مقالات

كورونا وسؤال "الما بعديات".. مخاطر القفز نحو المجهول

منذ أن باغتنا فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي وضع العالم كله تحت الحصار؛ لم تتوقف "نبوءات" الباحثين والمختصين من باحثي وعلماء السياسة والاقتصاد والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والاتصالات… إلخ -بل وحتى عوام الناس- عن مرحلة ما بعد كورونا.

وانخرط الجميع -على طريقة العرّافين- في عملية "تنجيم" تحاول استكشاف عالم (أو بالأحرى عوالم) ما بعد كورونا. صحيح أننا إزاء حدث كبير ربما لم تشهده البشرية منذ قرن على الأقل، وقد تترتب عليه تغيرات جوهرية سواء في علاقة الإنسان بنفسه أو بغيره، أو بالطب والصحة، أو بالطبيعة وتحولاتها… إلخ.

كما أن حجم التداعيات والآثار الإنسانية والسياسية والاقتصادية المصاحبة لهذا الفيروس تبدو كبيرة وهائلة حتى اللحظة، ولكن الصحيح أيضا أن عالم اليوم وظواهره من التعقيد والتشابك بشكل يجعل من الصعب -إن لم يكن مستحيلاً- التنبؤ بما سيكون عليه الوضع، بعد أن ينقشع غبار كورونا المستجد. ولو أن مسألة التنبؤ وقراءة "مستقبل" العالم بعد فيروس كورونا بهذه السهولة، لكان من باب أولى أن يتم التنبؤ بالفيروس وتداعياته، والاستعداد لها بالشكل المطلوب.

بكلمات أخرى؛ لو كانت دول العالم -وخاصة تلك المعروفة بالتقدم المعرفي والتكنولوجي كالصين وأميركا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها- قادرة على التنبؤ بهذا الفيروس، وربما غيره من الفيروسات التي انتشرت خلال العقدين الأخيرين مثل "سارس" و"إنفلونزا الطيور" و"إيبولا"؛ لما كانت حالها كما تبدو عليه الآن من الفوضى والتخبط والإخفاق في مواجهته.

نقول هذا رغم التوقعات -وإن شئت قل التحذيرات- التي أطلقها ليس فقط خبراء الأمراض والأوبئة في معظم هذه البلدان، ولكن أيضا سياسيون وشخصيات عامة، ورجال أعمال كبار ومؤثرون مثل الملياردير الأميركي المعروف بيل غيتس مؤسس شركة "مايكروسوفت"، الذي أطلق صحية تحذير بشأن الاستعداد لجائحة مماثلة لما نراه الآن عام 2015، والقيام بما يجب عمله لتفاديها والتقليل من تأثيراتها.

لو كانت دول العالم -وخاصة تلك المعروفة بالتقدم المعرفي والتكنولوجي كالصين وأميركا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها- قادرة على التنبؤ بهذا الفيروس، وربما غيره من الفيروسات التي انتشرت خلال العقدين الأخيرين مثل "سارس" و"إنفلونزا الطيور" و"إيبولا"؛ لما كانت حالها كما تبدو عليه الآن من الفوضى والتخبط والإخفاق في مواجهته

أو ما أنتجته السينما الأميركية والعالمية من روايات وأفلام حول الأوبئة خلال العقدين الأخيرين، يحاكي بعضها ما نشاهده الآن مع فيروس كورونا المستجد. ولعل أهمها فيلم "عدوى" (Contagion) الذي تم إنتاجه عام 2011، وتكاد تكون أحداثه مشابهة لما نعيشه الآن.

بل الأكثر من ذلك؛ أنه إذا كانت العلوم الطبيعة -بدقة متغيراتها ومؤشراتها (أو هكذا المعروف والمشهور عنها) ومن خلفها ماكينة التطور التكنولوجي- قد أخفقت في التنبؤ بظهور فيروس كورونا المستجد (وللدقة أقول التنبؤ بحجم تأثيره ونطاقه وأضراره)؛ فما بالنا للعلوم الاجتماعية -وهي القاصرة بطبيعتها عن التنبؤ لأسباب ليس هنا مجال لنقاشها الآن- أن تخبرنا بما سيكون عليه العالم في مرحلة ما بعد كورونا؟!

بل إن قراءة عابرة وسريعة لبعض الأحداث والظواهر المعاصرة تكشف أنه ليس فقط ثمة صعوبة في التنبؤ بها وبتداعياتها، وإنما أيضا قد ثبت خطأُ نبوءاتها إلى حد بعيد. خذ مثلاً بعض التوقعات والنبوءات التي ظهرت وهيمنت على المجال السياسي والإيديولوجي والمعرفي طيلة العقود الثلاثة الماضية، ولعل أشهرها نبوءة أو مقولة "نهاية التاريخ" التي أطلقها الباحث وعالم السياسة الأميركي فرانسيس فوكوياما.

لقد تنبأ فوكوياما في دراسته بهيمنة وسيادة النموذج الليبرالي الغربي بشقيه السياسي والاقتصادي، وادّعى أن مسار "الحداثة" هو مسار خطّي لا بد أن يمرّ عبر بوابة النموذج الغربي. وهو ما لم يحدث بل حدث عكسه تماماً؛ حيث صعدت قوى عالمية واقتصادية كبرى، هي أبعد ما تكون عن النموذج الغربي مثل الصين وروسيا.

ربما تتضح الصورة إن قلبنا الأمر على هيئة أسئلة؛ فمَن كان يتوقع أن ينهار الاقتصاد العالمي قبل عقد ونيف، ويدخل في حالة كساد لم تحدث منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك رغم الارتفاع الظاهر لمعدلات النمو والتنمية والتجارة والاستثمار في معظم البلدان الصناعية؟ ومن كان يتوقع أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ في التآكل والتراجع من الداخل؟ ومن كان يظن أن يصل شخص بسطحية وجهل وحماقة دونالد ترامب إلى الرئاسة في أميركا ويسيء إلى صورة بلاده داخلياً وخارجياً؟

وفي منطقتنا؛ من كان يتوقع أن ينتفض العالم العربي في شكل ثورات وانتفاضات بعد عقود من الصمت والركود السياسي وذلك بغض النظر عن مآلات هذه الثورات؟ هذه فقط أمثلة من الحقل السياسي، دون الخوض في العديد من الظواهر والحقول الأخرى الأكثر تعقيداً!

وإذا استبعدنا -ولو مؤقتاً- الحالة النفسية التي يستحضرها فيروس كورونا المستجد، والتي قد تغري البعض بتسجيل وإبراز حضوره في معمعة هذا الحدث الجلل، ولو من خلال القفز لاستنتاجات وتنبؤات سريعة؛ فإنه من الطريف أن نسمع أو نقرأ أو نشاهد تنبؤات متعارضة حول نفس الموضوع والظاهرة، قد تصل إلى حد التخبط والفوضى.

والأمر هنا لا يقتصر على العالم العربي فحسب، الذي لا تكاد تخلو جريدة أو قناة فضائية فيه حالياً من الحديث عن "عالم ما بعد كورونا"، وذلك في كافة مجالات الحياة من سياسة واقتصاد واجتماع وتعليم ورياضة وعلاقات اجتماعية…إلخ؛ بل نجده أيضا داخل المؤسسات الإعلامية والبحثية والأكاديمية الغربية.

ولعل أبرز مسألتين استحوذتا على النصيب الأكبر داخل "سوق التنبؤات"، خلال الأسابيع الماضية هما: مسألة صعود الصين، ونهاية حقبة العولمة. فرغم أن الحديث عن صعود الصين لم يتوقف طيلة العقد الماضي؛ فإنه ازداد -بشكل واضح- خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك على خلفية تعاطي الصين مع أزمة فيروس كورونا المستجد وقدرتها (أو ما تدّعيه ماكينتها الإعلامية الشمولية) على حصار الفيروس ووقف انتشاره، وتقليل حجم الإصابات والوفيات به.

يرى البعض أن "نهاية العولمة" أمر حتمي خاصة في ظل صعود السياسيين الشعبويين إلى السلطة شرقاً وغرباً، وتبنيهم لخطابات وسياسات انغلاقية تخشى الانفتاح على الآخر، وتراه خطراً وجودياً عليها سياسياً واقتصادياً وثقافياً وهوياتياً. وهي أيضا أطروحة يمكن الرد عليها وتفنيدها بسهولة؛ خاصة في ظل حالة التعقيد والتشابك التي يعيشها العالم

وإذا كان المقام لا يتسع هنا للدخول في جدل معرفي وبحثي حول هذه الأطروحة، وتوضيح مدى نجاعتها وتماسك بنيتها وأدلتها؛ إلا أننا سمعنا كل الآراء المتناقضة حولها خلال الأسابيع الماضية ومن أسماء كبيرة ووازنة سواء في المجال الأكاديمي والبحثي أو السياسي.

وهو ما ينطبق أيضا على المسألة الثانية المتعلقة بأطروحة نهاية العولمة؛ حيث أغرْت حالة الإغلاق شبه التام للحدود والمطارات ووقف حركة التنقّل بين دول وأقاليم العالم، البعضَ بالقفز إلى تبنيّ "نبوءة" نهاية العولمة، التي تعرَّف في حدّها الأدنى بأنها حرية انتقال الأفراد والأفكار والسلع بين دول ومناطق العالم.

بل يرى البعض أن ذلك أمر حتمي خاصة في ظل صعود السياسيين الشعبويين إلى السلطة شرقاً وغرباً، وتبنيهم لخطابات وسياسات انغلاقية تخشى الانفتاح على الآخر، وتراه خطراً وجودياً عليها سياسياً واقتصادياً وثقافياً وهوياتياً. وهي أيضا أطروحة يمكن الرد عليها وتفنيدها بسهولة؛ خاصة في ظل حالة التعقيد والتشابك التي يعيشها العالم ويصعب الفكاك أو الإفلات منها، سواء شئنا أم أبينا.

ونختم بمثال أخير على حالة التخبط والفوضى التي نعيشها الآن في سياق التنبؤات بما قد يصبح عليه العالم؛ فقد قرأت خلال الأسبوع الماضي فقط عدة مقالات بمجلات ودوريات أميركية تعجّ بالنظريات والتنبؤات المتعارضة حول كلتا المسألتين السابقتين (صعود الصين ونهاية العولمة)، وذلك بشكل ربما لم أره من قبل.

صحيح أن العالم كله في حالة تخبط وفوضى، ولكن وظيفة الباحثين والعلماء والمفكرين ليست المساهمة في زيادة هذه الفوضى، وإنما محاولة فهم وتفسير وتفكيك الظاهرة محل النقاش (وهي هنا فيروس كورنا المستجد)؛ وذلك دون تهوين، أو تهويل، أو قفز نحول المجهول.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

منذ انتشار فيروس كورونا وارتفاع عدد ضحاياه والمصابين به، واتساع رقعته عالمياً؛ دار جدل ساخن على وسائل التواصل الاجتماعي -وكذلك بين الباحثين والمتخصصين- حول كفاءة الأنظمة السياسية في الاستجابة للفيروس.

تُطلعنا الصورة المقدمة لمكافحة فيروس كورونا على تفاصيل تتعلق بالتكامل الاجتماعي وثقافة التضامن في كل بلد، وكذلك على مستوى التكامل بين الدولة والمجتمع، وإنّ أصالة الأمّة تظهرها مواقفها في الكوارث.

الأكثر قراءة