوحدة والتقارب بين الاتجاهات الإسلامية؛ كل ذلك يشهد على أن العقل الإسلامي محكوم بالتفكير في السياسة بمفردات العقيدة

وإذا كان الفكر السُّني قد حاول إرجاع مسألة الإمامة إلى الفروع، فإنه لم يسلم من تأثير ذلك النقل؛ فقد بقيت الإمامة عنده على مستوى التصنيف مندرجة في مباحث العقيدة، كما يشهد على ذلك حضورها في كتب الأصول إلى جانب قضايا الأسماء والصفات والقَدَر والنبوة والحشر.. إلخ.

أما فيما يتعلق بخطورة ذلك النقل ومفاسد ذلك الإسقاط؛ فتكفينا الإحالة على الأحداث المؤلمة التي عرفها صدر التاريخ الإسلامي، فاستشهاد علي رضي الله عنه -الذي يُعتبر تحولا تاريخيا من نظام الحكم الشوري الحر إلى نظام الحكم المتغلب- كان سببه ذلك التأويل لمسألة التحكيم من لدن الخوارج، أي تفكيرهم في الإمامة بمصطلحات العقيدة لا بمصطلحات السياسة الشرعية.

وأكبر شرخ في الوحدة الفكرية والسياسية للأمة من ذلك اليوم إلى يومنا هذا، إنما يرجع إلى اختلاف الفريقين في التعامل مع قضية الإمامة: هل هي أصل من أصول الدين أم قضية فرعية؟

وكثير من الكوارث التي عرفها عالمنا الإسلامي في السنوات الأخيرة كالتطاحن بين الفصائل الإسلامية في أفغانستان، أو الخلافات الحادة حول المسألة السياسية، وحول الموقف من الأنظمة وطريقة التعامل معها، والتي تفرِّق الحركات الإسلامية في بعض البلاد الإسلامية، وتعرقل كل خطوة من خطوات الوحدة والتقارب بين الاتجاهات الإسلامية؛ كل ذلك يشهد على أن العقل الإسلامي محكوم بتلك الطريقة في التفكير، أي التفكير في السياسة بمفردات العقيدة.

إن كتابات مثل "القول السديد في أن دخول المجالس النيابية ينافي التوحيد" تبيّن أن نقل الخلاف السياسي إلى المستوى العقدي قد تكون له خطورة على مستوى العلاقات العملية بين الفصائل الإسلامية، خاصة إذا تصور البعض أن عقيدة البعض الآخر قد مسها خلل، أو كان يرى أنه خرج عن دائرة الإسلام.



حول هذه القصة

يجب البدء بتقرير حقيقةِ أن الإسلام لم يأت بتصور محدد لمفهوم الدولة بمعناها الحديث، فالدولة بمعناها الحديث هي نتاج تراكم في الخبرة البشرية، ونتيجة لتطور الفكر السياسي والدستوري والفلسفة السياسية.

إحدى الافتراءات الكبرى على المشروع الإسلامي إثارة موضوع الخيار بين ما يسمى بالدولة المدنية والدولة الدينية وهو نوع من التلفيق لا يليق بمن يطرحه. وليس هناك ما يسمى بالدولة المدنية، ووصفها بذلك هو وصف غير علمي أولا ونوع من الدجل ثانيا.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة