مقالات

ما معنى خطاب الإصلاح الجديد لأردوغان؟

(وكالة الأناضول)
(وكالة الأناضول)

أعلن رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان مؤخرا عن التحول نحو عصر جديد في مجال القانون والديمقراطية، وقد تطرق أردوغان إلى هذه المسألة في العديد من المناسبات، التي كان حاضرا فيها، وهو ما رفع سقف التوقعات بشأن هذا العصر الإصلاحي الجديد الذي ستدخله تركيا.

 

في الواقع، إن أكبر وأشمل حزمة إصلاحات في تاريخ الجمهورية حدثت قبل عامين ونصف من خلال الانتقال إلى النظام الرئاسي، لتدخل بذلك البلاد في نظام جديد لم تشهده في السابق، حيث كان على جميع مكونات المنظومة السياسية الخضوع لعملية إعادة هيكلة النظام لمجاراة هذا التحول.

 

لكن حزب العدالة والتنمية موجود في السلطة منذ ما يقارب 18 عاما، وبالتالي لسائل أن يسأل ما الذي يعنيه حديث زعيم هذا الحزب ورئيس البلاد، الذي أحدث العديد من التغييرات والإجراءات في السابق، الآن عن فترة إصلاحات جديدة؟ هل كان الحزب الحاكم على مدى 18 عاما يتجاهل ما كان يتوجب عليه فعله، أم أنه اكتشف الآن أن بعض التغييرات، التي أجراها، كانت خاطئة لذلك يطرح حزمة إصلاحات جديدة لتصحيح هذه الأخطاء؟

 

لا شك أن البقاء في الحكم 18 عاما تجربة استثنائية في الأنظمة الديمقراطية في العالم. ولم يتمكن أي حزب في أوروبا من البقاء على رأس السلطة 5 فترات متتالية من خلال تجديد ثقة الشعب فيه والحصول في كل مرة على ثقة أكبر. وفي حين أن حكام الشرق الأوسط يبقون في السلطة لمدة 30 أو 40 عاما من خلال الانتخابات المزورة، تجري تركيا انتخابات حقيقية يختار من خلالها الشعب من يمثله حقا، وقد انتخب أردوغان بكامل إرادته في 5 محطات انتخابية متتالية.

 

بالنسبة للإصلاحات، فإن المشاكل المزمنة التي تراكمت في فترة ما قبل أن يصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، كانت هائلة لدرجة أن السياسة الإصلاحية، التي تم اعتمادها خلال السنوات التالية، وفرت الأرضية الملائمة لهذا الحزب للبقاء في السلطة طيلة هذه الفترة.

نظمة فتح الله غولن، التي تتمتع ببنية تنظيمية سرية في غاية الخطورة، كانت أكثر من استفاد من الثغرات، التي شابت أغلب الخطوات الإصلاحية الديمقراطية والقانونية. فقد بدأت هذه المنظمة باستغلال المسار الديمقراطي والإصلاحي بشكل مكثف انطلاقا من تنظيمها السري ونشاطاتها منذ 2012.

لطالما واجه الفكر الإصلاحي بعض المقاومة من النظام القائم، حتى لو كان أصحاب هذا الفكر في موقع السلطة. وأمام هذه المقاومة أدى حزب العدالة والتنمية دور المعارضة الحاكمة، حتى عندما كان في الحكومة. ولعل المثير للاهتمام في ذلك هو أن مقاومة المعارضة للخطاب الإصلاحي للحكومة مثّلت دائما فرصة لإعادة التفكير، وقد حافظ حزب العدالة والتنمية على علاقة وطيدة مع الشعب، تماما كما لو أنه "المعارضة الموجودة في الحكم".

 

لتخطي المشاكل المزمنة التي عانت منها تركيا على مدى قرن من الزمان، كان يفترض إجراء إصلاحات جذرية. ورغم المقاومة الشديدة، فُرضت التغييرات اللازمة من خلال مكافحة ألاعيب الدولة العميقة وصراعات القوى الخفية، وتستحق هذه الإصلاحات، التي أجريت في فترة قصيرة؛ خاصة في مجالات الديمقراطية والقضاء والإدارة العامة، لقب "الثورة الصامتة"، وهو عنوان كتاب يصف كل هذه الإصلاحات صدر عام 2011.

 

ولكن تبين أن منظمة فتح الله غولن، التي تتمتع ببنية تنظيمية سرية في غاية الخطورة، كانت أكثر من استفاد من الثغرات، التي شابت أغلب الخطوات الإصلاحية الديمقراطية والقانونية. فقد بدأت هذه المنظمة باستغلال المسار الديمقراطي والإصلاحي بشكل مكثف انطلاقا من تنظيمها السري ونشاطاتها منذ 2012.

 

كما منحت الإجراءات، التي تم سنها لانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، أنصار هذه المنظمة الفرصة لملء هذه المناصب، خاصة أنهم يمثلون البنية الوحيدة المنظمة داخل السلطة القضائية. وهذا يعني أن أغلب الإصلاحات إما غير صالحة بسبب المحاولات الانقلابية المتتالية، أو أن المناخ الإصلاحي تم تقويضه بشكل قوي.

 

من المفيد دائما التذكير بما فعله تنظيم فتح الله غولن لفهم نوعية التشويش، الذي تعرضت له السياسة الإصلاحية. أما تشويشهم غير المسبوق في هذا الوقت، فلا يمكن اعتباره حجة للتخلي عن السياسات الإصلاحية. ومن الواضح أن المنتمين لهذا التنظيم أضاعوا الكثير من الوقت على تركيا. ونتيجة لذلك، أصبحت الديمقراطية التركية عرضة للكثير من الانتقادات في الإعلام الأوروبي والدولي، بشأن سجل حقوق الإنسان وحرية التعبير، وهي انتقادات تستند في أغلبها إلى الدعايات الغولنية؛ لكن تركيا فرضت منذ 15 يوليو/تموز حالة الطوارئ، وبدأت بتصحيح الأوضاع.

 

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فإن السياسات الإصلاحية لم تكن خطوة واحدة ونهائية؛ بل أسلوب حكم. وأحيانا تنبع الحاجة للقرارات الإصلاحية من المشاكل التي تظهر مع ممارسة الحكم. وخلال 18 عاما التي قضاها في السلطة رأى حزب العدالة والتنمية الحاجة لإدخال بعض التغييرات والتحديثات. والمهم هو اكتساب القدرة على رؤية هذه الحاجة، والتفكير الذاتي، وإدراك أوجه القصور، والمشاكل في صلب النظام السياسي والسلطة نفسها.

 

بالنسبة لأردوغان وتركيا بشكل خاص، فإن الأحداث الاستثنائية لـ15 يوليو/تموز تركت أثرا كبيرا رغم إحباط المحاولة الانقلابية؛ لذلك يخطط الرئيس لترسيخ الإصلاحات التي أجريت خلال 18 عاما الماضية، وجعلها دائمة. لقد نجحت تركيا مسبقا في جذب الاستثمار الخارجي، وتوفير كل ما يريده المستثمرون الأجانب من بيئة موثوقة وخالية من أي مفاجآة. تحترم تركيا كذلك مبادئ حقوق الإنسان في تعاملها مع مواطنيها، وتسعى لإرساء نظام يضمن أعلى مستويات العيش والرفاهية للشعب؛ لتكون نموذجا يحتذى به لكل الحكومات في العالم الإسلامي، وأتمنى أن تركز الدول الإسلامية وحكامها على البحث عن مصالح مواطنيها، وذلك من خلال التوقف عن التركيز كليا على فكرة البقاء في السلطة.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة