مقالات

كورونا.. محاولة فهم القصة من جديد

لاحظْ معي الأخبار التالية التي كانت تُنشر أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، حين بدأ العالم يقرأ ويسمع الأخبار القادمة من الصين عن ظهور فيروس مستجد من عائلة كورونا، بدأ ينتشر في مدينة ووهان الصينية التي تقع في مقاطعة هوباي.

خذ بعض الأمثلة قبل أن نستعرض الأمور: لنبدأ بالصين والدول القريبة منها؛ فقد قالت الأخبار حينها إن السلطات الصينية تأكدت لديها إصابة 7700 شخص، توفي منهم 170 شخصاً معظمهم من ووهان (بؤرة المرض)، وتم تسجيل 10 حالات في هونغ كونغ التي تتمتع بحكم ذاتي، غالبيتهم كانوا قد زاروا ووهان مؤخراً، فيما سُجلت 7 حالات في ماكاو التي يتردد عليها بكثرة زوار من الصين.

في تايلند -وهي الوجهة المفضلة للسياح الصينيين- أعلنت السلطات وجود 14 حالة مؤكدة، وكانت أكثر البلدان إصابات بعد الصين (أواخر يناير/كانون الثاني). وكان المصابون صينيين باستثناء عجوز تايلندية في السبعينيات، لكنها كانت قد وصلت من ووهان خلال ذاك الشهر.

أما تايوان -التي حذرت منظمة الصحة العالمية مبكراً من الفيروس وخطره وسرعة انتشاره- فقد سجلت 8 إصابات آخرها لصينييْن وصلا الجزيرة يوم 22 يناير/كانون الثاني مع مجموعة سياح. وفي سنغافورة؛ أكدت السلطات إصابة 10 أشخاص بالفيروس، وصل جميعهم من ووهان أيضاً.

وفي اليابان؛ سجلت 11 إصابة بينها إصابتان نُقلتا بالعدوى المباشرة من شخص إلى آخر على الأراضي اليابانية. والمصابان أحدهما سائق في الستين من العمر، قاد حافلة تحمل سياحاً قدموا من ووهان في وقت سابق من يناير/كانون الثاني، والآخر امرأة تعمل مرشدة سياحية كانت على متن الحافلة.

نبتعد قليلاً عن الصين؛ لنجد الهند تعلن تسجيل أول إصابة بولاية كيرالا جنوبي البلاد، وهي لطالب كان يدرس في جامعة ووهان، وفي الفلبين تم الإعلان عن تسجيل أول إصابة لامرأة في أواخر الثلاثينيات من العمر، كانت قد وصلت منتصف يناير/كانون الثاني من ووهان، ونقلت إلى المستشفى بعد أربعة أيام.

وفي ماليزيا؛ سجلت إصابة لرجل صيني تضاف إلى 7 إصابات جميعها لسياح صينيين من ووهان كانوا يقضون العطلة في ماليزيا. والسيناريو يتكرر في كوريا الجنوبية التي تم تسجيل 4 حالات فيها، بينهم ثلاثة صينيين وكوري جنوبي، وقد قدموا جميعهم من ووهان.

كانت كل الإصابات بكورونا بدايةً إما لسواح صينيين دخلوا أقطاراً مختلفة، أو لمواطني بلدان كانوا لسبب من الأسباب في الصين وتحديداً في مدينة وهان (بؤرة المرض)، ولم تحذر منظمة الصحة العالمية دول العالم إلا في نهاية يناير/كانون الثاني، حين أعلنت حالة طوارئ لا بد منها لمواجهة الفيروس، بعد اكتشاف حوالي 100 إصابة خارج الصين، ولكنها لم تعلن أنها جائحة

لنغادر آسيا ونصل إلى الولايات المتحدة التي أكدت سلطاتها وجود 5 إصابات لأشخاص سافروا جميعا مباشرة إلى ووهان. وفي جارتها كندا تم الإعلان عن أول إصابة لرجل كان قد عاد من ووهان إلى تورونتو، وقالت الأخبار حينها إنه ربما نقل العدوى إلى زوجته. أما في فرنسا فقد تم تأكيد 5 إصابات بالفيروس، منها 3 إصابات (إحداها في مدينة بوردو والأخريان في باريس) سافر أصحابها إلى الصين في الأيام الأخيرة من يناير/كانون الثاني.

تلكم كانت مقتطفات لأخبار نشرت في بدايات ومنتصف يناير/كانون الثاني حول بدء تفشي الفيروس هنا وهناك في العالم. أخذنا بعضها من دول قريبة من الصين وأخرى بعيدة، لنخرج من جملة تلك الأخبار بملاحظة أراها مهمة في أي محاولة لفهم قصة انتشار الفيروس في أنحاء العالم خلال شهرين، وتحديداً فبراير/شباط ومارس/آذار الفائتين.

تلكم الملاحظة متمثلة في أن الإصابات بدايةً كانت كلها إما لسواح صينيين دخلوا أقطاراً مختلفة، أو لمواطني بلدان كانوا لسبب من الأسباب في الصين وتحديداً في مدينة وهان (بؤرة المرض)، ولم تحذر منظمة الصحة العالمية دول العالم إلا في نهاية يناير/كانون الثاني، حين أعلنت حالة طوارئ لا بد منها لمواجهة الفيروس، بعد اكتشاف حوالي 100 إصابة خارج الصين، ولكنها لم تعلن أنها جائحة.

كان الظهور والصعود الفجائي لأعداد المصابين في كل من إيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية -بعد الصين- جرس إنذار أثار الانتباه العالمي، الذي كان بعدُ في طور مراقبة وملاحظة المرض في الصين وسرعة انتشاره، فلم يكن بمقدور العالم سرعة تحليل الحالة الصينية.

بل إنه لم يكد ينتهي من معرفة أصل الفيروس وبداية انتشاره هناك، حتى أثارت الحالة الإيطالية والإيرانية انتباهه، وخاصة إيطاليا التي أرعبت سرعة تفشي الفيروس فيها العالم كله، وبدأت أنظار دوله تتجه بعدها إلى الداخل أو إلى نفسها، وكيفية الاستعداد والتصدي للفيروس، بدلاً من معرفة سبب ظهوره في الصين.

وهكذا بدأت دول العالم في الانشغال الذاتي، أو نفسي نفسي بادئ ذي بدء، قبل أن تمد يد العون لغيرها من القريب أو البعيد. حيث أذهلت الجميعَ سرعةُ تفشي الفيروس في أوروبا تحديداً وأثارت التساؤلات. وكانت ذروة تلك التساؤلات حين لاحظ العالم سرعة تحرك الولايات المتحدة في قائمة الدول التي ظهر كورونا فيها، حتى سبقت الجميع بما فيهم الصين التي كانت الأولى لأكثر من شهرين ونصف شهر، فصارت الولايات المتحدة هي الأولى وبفارق شاسع عنها.

الآن وقد صار الإعلان عن أرقام الإصابات والوفيات في كل دول العالم أمراً روتينياً؛ بدأت الأنظار تتجه أولاً إلى مَن بإمكانه إنتاج المصل أو العلاج المناسب لهذا المرض، باعتبار أن الأولوية الآن هي البحث عن العلاج قبل بحث الأسباب أو توجيه الاتهامات، فلكل مقام مقال، ولكن -في الوقت نفسه- تتجه الأنظار نفسها تارة أخرى نحو الصين، من أجل فهم أدق وأعمق لهذا الفيروس وكيف انتشر، وما الذي كان يجب فعله ولم يتم؟

ولعل هذا هو السؤال الرئيسي الذي بدأت دول عديدة توجهه للصين، ولماذا تكتمت على الأمر منذ البداية ولم تنبه العالم لخطره واحتمالية انتشاره، ولماذا لم تتحرك جدياً وبالسرعة المطلوبة لعزل مدينة ووهان (بؤرة المرض) إلا بعد مضي وقت كان كفيلاً بأن ينتشر الفيروس حول العالم، عبر عشرات الآلاف من السواح الصينيين أو الأجانب القاطنين في ووهان، سواء للدراسة أو التجارة أو حتى السياحة.

ولماذا في الوقت نفسه أيضاً لم تتحرك منظمة الصحة العالمية سريعاً، مستفيدة من تجربتها السابقة مع إنفلونزا الخنازير عام 2009 أو سابقاتها من الأوبئة والجائحات؟

بدأت أصابع الاتهام إذن تكثر تجاه الصين وتراخيها في التعامل مع المرض أولاً، ومن ثم إبلاغ العالم به ثانياً، وكذلك الأصابع التي بدأت توجَّه للمنظمة الأممية المسؤولة عن الصحة العالمية. فلقد أوقف انتشار هذا الفيروس أغلب مناشط الحياة في العالم كله، وبدأت الدول تتنبه إلى المشكلات وربما الكوارث القادمة بعد قليل، لاسيما في المجال الاقتصادي؛ فمن الذي يجب أن يتحمل مسؤولية هذا الذنب أو هذه الجريرة: الصين أم منظمة الصحة العالمية؟

بدأت أصابع الاتهام إذن تكثر تجاه الصين وتراخيها في التعامل مع المرض أولاً، ومن ثم إبلاغ العالم به ثانياً، وكذلك الأصابع التي بدأت توجَّه للمنظمة الأممية المسؤولة عن الصحة العالمية. فلقد أوقف انتشار هذا الفيروس أغلب مناشط الحياة في العالم كله، وبدأت الدول تتنبه إلى المشكلات وربما الكوارث القادمة بعد قليل، لاسيما في المجال الاقتصادي؛ فمن الذي يجب أن يتحمل مسؤولية هذا الذنب أو هذه الجريرة: الصين أم منظمة الصحة العالمية؟

الولايات المتحدة -والفيروس يفتك بها بصورة رهيبة دون غيرها من الدول- أعلنت مؤخراً على لسان رئيسها دونالد ترامب أنها ستوقف الدعم السنوي للمنظمة البالغة قيمته 400 مليون دولار، بسبب سوء إدارتها لأزمة كورونا، وأن العالم تلقّى الكثير من المعلومات الخاطئة بشأن انتقال العدوى والوفيات الناجمة عن المرض، وأن تصرفات منظمة الصحة العالمية أدت إلى إهدار أرواح بشرية؛ بحسب المتحدث باسم الخارجية الأميركية.

وأضاف هذا المتحدث أن المنظمة تأخرت في إدراك خطورة الأزمة، ولم تعلن أن كورونا المستجد وباء عالمي إلا يوم 11 مارس/آذار الماضي، في حين أن الصين أبلغتها بتفشي الفيروس في ديسمبر/كانون الأول 2019، وتساءل عن السبب الذي دعا المنظمة إلى عدم تقاسم معلومات تايوان مع الأوساط الصحية العالمية.

كما أشار -في الوقت ذاته- إلى إعلان منظمة الصحة في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي أنه لا أدلة على انتقال العدوى بفيروس كورونا بين البشر، مما ساهم في إحداث نوع من التراخي في العالم، وعدم الخشية من هذا الفيروس الذي تحول -باعتراف المنظمة الأممية- إلى جائحة، ولكن بعد فوات الكثير من الأوان!

هل سيهدأ العالم بعد أن تسيطر كل دوله على تفشي المرض؟ وهل سيتم غض الطرف -رغبة أو رهبة- عن الصين ومسؤوليتها في انتشار المرض، وأنه كان بالإمكان تحجيمه منذ البداية؟ وكيف ستكون نظرة العالم أيضاً لأداء منظمة الصحة العالمية في هذه الأزمة أو الكارثة العالمية إن صح وجاز لنا التعبير؟

الأسئلة تتقاطر وتتكاثر كلما طال أمد هذا المرض، وكلما ازدادت الضغوط على الشعوب المحجور عليها في المدن والقرى، وما يمكن أن ينتج عن تلك الضغوط من عواقب، سواء على حياتها بشكل عام أو على النُّظُم الحاكمة في كل دولة. إن هذا الأمر بحاجة لمزيد رصد ومزيد ترقب وبعض استشراف، أرجو أن يكون فيه بعض أمل وتفاؤل بانفراجة قريبة ووضع عالمي أفضل.



حول هذه القصة

منذ انتشار فيروس كورونا وارتفاع عدد ضحاياه والمصابين به، واتساع رقعته عالمياً؛ دار جدل ساخن على وسائل التواصل الاجتماعي -وكذلك بين الباحثين والمتخصصين- حول كفاءة الأنظمة السياسية في الاستجابة للفيروس.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة