مقالات

كورونا وأخلاقيات الأوبئة

وعدتُ -في مقال سابقٍ- أن أُفرِد أخلاقيات الأوبئة بمقال خاص؛ فمعظم النقاشات حول فيروس كورونا انشغلت إما بالنقاش الطبي أو بمتابعة أخبار الفيروس وانتشاره، أو بالنقاش الديني المتعلق بأداء الشعائر الجماعية، أو نحو ذلك؛ ولكن بقي النقاش الأخلاقي غائبًا أو غير مستوفى.

وإذا كانت الأسئلة الطبية واضحة وعملية من قبيل: كيف نوقف انتشار الوباء؟ ما العلاج الذي يحفظ حيَوات الناس؟ فإن الأسئلة الأخلاقية تطبيقيةٌ، وإن تأسست على نقاشات نظرية، ثم هي كثيرة، منها: في حالة انتشار الوباء فإن أي نظام صحي يغدو غير قادر على استيعاب كم كبير من مرضى العناية المركزة في وقت واحد؛ وذلك لنقص المعدات والفريق الطبي، وفي هذه الحالة يجب على الطبيب أن يتخير: فلمن يجب تقديم العلاج أولاً؟

وهل حظر السفر وإغلاق المطارات والمساجد والأسواق مبَرَّر أخلاقيًّا؟ وهل إجراءات العزل الاجتماعي والحجر الصحي مسوَّغة أخلاقيًّا؟ وإذا كانت مبرَّرة فكيف نضمن وصول الاحتياجات الأساسية إلى الناس في هذه الحالة؟ وكيف نحول دون وصْم الناس المصابين بالفيروس؟ وما الفضائل التي يجب على الأفراد أن يتحلوا بها في حالة الأوبئة سواء في تحركاتهم أو في استهلاكهم وتخزينهم للسلع، أو في التطوع لمساعدة الجهات الصحية إن لزم الأمر، أو في الامتثال لتعليمات الجهات المختصة؟

وإذا كان التفكير في مصلحة النفس شعورًا فطريًّا فما التصرف الأمثل تجاه الفقراء والمساكين الذين يعيشون يومًا بيوم في هذه المحنة؟ وإذا أصيب الشخص بالفيروس فكيف يتصرف، وهل يجب عليه إبلاغ السلطات؟ وما الواجب على كل شخص لمنع انتشار الفيروس؟ وماذا لو علم بأن شخصًا آخر مصاب ولكنه لم يعزل نفسه، فهل يبلغ عنه أولاً أم ينصحه بإبلاغ الجهات الصحية أولاً؟

ومن شك في أنه مصاب ماذا يفعل في مرحلة الشك؟ هل يجب عليه أن يعزل نفسه فورًا حتى يتأكد أم يتابع حياته الطبيعية إلى أن يتأكد؟ وعلى مستوى آخر: أي البحوث لها الأولوية الآن في زمن الأوبئة؟ وهل يجب على الدولة أن تفصح عن حالة انتشار المرض بشفافية لتوعية الناس بالمخاطر المحيطة بهم أم لها أن تخفف من ذلك بحجة عدم إثارة الذعر بين الناس؟

لو مضينا مع الأخلاق المعيارية فسنجد أنها تثير الكثير من النقاش؛ لأنها تتناول الأفعال وهي غير محدودة، وتتصل بتعقيدات العلاقة بين الدين والقانون والأخلاق. ثم إن الأوبئة تفرض علينا تصرفات استثنائية تعارض ما استقر عليه الأمر من حقوق وأحكام في الأحوال الطبيعية؛ فالسياسات الصحية مثلاً تنحو نحو تقييد حريات وتحركات الناس، كالعزل الاجتماعي الطوعي، والعزل الصحي للمرضى، والحجر الصحي لمدينة أو منطقة، والذي قد يشمل المرضى والمشتبه بهم والأصحاء معًا، وكلها إجراءات تتعارض مع الحقوق الأساسية للإنسان وتحتاج إلى تسويغات أخلاقية

يمكن أن نمضي بعيدًا في التساؤلات الأخلاقية في زمن الأوبئة، وهي تساؤلات تتناول الدولة والفرد والجماعة، ولكنها ترجع إلى أمرين رئيسين: "الأخلاق المعيارية" التي تقوِّم الأفعال أيًّا كان فاعلها، و"أخلاق الفضيلة" التي تركز على الفاعل نفسه وفضائله، وهي مرحلة سابقة على الأفعال ومتجسدة فيها في الآن نفسه.

ولو مضينا مع الأخلاق المعيارية فسنجد أنها تثير الكثير من النقاش؛ لأنها تتناول الأفعال وهي غير محدودة، وتتصل بتعقيدات العلاقة بين الدين والقانون والأخلاق. ثم إن الأوبئة تفرض علينا تصرفات استثنائية تعارض ما استقر عليه الأمر من حقوق وأحكام في الأحوال الطبيعية؛ فالسياسات الصحية مثلاً تنحو نحو تقييد حريات وتحركات الناس، كالعزل الاجتماعي الطوعي، والعزل الصحي للمرضى، والحجر الصحي لمدينة أو منطقة، والذي قد يشمل المرضى والمشتبه بهم والأصحاء معًا، وكلها إجراءات تتعارض مع الحقوق الأساسية للإنسان وتحتاج إلى تسويغات أخلاقية؛ بحيث تكون مؤسَّسة على مبادئ وتعليلات مُحْكمَة.

أثار مثلاً إغلاق المساجد وتعطيل صلاة الجمعة والجماعة جدلاً كبيرًا لأنه مسألة تعبدية؛ ولكن أغلب التعليقات لم تناقش الأمر من مدخل أخلاقي، ونادرًا ما تم ربط هذا الإجراء بغيره من التجمعات والفعاليات الجماعية (الثقافية والرياضية وغيرها)، لأن العلة من ورائها جميعًا واحدة، وهي مبنية على تشخيص طبي محدد؛ ومن ثم فالنقاش كان يجب أن ينصرف إلى مناقشة العلة نفسها ومدى تحققها أولاً، ثم في مدى فعالية مثل هذا الإجراء في تحقيق الهدف ثانيًا، ثم في الترجيح بين القيم المراد تحقيقها سواء في حالة الإبقاء على الفعاليات الجماعية -بما فيها الشعائر الدينية- أو في حالة إلغائها.

فالفعاليات الجماعية تتصل بمجموعة من القيم: حق العبادة وحرية الحركة وحفظ النفس وكلها حقوق راسخة للأفراد، ولكن يقابلها أيضًا المسؤولية الأخلاقية للدولة عن الصحة العامة للمواطنين، خصوصًا أن أي خطر مثل هذا سيعرّض إمكانات الدولة للأضرار؛ مما سيؤثر على مستقبلها ومسارها كما حصل في أوبئة عديدة حصدت تاريخيًّا جماعات من الناس، واستنفدت قوى الدولة مما سرّع بانهيارها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

يساعدنا حقل الأخلاق إذن على تحديد المبادئ والقيم الأخلاقية التي تحكم أفعالنا في زمن الأوبئة والأمراض المعدية، كما يفيدنا في صياغة أولوياتنا واختياراتنا الواجبة بين جملة من الأفعال، ويعيننا في تحديد ما هو صالح أو غير صالح، وتقديم التسويغات اللازمة لجعل ما هو صحيح صحيحًا أو ما هو خطأ خطأً، بطريقة منظمة يتحقق فيها الاتساق والتماسك والعقلانية بالاستناد إلى المصادر التي يُسَلِّم بها مجتمعٌ ما (الدين والعقل والعرف…). وكل هذه التعليلات الأخلاقية ضرورية إذا ما أردنا تغيير سلوك الأفراد والمؤسسات؛ ما دمنا نتحدث عن أفراد يتمتعون بحريتهم واستقلاليتهم.

أخلاقيات الأوبئة تقوم -شأنها شأن الأخلاقيات المعيارية عامةً- على التعليل الأخلاقي، وتقديم معايير لتحديد الأولويات والموازنة بين فعلين أو أكثر لتحديد ما هو أمثل أو أصلح، ولكن الأهم هنا هو أننا نتحدث عن أفعال وتقويمات في زمن استثنائي، ويمكن لي أن أميز في الاستثناء بين حالتيْ الضرورة والطوارئ.

فقد عرف الفقه الإسلامي حالات الضرورة وميزها بأحكام خاصة، ولكنني أعتبر أن حالة الطوارئ حالة أدق؛ إذ إنها تعبيرٌ عن حدث غير مُنجَز بل لا يزال يتشكل ولا نعرف له شكلاً نهائيًّا بعدُ، ويتطلب سياسة متحركة ونشطة (dynamic activity)، كما يتطلب السرعة في اتخاذ القرار. وهي حالة تختبر عمليًّا إمكانيات المواءمة بين المبادئ والقيم العليا الثابتة في الأحوال الطبيعية وبين ما هو متاح أو ممكن في اللحظة الراهنة. أما حالة الضرورة فهي في الغالب حالة ثابتة أو مستقرة (static).

وبما أننا حصرنا الحديث هنا عن الأخلاق المعيارية الخاصة بالأفعال، فإن تحديد القيم والمبادئ الحاكمة والموازنة بينها مسألة مركزية، وفي حالة الأوبئة نتحدث عن مجموعة من القيم، منها: حفظ الحياة والصحة، والحرية الفردية ومسوغات تقييدها، والمسؤولية الأخلاقية تجاه النفس والآخرين، ومسؤولية الدولة تجاه المجتمع، والواجبات المهنية بالنسبة للعاملين في مجال الطب، وغيرها.

وكما أشرنا؛ فإن ركن النظر الأخلاقي يقوم على بناء التعليلات اللازمة للأفعال، وتحديد المعايير التي على أساسها يكون تحديد الأولويات، وهنا تتم الموازنة بين الواجبات نفسها، وبين المصالح فيما بينها، وبين المفاسد فيما بينها، وبين المصالح والمفاسد معًا، وبين الفعل القاصر والمتعدي، وبين الخاص والعام، وبين الضرر والإضرار، إلى غير ذلك.

في أخلاقيات الصحة العامة في زمن الأوبئة نحن أمام موازنة بين منهجين: منهج يعطي الأولوية لاحترام حقوق الأفراد وعدم تقييد حريتهم إلا بالقدر الضروري فقط، ومنهج يعطي الأولوية القصوى لمصلحة الجماعة ولحفظ الصحة العامة، ولكن الرأي الذي ينسجم مع الفقه الإسلامي وقواعد المصالح هو أن مصلحة الجماعة مقدمة هنا؛ خصوصًا أننا نتحدث عن إجراءات استثنائية ومقيَّدة بظرف محدد تزول بزواله

ولكن يبقى -بالنسبة للفقه الإسلامي- أن معرفة علل الأحكام ومآخذها شرطٌ رئيس للقيام بالتعليل الأخلاقي والفتوى أيضًا، وهنا تظهر الفقاهة وعدمها، لا في سرد النصوص ولا في حكاية أقوال المذاهب من دون معرفة مأخذ كل قول وعلته، حتى نتمكن من تنزيله على الواقع ومعرفة جدواه.

وسأورد هنا جملة من الموازنات وكيفية تعليلها ليتضح ما سبق؛ ففي أخلاقيات الصحة العامة في زمن الأوبئة نحن أمام موازنة بين منهجين: منهج يعطي الأولوية لاحترام حقوق الأفراد وعدم تقييد حريتهم إلا بالقدر الضروري فقط، ومنهج يعطي الأولوية القصوى لمصلحة الجماعة ولحفظ الصحة العامة، ولكن الرأي الذي ينسجم مع الفقه الإسلامي وقواعد المصالح هو أن مصلحة الجماعة مقدمة هنا؛ خصوصًا أننا نتحدث عن إجراءات استثنائية ومقيَّدة بظرف محدد تزول بزواله.

فإغلاق المساجد مثلاً يفرض أولاً تحديد صفة هذا الفعل وهل هو من حفظ الدين؟ وإن كان كذلك ما مرتبته؟ هل هو ضروري (يحفظ وجود الدين نفسه) أم إنه تكميلٌ للضروري (لا يتصل بوجود الدين وعدمه ولكنه مُنْقِصٌ)؟ فإن كان تكميليًّا فإن التكميلي لا يَقوى على معارضة الضروري؛ إذ الجماعة تقوم في كل مكان وبأدنى عدد، وللجمعة بدلٌ يُلجَأ إليه في أهون الظروف وهو أداء فريضة الظهر.

وقد أباح الله تعالى للمُكرَه التلفظ بالكفر لحفظ النفس؛ وهو ما أوجد أصلاً للموازنة بين كليتين: حفظ الدين وحفظ النفس، وإباحة تقديم حفظ النفس على حفظ الدين، ولاسيما أن حفظ الدين لا يقوم إلا بحفظ النفوس، وقد هلكت نفوس خلق كثيرين تاريخيًّا بسبب الطواعين، فتعطلت المساجد والجمع والجماعات نفسها فضاعت القيمتان معًا!

وكذلك في تغسيل الميت المصاب بكورونا مثلاً؛ فهنا لا بد من تحديد الحكم والصفة القيمية لتغسيل الميت: هل هو فريضة أو سنة؟ وهل التغسيل حق للفرد أم حق للجماعة؟ وهل الطهارة (ومنها غسل الميت) مسألة ضرورية أم تحسينية أم تكميلية؟ فإذا كان الغسل لحق الفرد ثُم تعارض مع حق الجماعة التي يمكن أن تصاب بالعدوى هنا، فإنه يجري عليه المعيار السابق في أخلاقيات الصحة العامة، وهو أن الحق العام مقدّم على الحق الخاص.

وأما إن كان تغسيل الميت من التكميلي أو التحسيني وخيف وقوع العدوى وتَضرُّر الضروري (وهو حفظ النفوس) بسببه؛ فلا شك أن الضروري مقدم على التكميلي. ولكن إن أمكن اللجوء إلى فريق مختص يقوم بالغسل مع الاحتياطات الطبية الواجبة، ويتمكن من حل هذه التناقضات؛ فلا شك أن ذلك أولى.

من الأمثلة المشكِلة في تحديد الأولويات الجواب على سؤال: بمن يبدأ الفريق الطبي في حال وجب عليه التخيُّر؛ لنقص المعدات اللازمة للعلاج وعدم كفاية الفرق الطبية؟ ورغم أن هذه المسألة محل نقاش في حقل الأخلاقيات الطبية وأخلاقيات الأوبئة خاصة؛ فقد وجدها بعضهم فرصةً لشتم الغرب ولإثبات أنه غير أخلاقي في التعامل مع المرضى، من دون محاولة الدخول في نقاش جدي بشأن المعيار الذي يجب اتباعه في هذه الحالة، ولماذا؟ هل يجب تقديم الأشد مرضًا؟ أم الأرجى بُرْءًا؟ أم الشباب؟ أم الفئات الأشد ضعفًا ككبار السن والأطفال؟ أم العاملين في المجال الصحي؟

تختلف وجهات النظر هنا ولا يوجد معيار محل اتفاق، وحين ينعدم المرجِّح ويخفى وجه المصلحة أو الحق وتنعدم الحجج؛ يلجأ الفقهاء عادة إلى القُرْعة، فإذا تعينت المصلحة أو الحق في جهة فإنهم لا يجوِّزون اللجوء إلى القرعة. وهي وسيلةٌ موضوعية لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل والتحيز، وقد طبقوا ذلك في مسائل عديدة. ولكن المثال المطروح هنا وإن كان حادثًا، فإنه يتصل بمسائل ونقاشات فقهية قديمة حول عدة مسائل: ما يتم فيه "الإقراع"، و"استحياء غيره"، و"الانتقال من سببِ موتٍ إلى سبب آخر"، وكلها مسائل تتناول حفظ الحقوق والمحافظة على القيم، أو المفاضلة بينها.

وإذا كان النقاش الفقهي ينصرف كثيرًا إلى خطاب الأفراد أنفسهم والشروط الواجبة في المستحيي (من كان سببًا في إدامة الحياة)، كأن تتوفر فيه القدرة مثلاً، وأن يقدّم الأقرب فالأقرب إليه عند تزاحم الواجبات؛ فإن نقاشنا هنا منصب على جهات مختصة تتولى مسؤولية استحياء الناس، سواء أكانوا فرقًا طبية أم وزارة صحة تضع سياسات عامة.

بالعودة إلى السؤال المركزي حول معيار التخيّر، لا بد من التفريق بين مفهومين: التداوي والاستحياء (إنقاذ حياة)، والفقهاء يفرقون بينهما بناء على تشخيص حالة الشخص، وبناء على تقدير نجاعة العلاج نفسه الذي هو مظنون وإن تفاوتت درجة الظن فيه. فمَن أشرف على الهلاك يجب تقديم علاجه على من لا يزال في مراحل المرض المبكرة، والمعيار هنا هو الاستحياء ودرجة الحاجة، ولا فرق هنا بين شاب وعجوز؛ لأن النفوس متساوية في القيمة

ولا يبدو لي أن القرعة تصلح وسيلة هنا؛ لأن التَخَيُّر بين المرضى في هذه الحالة يقوم على مصالح متعارضة تتم الموازنة بينها فتخضع لقواعد الموازنة، كما أننا نتحدث في أخلاقيات الطوارئ التي تتطلب سرعة في اتخاذ القرار بناء على معطيات علمية وليست اعتباطية. ولكن يبقى أن التَخَيُّر هنا سيُخلّ بقيمة العدل والمساواة بين المرضى في الحصول بالتساوي على العلاج اللازم، ولكن هذا غير متاح في ظل شيوع الأوبئة، أي أن شرط القدرة غير متاح.

تدور النقاشات الغربية هنا على معيارين: تشخيص الحالة ودرجة حاجتها للعلاج، وتقدير نسبة الشفاء المرجوّ؛ ففلسفة الواجب (deontology) تنسجم مع المعيار الأول، والفلسفة النفعية (utilitarianism) ومآلات الأفعال (consequentialism) تنسجم مع المعيار الثاني.

وقد خاض الفقهاء المسلمون نقاشات أخلاقية شبيهة، ومن الأمثلة الدالة هنا: لو شبّت النار في سفينة مثلاً فكيف يتصرف ركابها؟ والمعيار هنا هو ما يغلب على ظنهم أن فيه السلامة: سواء أكان البقاء فيها أم تركها والقفز منها إلى الماء. ولكن ماذا لو استوى الأمران؟ يذهب الشافعي وأحمد إلى التخيير، فيختار الركاب ما شاؤوا من الأمرين، أما الأوزاعي فقال: هما موتتان فاختر أيسرهما لك، وذهب المالكية إلى وجوب الانتقال من سبب الموت الذي حلّ إلى سبب آخر إن رجا به حياةً أو طول حياة؛ ولو حصل له معه ما هو أشد من الموت؛ لأن حفظ النفوس واجب بقدر الإمكان.

وبالعودة إلى السؤال المركزي حول معيار التخيّر، لا بد من التفريق بين مفهومين: التداوي والاستحياء (إنقاذ حياة)، والفقهاء يفرقون بينهما بناء على تشخيص حالة الشخص، وبناء على تقدير نجاعة العلاج نفسه الذي هو مظنون وإن تفاوتت درجة الظن فيه. فمَن أشرف على الهلاك يجب تقديم علاجه على من لا يزال في مراحل المرض المبكرة، والمعيار هنا هو الاستحياء ودرجة الحاجة، ولا فرق هنا بين شاب وعجوز؛ لأن النفوس متساوية في القيمة، بل إن كبير السن الذي يعاني من أمراض أخرى مصاحبة (underline medical conditions) أولى بالتقديم؛ لأن هذا سيضاعف من احتمالية هلاكه بالمرض، ومن ثَم من شدة حاجته إلى العلاج العاجل؛ إن لم يكن ميؤوسًا من شفائه.

هكذا يبدو أن النقاشات الأخلاقية ضرورية وثرية في آنٍ واحد، وأن عمادها على التعليل وتقديم الحجج المتماسكة؛ وقد اقتصرتُ هنا على طرف من الأخلاق المعيارية دون استيفاء جميع التساؤلات المطروحة، ولكن حسبي أنني ناقشت الفكرة عامة وإمكانات تطبيقها.



حول هذه القصة

بداية الستينيات كنتُ تلميذا بالمعهد الثانوي الفرنسي بطنجة؛ وأذكر مناقشتنا لأستاذ الرياضيات -بعد أن عُلّقت الدروس- بشأن ما الذي يتعيّن علينا توقعه وفعله عندما تندلع الحرب الذرية بين الروس والأميركان.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة