التبرع بالشَّعر لمرضى السرطان والمشكلات المنهجية للفتاوى المعاصرة

مصر - القاهراة - 20 - 80 2015 جلسة منالمؤتمر عالمي بعنوان "الفتوى .. إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل"

أُطلِقت في تونس وفلسطين مؤخرًا حملةٌ للتبرع بالشَّعَر لمرضى السرطان، وهي ظاهرةٌ شاعت في السنوات الأخيرة بعدد من الدول كالأردن (مبادرة حرير) والسعودية (جامعة الملك سعود، وجمعية زهرة في المدينة المنورة)، وغيرهما.

تثير هذه المبادرات نقاشًا فقهيًّا وأخلاقيًّا؛ إذ إن هذا النوع من التبرع يشكل تحديًا للمفتي التقليدي. فمن جهة كان شَعَرُ النساء -ولا يزال- مثار جدل، خاصة بين المتدينين والإسلاميين الحركيين؛ لأنه يرتبط بمسألتيْ الحجاب والنظر، ولكن هذا الفعل يأتي هذه المرة في سياق دوافع إنسانية تتصل بفضائل أخلاقية كالتضامن والمواساة والبذل، الأمر الذي يُضفي على فعل التبرع بالشَّعر تعقيدًا غير مألوف.

ويضع هذا التعقيد بعض المفتين في مأزق لناحيتين: الأولى؛ كيفية التعامل مع الموروث الفقهي الغنين والذي تتعدد مصادره ومذاهبه وأقواله حتى داخل المذهب الواحد. والثانية؛ قلة عناية المفتين المعاصرين (على خلاف الفقهاء القدماء) بالتعليلات الفقهية والأخلاقية التي تضفي معقولية على أي حكم فقهي؛ لأن كل حكم هو نتاج منهجية قائمة بنفسها وشديدة التماسك: أصولاً وتطبيقاتٍ.

فحين يقوّم المفتي مثلاً فعل التبرع بالشعر لا بد أن يستحضر أيضًا الانتفاع به، والنظر إليه، والصلاة به، والتبرع بالأعضاء، والموقف من عمليات التجميل، وتحديد ما إن كان التبرع بالشعر يدخل في جنس أعمال الخير أو لا.

أي أننا أمام جزئيات مترابطة تعكس تعقيدات الفعل الإنساني، وأي تعليل لجزئية من هذه الجزئيات قد يؤثر في تعليل باقي الجزئيات حتى يستقيم التعليل ويتسق، وتصبح أفعالنا وأحكامنا معقولة المعنى؛ فالتعليل -كما يُفترض- يخدم قيمة محددة يتوخى تحقيقها في نهاية الأمر، وهو من اختصاص عِلمين: الفقه والأخلاق، والحالة التي نناقشها هنا تدخل فيما يُسمى "casuistry" أو الأخلاق التطبيقية.

يرجع الإشكال في مثل هذه الفتاوى إلى أمرين؛ أحدهما قلة عناية المفتين بالتدقيق في المصادر الفقهية وعدم الاهتمام بالاختلاف الموجود فيها؛ لأنه لا يوجد -لدى المفتي المعاصر- منهج واضح في التصرف حيال المسائل الخلافية، بل أحيانًا يتم الجزم قطعًا في مسألة هي خلافية أصلاً، أو يتحيز المفتي لما يراه هو صوابًا فيرجحه ويتجاهل الأقوال الأخرى ومستنداتها، فيشق على المستفتي ويثير البلبلة باختياره هو، ومع ذلك ينسبه إلى الفقهاء أو إلى الشارع الحكيم!

صدرت عدة فتاوى حول التبرع بالشعر، سأشير إلى ثلاث منها فقط ثم أوضح وجه الإشكال فيها. الأولى: فتوى لموقع ‘إسلام أونلاين‘ وهي أنه لا يجوز التبرع؛ لأن وصل الشعر "لا يجوز قطعًا"، وبيع الشعر وإن كان "فيه خلاف كبير" فالأصح "منعه شرعًا؛ إذ لا يُنتفع به إلا في الوصل"، ولأن "المرأة لا تملك شيئًا من جسمها".

والفتوى الثانية: فتوى لموقع ‘الإسلام سؤال وجواب‘ أنه "لا خلاف بين الفقهاء في المنع من بيع الإنسان شَعره؛ لأنه جزء منه، وهو مكرَّم، وبيع شيء من أعضائه يعرّضه للمهانة والابتذال". ثم نقل عن ‘الموسوعة الفقهية الكويتية‘ أنه "اتّفق الفقهاء على عدم جواز الانتفاع بشَعْر الآدميّ بيعاً واستعمالاً"، ثم أجاز -بالاستناد إلى الشيخ ابن عثيمين- "استعمال الشعر المستعار" (يقصد الصناعي) إذا كان لإصلاح عيب، وحرّمه "إذا كان المقصود به التجمل والتزين".

الفتوى الثالثة: فتوى لموقع ‘إسلام ويب‘ إجابةً لسائل يسأل عن لبس "الباروكة" لمريضة السرطان؛ فتحدثت الفتوى عن أمرين: وصل الشعر ثم لبس الباروكة، وترى أنه "يحرم وصل شعر المرأة بشعر نجس أو بشعر آدمي، سواء في ذلك المتزوجة وغيرها، وسواء بإذن الزوج أو بغير إذنه، وعلة التحريم ما فيه من التدليس والتلبيس بتغيير خلق الله، ولحرمة الانتفاع بشعر الآدمي لكرامته، والأصل أن يدفن شعره إذا انفصل".

أما لبس الباروكة؛ فقد أوضحت الفتوى اختلاف الفقهاء في هذا، فهي "جائزة عند الحنفية، وجائزة عند الشافعية للمتزوجة بإذن الزوج، وجائزة عند الحنابلة للحاجة، وجائزة عند المالكية لأنها (أي الباروكة) ليست بوصل بل توضع وضعاً".

يناقض المفتي الثاني المفتي الأول في تحديد موقف الفقهاء من بيع الشعر (هل اتفقوا أم اختلفوا؟)، والمفتيان الثاني والثالث يفتقران إلى الوضوح والدقة، فيتصوران أن الباروكة هي من الشعر المستعار الصناعي فقط! ولكن الفتاوى الثلاث تتفق على حرمة استعمال الشعر البشري، وهو ما تقرره فتوى أخرى لموقع ‘إسلام ويب‘ بصيغة حازمة: "لا يجوز لها التبرع بشيء من شعرها" لمرضى السرطان.

والطريف أن فتاوى موقعيْ ‘إسلام أونلاين‘ و‘إسلام ويب‘ تجيز التبرع بالأعضاء، ولكن من دون أي توضيح لماذا يُستثنى الشعر من التبرع بالأعضاء وهو منها، خصوصًا أن التبرع بكليهما في هذا السياق هو نوعٌ من العلاج!

يرجع الإشكال في مثل هذه الفتاوى إلى أمرين: الأول؛ قلة عناية المفتين بالتدقيق في المصادر الفقهية وعدم الاهتمام بالاختلاف الموجود فيها؛ لأنه لا يوجد -لدى المفتي المعاصر- منهج واضح في التصرف حيال المسائل الخلافية، بل أحيانًا يتم الجزم قطعًا في مسألة هي خلافية أصلاً، أو يتحيز المفتي لما يراه هو صوابًا فيرجحه ويتجاهل الأقوال الأخرى ومستنداتها، فيشق على المستفتي ويثير البلبلة باختياره هو، ومع ذلك ينسبه إلى الفقهاء أو إلى الشارع الحكيم!

الأمر الثاني؛ هو إهمال مناقشة التعليلات الفقهية القديمة للحُكم، ومدى صلاحيتها لواقعنا اليوم، من دون إيلاء أي أهمية للتغيرات القيمية والاجتماعية التي طرأت على حياة الناس، في تجاهل تامٍّ لإمكان تغيّر هذه التعليلات؛ لأنها مرتبطة بسياقات وفهوم اجتماعية أو تاريخية، فالتعليلات تنطوي على حيوية تشرّع إمكانية تغيّر الحكم بتغير التعليل نفسه، ويكون الحكم المُصار إليه منسجمًا مع المنهج الفقهي نفسه، وإن خالف شكل الحكم فإنه يلتزم بالقيمة الثاويّة وراءه.

شكّلت "حرمة وصل الشعر" مسألة مركزية وبدهية مقطوعًا بها لدى المفتين، رغم أننا نجد فيها خلافًا مشهورًا وتحديدًا داخل المذهب الحنبلي الذي يشاع أنه أشد المذاهب، والمفترَض أنه المذهب الذي يميل إليه أصحاب الفتاوى الثلاث هنا!

يقرر الإمام الحنبلي تقي الدين البغدادي الأدَمي (ت حوالي 749هـ) في كتابه ‘المنور في راجح المحرر‘ الذي هو أحد مصادر المذهب الآتي: "ويُكره القَزَعُ، ونَتْفُ الشيب، وتغييرُه بسواد إلَّا لحرب، وغرزُ الجِلد بكُحل، ووصلُ شعر الأنثى، وثقب أُذن الذكر"، أي أنه يجعل "الكراهة" هي الحكم في كل هذه الأفعال ويقتصر عليها.

شكّلت "حرمة وصل الشعر" مسألة مركزية وبدهية مقطوعًا بها لدى المفتين، رغم أننا نجد فيها خلافًا مشهورًا وتحديدًا داخل المذهب الحنبلي الذي يشاع أنه أشد المذاهب، والمفترَض أنه المذهب الذي يميل إليه أصحاب الفتاوى الثلاث هنا

ولكن أحد أئمة المذهب الحنبلي الكبار -وهو المرداوي (ت 885هـ)- اعتنى بتتبع الخلاف داخل المذهب، وحين جاء إلى هذه المسألة قال الآتي: "ويَحْرُم نَمْصٌ، وَوَشْرٌ، وَوَشْمٌ على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يَحْرُمُ. ويَحْرُمُ وَصْلُ شَعْرٍ بِشَعْرٍ على الصحيح من المذهب، وقيل: يجوز مع الكراهة. جزم به في ]كُتُب:[ ‘الْمُسْتَوْعِبِ‘، وَ‘التَّلْخِيصِ‘، وَ‘الْحَاوِيَيْنِ‘، وَ‘الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى‘، وغيرهم، وَقَدَّمَهُ في ‘الرِّعَايَتَيْنِ‘. قيل: يَجُوزُ بإذن الزَّوْجِ".

وهذه مصادر في المذهب يُرمز إليها رمزًا، توضح قوة الخلاف داخل المذهب الحنبلي في مثل هذه المسائل، وبعضهم يقوّي الكراهة وبعضهم يقوي التحريم، وبعضهم يجيز بإذن الزوج. بل إن ابن تيمية (ت 728هـ) نفسه يقرر -في كتابه الفقهي ‘شرح العمدة‘- أنه "يُكْرَهُ الْخِضَابُ بالسَّوَاد…، فيُكْرَهُ كما كُرِهَ وَصْلُ الشَّعرِ وَالنَّمْصُ وَالتَّفَلُّجُ"؛ واقتصر على هذا الرأي دون غيره.

تحيل هذه الخلافات إلى نقطتين: الأولى؛ العُرف الاجتماعي وتغيراته تجاه مثل هذه المسائل المتعلقة بممارسات الناس وما تجري به أعرافهم. والثانية؛ كيفية التعامل مع الحديث النبوي الذي يقول: "لعن الله الواصلة والمستوصلة"، واللعنة على الشيء تدل على تحريمه (بحسب الظاهر)، ولكن هذا الفعل لا يتناسب مع اللعن، فالأصل فيه أنه حكم معقول المعنى يُبحث فيه عن علة، ومن هنا رأى بعض الفقهاء أن سبب اللعن هو ما فيه من التدليس والتلبيس بتغيير خَلْق الله.

بل إن الأثريين المعاصرين أداروا معارك على مسألة "إطالة الثوب"؛ لحديث "من جر إزاره خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"؛ من دون محاولة تعقُّل المعنى والتفكر في عدم تكافؤ الفعل مع الجزاء، وهي من المسائل المهمة في أي منظومة أخلاقية. فابن تيمية نفسه يحكي أن "طائفة من الفقهاء يقولون: إن الجر والإسبال للخيلاء مكروهٌ غيرُ محرَّم"، ويجعله شبيهًا بحديث "لعن الله الواصلة والمستوصلة".

ورغم أن حديث اللعن هذا من أصح الأحاديث؛ فإن ابن تيمية يحكي أنه في "وصل الشعر خلاف معروف"، وهو ما يعيدنا مجددًا إلى مسألة فهم النصوص لا مجرد استعراضها والوقوف عند ظواهرها، وهي آفة كثير من الأثريين. ولكن يبقى أن طريقة الفقهاء في التعاطي مع الحديث وفهمه والبحث عن التعليلات مختلفة عن طريقة أهل الظاهر.

ولو رجعنا إلى التعليلات المطروحة؛ فسنجد أن المفتي المعاصر يستعيدها من دون تفكر في ملاءمتها للتطورات الحاصلة اليوم في الاجتماع والثقافة؛ ففكرة "حرمة الانتفاع بشعر الآدمي لكرامته" تم تجاوزها اليوم؛ لأن الشعر نفسه صار سبيلاً لتكريم الآخر ومواساته، ولم يعد ثمَّ أي امتهان في مثل هذه التصرفات التي ربما تعود إلى رمزيات ثقافية اندثرت، بل -على العكس- نجد أن التبرع بالشعر تكريم؛ إذ وضعه على الرأس تكريمٌ.

وفكرةُ أن الإنسان لا يملك جسَده للتبرع به تم تجاوزها بحسب الرأي الذي ساد في هذا العصر وهو جواز التبرع بالأعضاء، والشعر من الأعضاء. كما أن انتفاء ملكية الشخص لجسده لا ينفي ولايته على جسده، وأنه مؤتَمن عليه وموكَّلٌ فيه، يتصرف فيه بمقتضى هذه الأمانة التي حُمِّلها، مما يعني أن تصرُّفه وفق مقاصد قيمية هو عمل أخلاقي بموجب الائتمانية.

أما القول بأن سبب لعن من يصِل شعرَه أو يستوصله هو التدليس، فإنه لم يعد الغرض المتبادر من الوصل اليوم ولا الهدف الوحيد؛ فالوصل اكتسب مقاصد متعددة منها التزيين والتجمل، ومنها إصلاح العيوب وتساقط الشعر. وفي حالة المرضى؛ فإن المسألة تندرج في سياق أخلاقي مختلف تمامًا، لما يمثله الشعر بالنسبة للنساء والأطفال من أهمية خاصة، لما له من تأثيرات نفسية واضحة.

يختصر الموقف من التبرع بالشعر مشكلاتٍ منهجية وفكرية كبرى، والمثال المطروح هنا مجرد أثر من آثارها، ولهذا توقف الفقه الإسلامي -كما يعكسه كثيرٌ من المفتين المعاصرين لا في ذاته كعِلم- عن الحيوية في التفاعل بين النص والواقع، وتعطلت حيويته التي كانت تتمثل في التعليلات التي يقدمها

وفي حالة التجمل والتزيين؛ فإن بعض المفتين يقْصرون الأمر على إصلاح خلل أو عيب، وكأن ثمة حرجًا في التجمل نفسه للذات قبل أن يكون لزوج قد لا يأتي، وكأننا في حالة خصومة مع النفس نسعى لمنع ما يُسعدها؛ وذلك لفكرة تم التسليم بها -وهي محل إشكال كبير- ألا وهي "تغيير خلق الله". هذا رغم أن المفسرين السابقين رأوا أن التغيير هو تغيير معنوي مرتبط بالفطرة، لا تغيير مادي أو جسمي؛ وإلا فالإنسان يقوم بتغييرات عديدة في جسده تبدأ من الختان والتخلص من الشعر الزائد وقص الشعر والأظافر، وهي مسائل من خصال الفطرة وهي تغيير محمود!

يختصر الموقف من التبرع بالشعر مشكلاتٍ منهجية وفكرية كبرى، والمثال المطروح هنا مجرد أثر من آثارها، ولهذا توقف الفقه الإسلامي -كما يعكسه كثيرٌ من المفتين المعاصرين لا في ذاته كعِلم- عن الحيوية في التفاعل بين النص والواقع، وتعطلت حيويته التي كانت تتمثل في التعليلات التي يقدمها، وتضفي بعدين أساسيين على أحكامه: الأول؛ المعقولية بحيث لا تبدو أحكامه اعتباطية أو مجرد أحكام نصية صمّاء تُمتَثل ولا تُعقَل، وكأن كل الدين تعبد لا نفهم معناه.

والثاني؛ الأخلاقية، لأن التعليلات الفقهية تضفي قيمًا أخلاقية على الأحكام، وتتوخى تحقيقها في أفعال الناس، فالتعليلات هي التي منحت حيوية واستمرارية للفقه، واليوم حين نمارس التعليل الأخلاقي لأفعالنا فإننا نبحث عن معقولية، بحيث لا نتصرف إلا بوعي ونحن نملك الجواب على سؤال "لماذا؟".

كما أننا بالتعليل نربط تصرفاتنا بتحقيق قيم أخلاقية محدَّدة نحقق لها الاتساق الداخلي، والغيرية أيضًا، ومن ثم نتحقق من أننا لا نتصرف وفق أهوائنا الشخصية؛ ما دمنا نملك تعليلات واضحة مستقلة عما نحبه ونكرهه. لقد باتت بعض الفتاوى للأسف تتمسك بظواهر وأشكال قد تعوق تحقيق القيم التي إنما وُضعت الأحكام لتحقيقها أصلاً وضبط تطبيقاتها لدى الأفراد.