المشرق العربي.. ساحة معركة إقليمية ودولية (4-5)

President Vladimir Putin of Russia, Hassan Rouhani of Iran and Tayyip Erdogan of Turkey meet in Tehran, Iran September 7, 2018. Sputnik/Mikhail Klimentyev/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

جاءت روسيا إلى سوريا عام 2015 مدفوعة بنزوع قومي روسي لإعادة الاعتبار لكيانها، والثأر من مرحلة الضعف والاحتقار الغربي، وبإستراتيجية هجومية هدفها فرض هيبتها ودورها الإقليمي والدولي.

وتمثلت تلك الإستراتيجية في توسيع وتطوير هجومها في جورجيا 2008 وأوكرانيا 2014، من أجل هدفين رئيسين: المحافظة على موطئ قدم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وتأمين ورشة الخدمات البحرية في ميناء طرطوس السوري، ودفع الغرب (الولايات المتحدة بشكل خاص) لتغيير نظرته إليها وأخذ مصالحها بعين الاعتبار، عبر الإقرار بدور لها في صياغة القرار الدولي وإشراكها في حل المشكلات الإقليمية والدولية.

وهذا دفعها إلى تنسيق تحركها الميداني مع دول الإقليم التي يمكن أن تساهم في تحقيق أهدافها؛ فكان التنسيق المباشر مع إيران ليس لتقاطعهما في الدفاع عن النظام السوري فقط، بل ولأنها رأت فيها عاملا جيوستراتيجياً "يحبط هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، ويحد من قدرتها على التأثير في أسعار النفط والغاز العالمية بما يضر المصلحة الروسية، ومن قدرتها على تخصيص موارد للضغط عليها للدخول في النظام الدولي الذي تقوده"؛ وفقاً لدانيال بنيم ومايكل وحيد حنا.

دفع ذلك روسيا إلى العمل على تعزيز دور إيران والإبقاء عليها قوة إقليمية فاعلة لضمان تحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الضغوط الأميركية. وشكلت غرفة عمليات أمنية بالاشتراك مع إيران والعراق والنظام السوري مقرها في بغداد.

تدخل روسيا العسكري في سوريا دفعها إلى العمل على تعزيز دور إيران والإبقاء عليها قوة إقليمية فاعلة لضمان تحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الضغوط الأميركية. وشكلت غرفة عمليات أمنية بالاشتراك مع إيران والعراق والنظام السوري مقرها في بغداد. ومن جهة ثانية؛ نسقت روسيا مع إسرائيل باعتبارها ممرًّا سحريا إلى قلب الولايات المتحدة

ومن جهة ثانية؛ نسقت روسيا مع إسرائيل باعتبارها ممرًّا سحريا إلى قلب الولايات المتحدة، وقوة موازِنة للدور الإيراني في سوريا، حيث سيلعب التقاطع بينهما على لجم حضور إيران، التي هي خصم بالنسبة لإسرائيل ومنافس -بالنسبة لروسيا- في سوريا، على خلفية سعيها للانفراد بالشأن السوري، وتحسين صورة التدخل الروسي في سوريا لدى الولايات المتحدة.

كما استثمرت التوتر بين تركيا ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي نشأ على خلفية تمنع هذه الدول من دعم الدور التركي في سوريا، وتفعيل المادة الخامسة من نظام "الحلف" التي تقضي بالدفاع عن أية دولة من دوله تتعرض لعدوان أو تهديدات مباشرة؛ وكذلك الشكوك التي أثارها تردد هذه الدول في إدانة المحاولة الانقلابية في تركيا عام 2016.

أنشأت روسيا مع تركيا صيغة للتنسيق والتعايش على الأرض السورية (انضمت إليهما إيران لاحقا) في إطار مسار أستانا؛ لتكريس قطيعة تركيا مع دول "حلف الناتو" واستدراجها لقبول الموقف الروسي الإيراني من الصراع في سوريا وعليها.

فتحت أيضا روسيا خطوطا مع مصر عبر بوابة التسليح والتدريبات العسكرية المشتركة، وإقامة مفاعل نووي في منطقة الضبعة بقرض مالي ميّسر؛ وكذلك مع السعودية والإمارات وقطر من باب التنسيق في أسواق النفط والغاز وتوسيع العلاقات التجارية، بما في ذلك بيع الأسلحة المتطورة لها.

كما تسنى لها الدخول إلى السوق العراقي مجددا عبر بيعها أسلحة بقيمة 4.2 مليارات دولار بدأ تسليمها في أكتوبر/تشرين الأول 2013، واستثمار 10 مليارات دولار في مجال الطاقة؛ ودخول شركتَيْ "لوك أويل" و"غازبروم نفط" الروسيتين سوق الطاقة في "كردستان العراق" بفوزهما بعدد من العقود عام 2012، وتوثيق علاقاتها مع حكومة كردستان العراق عبر مساعدتها على تخطي أزمتها المالية بإقراضها مبلغ 3.5 مليارات دولار تسدده من النفط لشركة "غازبروم نفط".

ثم مدّت أذرعها نحو ليبيا عبر تغذية طموح الجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى السيطرة على السلطة، ومده بالأسلحة والمرتزقة من شركة "فاغنر" الأمنية، للاقتراب من شريان الحياة في أوروبا: النفط والغاز الليبيين، والتمدد على الشاطئ الجنوبي للمتوسط المواجه لجنوب أوروبا.

لقد جاء كل هذا تنفيذا لـ"مشروع أوراسيا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الذي تتبناه روسيا، وتروّج له كبديل عن الدور الأميركي الذي جلب الخراب وعدم الاستقرار لدول المنطقة؛ كما تقول موسكو.

لم تكن الصين بعيدة عن هذا التوجه الروسي، لكن بمقاربة سياسية واقتصادية بشكل رئيس، وعسكرية بشكل أقل؛ فالصين -التي ترى في الشرق الأوسط مقبرة للقوى العظمى- لا تريد التورط عسكريا، وهمّها الرئيس استمرار الحصول على كميات كافية من النفط لآلتها الصناعية الضخمة، وهذه تستطيع الحصول عليها عبر الأموال والاستثمارات في مشاريع التنمية والبنى التحتية في الدول المصدرة.

فالهدف المركزي للصين في المنطقة هو تعزيز نفوذها الجيوسياسي، وتشجيع دول المنطقة على المشاركة في أدوار سياسية واقتصادية بعيدا عن النزاعات والتوترات، والتنسيق معها لمواجهة الإرهاب وعوامل عدم الاستقرار لضمان الحصول على النفط.

ولذا ركزت عملها على تخفيف حدة التوترات والصراعات باعتبار ذلك مسارا يتسق مع الحاجة إلى الاستقرار والأمن اللازمين؛ فدعمت حكومة العراق في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من خلال تبادل المعلومات وتقديم التدريبات اللازمة.

لم تكن الصين بعيدة عن التوجه الروسي نحو المنطقة، لكن بمقاربة سياسية واقتصادية بشكل رئيس، وعسكرية بشكل أقل؛ فالصين -التي ترى في الشرق الأوسط مقبرة للقوى العظمى- لا تريد التورط عسكريا، وهمّها الرئيس استمرار الحصول على كميات كافية من النفط لآلتها الصناعية الضخمة، وهذه تستطيع الحصول عليها عبر الأموال والاستثمارات في مشاريع التنمية والبنى التحتية في الدول المصدرة

كما وسّعت التعاون العسكري مع إيران بإجراء تدريبات عسكرية مشتركة في الخليج العربي في يونيو/حزيران 2017، ومع السعودية في مجال مكافحة الإرهاب بتدريبات عسكرية مشتركة في تشونغتشينغ، وسعت إلى تعزيز التعاون مع تركيا للهدف نفسه.

وخصصت بكين عام 2016 مساعدات مالية بقيمة 300 مليون دولار لجامعة الدول العربية لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى تعزيز التبادلات الثقافية مع دول المنطقة، وتسهيل تبادل الأفكار والمواهب.

وأقدمت الصين على توقيع اتفاقات استثمارية مع إيران قيمتها حوالى 400 مليار دولار أميركي؛ فموقع إيران الجغرافي على ملتقى الطرق المهمة في الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا وأوروبا، وعلى الخليج العربي ومضيق هرمز؛ جعلها ذات أهمية كبيرة لرؤية الصين الساعية لدمج هذه المناطق الرئيسية من خلال مشاريع البنية التحتية والنقل المصممة لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي الصيني، كما تقتضي خطة الحزام والطريق.

وحققت الصين قفزة نوعية بالاتفاق مع إسرائيل على إقامة استثمارات فيها: إدارة ميناء أشدود، وتركيب شبكة هاواوي من الجيل الخامس؛ وذلك على الضد من الرغبة الأميركية.

وقدمت بكين دعما سياسيا وماليا للنظام السوري ونسّقت مواقفها السياسية والدبلوماسية من الصراع في سوريا وعليها مع روسيا، حيث استخدمت حق النقض (الفيتو) عدة مرات دعما لمواقف روسيا في مواجهة مواقف غربية، وأميركية على وجه الخصوص.



حول هذه القصة

epa05350482 Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu (L) and Russian President Vladimir Putin (R) attend a joint news conference following their talks in the Kremlin in Moscow, Russia, 07 June 2016. Benjamin Netanyahu is on an official visit in Russia on the occasion of the 25th anniversary of the establishment of diplomatic relations. EPA/MAXIM SHIPENKOV / POOL

أثار نقل روسيا الصراع الجيوسياسي لسوريا وباقي المشرق العربي، وتمدد الصين التجاري والاستثماري، ردود فعل غربية، لاعتبارات تتعلق بالتوازن الدولي وتبعاته السياسية والاقتصادية، وانعكاسه على النظام الدولي القائم وآليات عمله.

مقال رأي بقلم
Published On 3/4/2020
U.S. President Donald Trump and Russia's President Vladimir Putin shake hands as they meet in Helsinki, Finland July 16, 2018. REUTERS/Kevin Lamarque TPX IMAGES OF THE DAY

أعطت أميركا أولوية لمواجهة التحدي الصيني باعتباره التهديد الداهم والخطير، ووضعت “إعادة التوازن بآسيا والهادئ” بصدارة سلّم أولوياتها لوقف تمدد الصين واحتوائه، قبل أن يكسر التوازن القائم في الشرق الأقصى.

مقال رأي بقلم
Published On 28/3/2020
epa01667312 A photo taken through the window of a US Marine CH-46 Sea Knight heilcopter carrying US Marines that prepares to land onUSS Boxer in the Gulf of Aden 16 March 2009. The USS Boxer is the flagship for Combined Task Force 151 (CTF 151) that was established in early January under the control of the Bahrain based US Navy 5th Fleet Command , to deter and disrupt piracy in the Gulf of Aden, Arabian Sea, Indian Ocean and the Red Sea. CTF 151 currently includes naval forces from the US, UK, Denmark and Turkey while South Korean and Japanese naval ships are expected to join the international efforts combat piracy in the region this month. EPA/MAZEN MAHDI

يعيش المشرق العربي تحت وطأة مستويين من الصراعات؛ مستوى دولي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وآخر إقليمي بين تركيا وإيران وإسرائيل، مع تداخل المستويين في ضوء التحالفات المديدة والتقاطعات العابرة.

مقال رأي بقلم
Published On 20/3/2020
A map illustrating China's silk road economic belt and the 21st century maritime silk road, or the so-called

عندما وقف الرئيس الصيني شي جين بينغ في جامعة نزارباييف بكزاخستان 2013 ليعلن إطلاق فكرة طريق الحرير للقرن الواحد والعشرين؛ فإنه دشّن بذلك مرحلة جديدة من الصراع الأميركي الصيني البارد.

مقال رأي بقلم
Published On 7/10/2017
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة