حدث ذات مرة في هوليود.. الطريق إلى باب "الجنة"!

صورة من فيلم حدث ذات مرة في هوليود
بالتأكيد يُعدُّ كوينتين تارانتينو أحد أساطين الفن السابع بطرحه الفني المبدع المتجدد في أفلامه. ولا غرو أن يحقق هذه المنزلة؛ فرؤيته المميزة لفتت النظر إليه أولاً في مهرجانات السينما الأوروبية، ومنها انطلق إلى مهرجانات السينما الأميركية، ثم تلقفته هوليود ليصنع من خلالها مجموعة أفلامه التي حققت له الشهرة والنجاح. 
 
وفيلمه "حدث ذات مرة في هوليود" هو نوع من استعراض سحر السينما في فترتيْ الستينات والسبعينات. وقد اعتمد روائيا على نجم غابت عنه شمس هوليود وهو كليب بوث (ليوناردو دي كابريو)، ومساعده الدوبلير ريك دالتون (براد بيت) الذي يقوم بدلا منه بأداء المشاهد الخطرة، ويتحمل انهيارات النجم الذي كان.
 
ويستعرض هذا الفيلم -على الخط الموازي- قصة شارون تيت (مارجو روبي)، وهي تسكن مع زوجها المخرج السينمائي اللامع رومان بولانسكي في ڤيلا فاخرة، مجاورة للفيلا المتواضعة التي يسكنها الممثل الذي أفل نجمه. 
 
وفي أثناء الأحداث؛ تأتي مجموعة من طائفة "تشارلز ميللر مانسون" لكي يقتلوا شارون تيت فيهاجموا الڤيلا الخطأ وهي ڤيلا النجم المذكور؛ فيتصدى لهم الدوبلير مفتول العضلات ويقضي عليهم. وتأتي سيارات البوليس والإسعاف، وتعلم شارون من أحد أصدقائها بما حدث فتدعو النجم إلى استكمال السهرة عندها مع أصحابها، وعند موافقته على الدعوة تفتح بوابات الڤيلا الضخمة؛ كما لو كانت أبواب المجد في هوليود هي التي تُفتح، ليدخل مزهوا منتصرا إلى طريق المجد.

فيلم "حدث ذات مرة في هوليود" هو نوع من استعراض سحر السينما في فترتيْ الستينات والسبعينات. وقد اعتمد روائيا على نجم غابت عنه شمس هوليود وهو كليب بوث (ليوناردو دي كابريو)، ومساعده الدوبلير ريك دالتون (براد بيت) الذي يقوم بدلا منه بأداء المشاهد الخطرة، ويتحمل انهيارات النجم الذي كان
 
 
يخالف تارانتينو هنا الحادثة التاريخية التي استندت إليها أحداث الفيلم. فالتاريخ يقول إن تلك الحادثة الحقيقية انتهت بمقتل "شارون تيت" مع جنينها الذي كان في الشهر الثامن، حيث ذبحت هي وأصحابها الخمسة في مجزرة دموية لم ينسها العالم. وقدم زوجها بولانسكي فيلمه -الذي حقق نجاحا مدويا في لندن- "روزماري بيبى" حول هذه الحادثة. 
 
لنتأمل كيف صاغ تارانتينو كل هذا. سنجد أن الخط المسيطر في الفيلم هو مآل النجم ومعاناته إثر انحسار الأضواء عنه، وبمجرد أن جاءته فرصة ما نراه يشحذ نفسه كممثل، ويحفظ دوره جيداً آملاً أن يُقّدم مشهداً يُصفّق له الجمهور.
 
المشهد المؤثر الذي صنعه الفيلم هو حين تقترب طفلة من المشاركات في العمل لتهمس له بوداعة: "إنه قدّم التمثيل الأروع"، وفي هذا المشهد ينهار النجم ويبكي بكاءً مريراً على حاله. يذكرني هذا المشهد بآخر للنجم المصري أحمد رمزي في فيلم "ثرثرة فوق النيل"، وقد لعب فيه دورا مشابها لدور "ليوناردو دي كابريو" عندما أدى مشهداً داخل البلاتوه، يعلم مدى تفاهته؛ فتأتي إليه المُعجَبات وعلى رأسهن ميرفت أمين، ليقدمن له التهنئة.
 
تقترب الكاميرا من وجه أحمد رمزي وهو ممسك بمروحة بيده يلوّح بها بهدوء مشوب بعصبية، ووجهه ينم عن انفعال غاضب مكتوم، لعلمه أنه مُضّطر لتقديم هذا الغث ليبقى موجودا في مجال فنه وإن بشكل كاذب لا يليق بمجده السابق. هذه اللقطة العبقرية لأحمد رمزي من أفضل لقطات الفيلم على الإطلاق، وهي تقف بالتوازي مع لقطة دي كابريو. 
 
نعود إلى تارانتينو؛ فقد قدم في فيلمه عالم "الهيبيز" باعتباره مجتمعاً فارغاً غارقاً في المخدرات والفراغ والتفاهة. ولكن يجدر بنا أن نوضح أن هناك فرقا بين مجتمع الهيبيز الحقيقي -الذي تبنّى الدعوة إلى العودة للطبيعة والسلام كرد فعل على سياسة أميركا المتوحشة في حرب فيتنام وغيرها من الحروب- وطائفة "تشارلز مانسون" التي قدمها الفيلم؛ فالأخير نجح في أن يقنع جماعة من الفتيات بأنه موحى إليه، ولكي يصبح أكثر إقناعاً فإنه تودد إلى حركة الهيبيز وأخذها غطاء له.
 
وعلى أية حال؛ كان تقديم السينما الأميركية لحركة الهيبيز في الغالب تقديمًا سلبياً، ولم تُنصف هذه الحركة إلا في القليل من الأعمال، على رأسها فيلم "هير" لموليش فورمان الذي قدم شخصية الهيبي ببعدها الأكثر عمقا، كمقابل لتفاهة الشباب السطحي الفارغ الذي يتحرك بأوامر المؤسسة ليدخل حرب فيتنام دون معرفة سبب مقنع لهذه الحرب. 
 
على صعيدٍ تاريخيٍّ آخر؛ لم تكن طائفة "تشارلز مانسون" تقصد قتل شارون تيت، بل كان المقصود أحد الأغنياء رفض تقديم المساعدة المالية لهم. ولما ذهبت طائفة مانسون لقتله كان لسوء الحظ قد باع الڤيلا لبولانسكي وزوجته شارون، فقتلت الطائفة مَنْ في الڤيلا بلا تمييز بينهم.

نلاحظ في هذا الفيلم بعض المشاهد التي يقوم فيها ليوناردو باستخدام خرطوم حريق لحرق أحد النازيين، ومعروف ما فعله هؤلاء باليهود. وبالانتقال إلى المشاهد الأخيرة، وتحديدا مشهد هجوم عصابة مانسون على الڤيلا ودفاع ديكابريو وبراد بيت عنها؛ نجد ديكابريو يستخدم خرطوم الحريق أيضا ليحرق أحد أفراد العصابة أراد أن يقتل شارون تيت اليهودية
 
 
ولكن لماذا اختار تارانتينو مفارقة مقتل شارون تيت تحديداً؟ ولماذا أيضا قَدّم النجم الأميركي من أصل صيني "بروس لي" في فيلمه على هذا النحو المعاكس للمتعارف عليه؛ حيث قام "براد بيت" الأميركي بضرب "بروس لي" الصيني؟  وهل يرتبط هذا بشكل أو آخر بالصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأميركية والصين؟
 
نلاحظ أيضا بعض المشاهد التي يقوم فيها ليوناردو باستخدام خرطوم حريق لحرق أحد النازيين، ومعروف ما فعله هؤلاء باليهود. وبالانتقال إلى المشاهد الأخيرة، وتحديدا مشهد هجوم عصابة مانسون على الڤيلا ودفاع ديكابريو وبراد بيت عنها؛ نجد ديكابريو يستخدم خرطوم الحريق أيضا ليحرق أحد أفراد العصابة أراد أن يقتل شارون تيت اليهودية.
 
ثم نصل إلى آخر مشهد في الفيلم؛ حيث تدعو شارون ليوناردو إلى العشاء تقديراً لموقفه النبيل فتفتح أمامه بوابة الجنة والمجد: بوابة هوليوود، تفتحها شارون تيت زوجة رومان بولانسكي؛ أي تفتحها القوة اليهودية المتحضرة كمكافأة على صنيعه. وهكذا قدّم لنا تارانتينو فيلماً متعدد الدلالات والمستويات، ولكن -في آخر الأمر- لا يسعنا إلا أن ندخل عالمه الفريد الآسر، ونستمتع بسحر هوليود.


حول هذه القصة

ميدان - فيلم الجوكر 11

حقق فيلم “الجوكر” نجاحاً مذهلاً على المستوييْن الجماهيري والنقدي، بل وتجاوز ذلك ليصبح أيقونة ومصدر إلهام، وشكّل نوعاً من الإنصاف للشعوب المقهورة؛ فما العوامل التي جعلته يحقق هذا النجاح الواسع؟

blogs ممالك النار

يمكننا اعتبار مسلسل “ممالك النار” -الذي تبثه “أم بي سي” السعودية والمتمركزة بالإمارات- حملةً مضادة، تهدف لخفض تأثير المسلسلات التركية التي اكتسبت أهمية أسطورية بالعالم العربي، بل وفي العالم كله.

ملصق مسلسل رأفت الهجان بطولة محمود عبد العزيز

لأسباب كثيرة شائكة وشائقة معا، ارتبط الحديث عن أعمال المخابرات والجاسوسية وذكراها في الذهنية العربية المعاصرة بالإنتاج الدرامي السينمائي والتليفزيوني، ولا شك أن مسلسل رأفت الهجان كان أبرز هذه الأسباب.

دراما الإرهاب والمعالجة الدعائية لظاهرة العنف

في استعادة غير محمودة للاستغلال الفني لظاهرة “العنف الإسلامي” كما قدمته السينما المصرية خلال الثمانينات والتسعينات، يبدو أن ثمة استغلالا مماثلا هذه الأيام للظاهرة الجهادية في طبعتها “الأفغانية” وطبعتها “القاعدية”.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة