مقالات

مناقشة لفكرة "الدولة الإسلامية".. هل جاء الإسلام بنموذج محدد للدولة؟

blogs الإسلاميون

يجب البدء بتقرير حقيقةِ أن الإسلام لم يأت بتصور محدد لمفهوم الدولة بمعناها الحديث، فالدولة بمعناها الحديث هي نتاج تراكم في الخبرة البشرية، ونتيجة لتطور الفكر السياسي والدستوري والفلسفة السياسية، وخاصة مع فلاسفة الأنوار وانبثاق فكرة العقد الاجتماعي، ولا تزال نظرية الدولة في تطور متواصل.

ودون شك؛ فإن فكر النهضة الحديثة استفاد في كثير من الجوانب من التراث الإسلامي الفقهي والفلسفي، بما في ذلك ما حفل به من تأكيد على قيم الشورى والعدالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن كثيرا من القيم الفكرية والفلسفية والسياسية التي تبلورت عند الفلاسفة اليونان إنما يرجع الفضل في نقلها إلى الأوروبيين للعلماء والمفكرين المسلمين.

وفي نظري؛ فإن الحديث عن "الدولة الإسلامية" بمعناها النموذجي -الذي تتم فيه الإحالة على نموذج الخلفاء الراشدين وتتبناه بعض الحركات الإسلامية المعاصرة- فيه مبالغة، على اعتبار أن حكم الخلفاء الراشدين هو حالة أخلاقية أكثر من كونه نموذجا سياسيا بالمعنى الدستوري، وبمنطق تعريف الفكر السياسي لمفهوم الدولة.

ويمكن القول إن ابن خلدون هو الآخر حين تكلم -في "المقدمة"- عن مفهوم الدولة لم يتوصل إلى بلورة تعريف لها بالمعني الحديث، فهو في كلامه عن الدولة كان يتحدث عن تداول السلطة وانتقالها من "عصبية إلى عصبية أخرى" انطلاقا من قوله تعالى (وتلك الأيامُ نُداولُها بين الناسِ)، (آل عمران/ الآية: 140)؛ رابطا صعودها بعنصرين هما: الاستبصار الديني، ووجود المنعة أو العصبية التي تضمن الصعود للسلطة والتداول عليها؛ بعد أفول عصبية أخرى بسبب عامل الترف.

لا يمكن أن ينكر إلا جاحد أن الفقهاء المسلمين لم يبلوروا نموذجا محددا "للدولة الإسلامية"، وهل هي دولة مركزية أم فدرالية؟ ملكية أم جمهورية؟ هل هي برلمانية أم رئاسية؟ إمارة أم خلافة؟ بل إنهم ذهبوا فقط إلى طرح أسئلة فقهية اضطرارية تبحث عن مخارج فقهية لأوضاع سياسية قائمة، من قبيل تجويز إمارة الحاكم المتغلب، وجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، واجتهادات حول ولاية العهد، وهل تكون البيعة عامة شاملة أم يمكن الاكتفاء بـ"أهل الحل والعقد".

الحديث عن "الدولة الإسلامية" بمعناها النموذجي -الذي تتم فيه الإحالة على نموذج الخلفاء الراشدين- فيه مبالغة، على اعتبار أن حكم الخلفاء الراشدين هو حالة أخلاقية أكثر من كونه نموذجا سياسيا بالمعنى الدستوري، وبمنطق تعريف الفكر السياسي لمفهوم الدولة

ونثبت هنا ما قاله الدكتور أحمد الريسوني في مقال مبدع له حول حديث الخلافة ومفهوم الخلافة؛ حيث قال: "إن حديث الخلافة تم تهويله أكثر مما ينبغي، إلى درجة أن بعض الحركات الإسلامية تعتبر إقامة الخلافة حدا فاصلا بين وجود الأمة وعدمه، والإسلام وعدمه، كما تم تقديس لفظ الخليفة".

إن حديث (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، لا يصل درجة الحديث الحسن؛ بحسب ما قال عنه الشيخ المحدّث شعيب الأرناؤوط.

وهذا الحديث حتى وإن كان صحيحا، فهو يعطي توصيفا لا تكليفا، وهو مجرد إخبار عن أشياء ستقع، وتحذير من الانقلاب للملك الجبري، وليس فيه تكليف".

وتابع الريسوني قائلا: "إن المسلمين يمكن أن يُسمّوا حاكمهم خليفة أو أميرا أو سلطانا، إذ لا مشاحة ولا تضييق في الألفاظ، فجوهر الخلافة هو الحكم بالحق مصداقا لقوله تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)؛ (سورة ص/ الآية: 26). ولذلك فكل من حكم بالعدل والحق فهو خليفة بغض النظر عن التسمية".

ويضيف موضحا أن "السعي إلى استعادة ألفاظ وأشكال معينة للحكم مجرد مضيعة للوقت، فنحن مأمورون بالسعي إلى التقريب بين المسلمين، ونزع الخلافات والانقسامات بينهم، وكل خطوة في هذا الشأن فهي على منهاج النبوة".



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة