مقالات

الإسلام والحكم الثيوقراطي

بالرجوع إلى مصادر الإسلام الأصلية، وإلى ممارسات الخلفاء الراشدين، وإلى نظر فقهاء السياسة المسلمين من القدامى والمُحْدَثين؛ نجد أن الثيوقراطية تتعارض كليا مع الإسلام أحكاما ومقاصد، ومع فلسفته الدينية وفلسفته السياسية على السواء.

فعلى المستوى الديني؛ نزع القرآن الكريم القداسة عن الأنبياء والرسل أنفسهم، وهم أفضل خلق الله على السواء، ولم يجعلهم سوى بشر يبلغون عن الله، وعصمتهم إنما هي بعصمة الله لهم.

ولم تكن هذه العصمة أبدا تعني عصمة لهم في مجال التصرفات العادية والبشرية، التي هي تصرفات تقديرية يرِد عليها الخطأ والصواب، مثلما يرد على تصرفات غيرهم من البشر، كما تشهد لذلك عشرات الأدلة من القرآن والسنة.

ففي مجال نفي إثبات صفتهم البشرية؛ يقول القرآن الكريم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)؛ (الكهف/ الآية: 110).

وفي نفي تألُّه الأنبياء وادعائهم الصفة الإلهية أو استعباد الناس؛ يقول الحق سبحانه وتعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)؛ (آل عمران/ الآية: 79).

وفي نفي ادعاء عيسى عليه السلام الألوهية واستعباده للناس؛ يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)؛ (المائدة/ الآية: 116).

النبي صلى الله عليه وسلم ميّز -في أكثر من مناسبة- بين صفته الرسولية التبليغية أو مقام النبوة الرسالة (وهي محل العصمة) ومقام الإمامة والبشرية، حيث كان يتصرف في المقام الأول بالتبليغ وبتوجيه الوحي وتسديده، بينما كان يتصرف في المقام الثاني بمقتضى بشريته وطبيعته الإنسانية، وإن كان قد وصل في هذه إلى قمة الكمال البشري، الذي لا يتعارض مع ورود الخطأ في اجتهاده وتقديره

والنبي صلى الله عليه وسلم ميّز -في أكثر من مناسبة- بين صفته الرسولية التبليغية أو مقام النبوة الرسالة (وهي محل العصمة) ومقام الإمامة والبشرية، حيث كان يتصرف في المقام الأول بالتبليغ وبتوجيه الوحي وتسديده، بينما كان يتصرف في المقام الثاني بمقتضى بشريته وطبيعته الإنسانية، وإن كان قد وصل في هذه إلى قمة الكمال البشري، الذي لا يتعارض مع ورود الخطأ في اجتهاده وتقديره.

والدليل الواضح في ذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عنه في الصحيحين: "إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع منكم؛ فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة". (رواه البخاري ومسلم).

إن هذا الحديث يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف في المنازعات التي تعرض عليه بمقتضى بشريته، أي بمقتضى القرائن الظاهرة التي تظهر له، ومن ثم وكَل المقضيَّ له إلى ضميره الديني، إذ من الوارد أن يكون للّحن في الحجة أثر في توجيه نظره صلى الله عليه وسلم للحكم لغير صاحب الحق، كما هو في الأمر ذاته.

ونظير ذلك أيضا ما ورد في غزوة بدر ومراجعة الحباب بن المنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختياره لمكان نزول المسلمين، حين الاستعداد لمواجهة المشركين في موقعة بدر؛ حيث قال الحباب: "يا رسول الله؛ أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنْزَلَكَهُ الله -ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه- أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القُلُب (= الآبار)، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي"؛ (رواه الحاكم في ‘المستدرك‘).

والشيء نفسه أيضا في حادثة تأبير النخل؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن رافع بن خَدِيج أنه قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فإذا هم يؤبرون النخل -يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر". وشبيه به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر؛ فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب"؛ (أخرجه البزار في مسنده).

ونظير ذلك أيضا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصفاته العلاجية أو ما يُعرف بـ"الطب النبوي"؛ إذ إن العلماء يذهبون إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان في وصفاته الطبية يصدر عن خبرته البشرية الزمانية، وعن الخبرة البشرية المتوفرة في ذلك الزمان. ومن ثَمَّ فإن وصفاته الطبية ليست دينا ملزما، وإنما هي إشارة -مثل إشارة غيره- محكومة بخبرة العصر وثقافته وعلومه.

ومما يدل على ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقم عند آخر عمره -أو في آخر عمره- فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فينعتون له الأنعات (= الوصفات العلاجية)، وكنت أعالجها له"؛ (رواه أحمد في مسنده).

وفي هذا الصدد؛ يقول ابن خلدون: "الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل (يعني طبّ البادية المبني على تجارب قاصرة)، ليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجِبِلَّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع. فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». فلا ينبغي أن يُحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه". (ابن خلدون في ‘المقدمة‘).

كان النبي (ص) يتصرف -فيما دون تعاليم الوحي- تصرفات بالإمامة، أي بالاجتهاد القابل للأخذ والرد، وفي مواطن أخرى يتصرف بطبيعته وخبرته البشرية التي كانت تتناسب مع المستوى الذي وصلت إليه الخبرة الإنسانية آنذاك. وإذا كان هذا هو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي؛ فإن ذلك أولى بالنسبة لغيره من الحكام المسلمين الذين ليسوا أنبياء ولا رسلا، ولا هم مؤيَّدون بالوحي، كما أنهم ليسوا في مستوى فطنته وكماله البشري

ويقول القاضي عياض: "فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا -التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها- يجوز عليه صلى الله عليه وسلم فيها ما ذكرناه (أي الخطأ)، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جرّبها وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية. ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر، وفي ما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذِن بالبَلَه والغفلة". (القاضي عياض في ‘الشفا بتعريف حقوق المصطفى‘).

والخلاصة التي نريد الوصول إليها هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو المؤيد بالوحي- لم تمنعه عصمته التبليغية من التأكيد على صفته البشرية في مجال تدبير الشؤون اليومية، ولا من اعتماده الشورى والرجوع إلى أهل الشورى والخبرة، والنزول عند رأيهم ونظرهم المعتبر وهو المؤيد بالوحي.

ومن ثم فقد كان يتصرف -فيما دون تعاليم الوحي- تصرفات بالإمامة، أي بالاجتهاد القابل للأخذ والرد، وفي مواطن أخرى يتصرف بطبيعته وخبرته البشرية التي كانت تتناسب مع المستوى الذي وصلت إليه الخبرة الإنسانية آنذاك.

وإذا كان هذا هو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي؛ فإن ذلك أولى بالنسبة لغيره من الحكام المسلمين الذين ليسوا أنبياء ولا رسلا، ولا هم مؤيَّدون بالوحي، كما أنهم ليسوا في مستوى فطنته وكماله البشري.

وفي ذلك دلالة على أن الإسلام لم يضع أسس نظام حكم ثيوقراطي، بل إنه وضع أسس دولة مدنية إنسانية مرجعيتها مرجعية قرآنية إسلامية قائمة على الشورى والعدل، ومرتكزة على أساس المواطنة التي تستوعب المسلمين وغيرهم.



حول هذه القصة

إحدى الافتراءات الكبرى على المشروع الإسلامي إثارة موضوع الخيار بين ما يسمى بالدولة المدنية والدولة الدينية وهو نوع من التلفيق لا يليق بمن يطرحه. وليس هناك ما يسمى بالدولة المدنية، ووصفها بذلك هو وصف غير علمي أولا ونوع من الدجل ثانيا.

يشرح الكاتب أن الفقه الإسلامي يحتاج إلى ثورة تواكب التحديات التي فرضتها الثورات العربية الأخيرة، بما يضمن إيجاد أرضية مشتركة تجمع بين الإسلاميين والعلمانيين في المنطقة العربية. ويضيف أن فتح الباب أمام الحرية الدينية والسياسية كفيل بإنجاح مشروع توحيد الاتجاهات السياسية المختلفة.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة