بساط الأحلام في ممالك الطفولة وتراب الوطن الأحمر

(وكالة الأناضول)

اسمحوا لي أن أمتطي بساط الأحلام إلى ممالك الطفولة، لعلي أرسم لكم بالكلمة صورا من الوطن بات يتهددها النسيان؛ بل يغالبها في بعض الأحيان، وأخشى أن يغلبها، كلما طال بنا الاغتراب والشتات والتنائي عن فلسطين وأكنافها.

وحتى لا ننسى ينبغي لنا العودة إلى الجذور؛ لنروي الذاكرة، وننفث في الروح نفسا خالدا يتغنى بفلسطين، فلا ننسى ولا نتعب ولا نمل.

كان كل شيء في قريتنا ينبع من التراب الأحمر، يرضع منه، يكبر به ويترعرع معه.

يولد الطفل، وما أن يطلق صرخته الأولى يضمخونه بما جاد به التراب، زيت زيتون وملح، يوجعه كي لا ينسى أن أعذب الأوجاع ذلك الذي نتجرعه من أجل الوطن.

يولد الطفل فيلفونه بلفاع، ويوضع على صينية من قش قمحنا تغذى من التراب الأحمر، صبغته أمي بدمها ونسجته بأحلامها، وأحاطته جدتي بدعواتها "ربي يكبرك ويعطيك ويبعد عنك أولاد الحرام"، كي لا ينسى أن لا شيء أريح ولا أرحب من بقعة الوطن.

يولد الطفل وإن اشتكى حرقة الأيام يرشون التراب الأحمر "السمقة" على فخذيه الطريين، فيبرأ بإذن الله، كي لا ينسى ألا شفاء إلا بتراب الوطن ومنه (لم يكن هناك بودرة بيبي جونسون ولا عطور بيير كاردان).

يولد الطفل فلا يتزين ولا يشم رائحة العطر الأصيل، حتى يدرج في حارات قريتنا، وفي جنائن التراب الأحمر كي لا ينسى أن لا شيء أحلى ولا أجمل من تراب الوطن.

يهطل أول المطر على التراب الأحمر المشتاق، بعد صيف وقيظ، فيتضوع الكون بعطر مَنْ شمه مرة لا ينساه أبدا. تلك رائحة تبعث في النفس فرحا مثل فرح عشقك الأول، تنتشي به ويرتفع معه صدرك مثل ارتفاع ماء نهر يقترب من الفيضان، ويربو معه صدر الفتاة ويهتز.

يولد الطفل وأول ما تتحنى به ساعداه وقدماه؛ ذلك الطين الأحمر المتضمخ بعطر المطر الأول.

ينطلق الطفل في الحارات لا يأبه للمطر، تبتل خرقته التي لا يغطي جسمه الغض شيء من لباس إلا هي، ومعها دفء الوطن.

يعود الطفل إلى البيت، فتثور ثائرة أم تكد كل ساعة حتى يظل متعافيا ونظيفا "شو اللي سويته يا شقي؟ ما بكفيني اللي أنا فيه".

يهرب الطفل من زعل الأم إلى حضن جدة حانية، تضمه وتبعث دفء الحنان في جسده النحيل.

يأتي الليل فتسكن الأشياء والأحياء حول كانون النار، والطفل ملتصق بالجدة. يتسلل النوم إلى جفنيه، وعويل الريح وصوت المزراب يغازل كيانه بلحن لا أعذب ولا أسمى. تطبطب يد الجدة برقة فوق لحافه الرقيق، وهي تعوذه باسم الله "اسم الله عليك يا حبيبي"، فلا يصحو إلا وهي تقول" أصبحنا وأصبح الملك لله".

في قريتنا تبدأ أيام الأمر ما أن تتم الخامسة، فلا مجال لمقولة امرئ القيس "اليوم خمر وغدا أمر".

مع تباشير الربيع تلد شياهنا والنعاج، تفيض المواعين باللبأ ما أطيبه، يضج بيتنا بثغاء السخول والخرفان، وقد تركتها أمهاتها خلفها وساقها الراعي إلى المرعى.

كنت أخنق الرابعة وأطرق أبواب الخامسة إذ قال أبي "يا الله بكرة بتسرح بالسخول مع أولاد عمامك لواد شعيب" أول أيام الأمر.

يترقرق الماء في الوادي، وكأنه، بخريره العذب، يقص على الحجارة الملساء، حكاياته الأبدية مع المخلوقات التي وهبها الحياة.

كل شيء في جنبات الوادي يزدهي بالحياة في التراب الأحمر، نَوَّرَ العوسج القنديل واصفرت أزهاره وفاح عطره.

اخضر النتش ونبت الخس البري والذُّبح والسيسعة والصيبعة والمرار ولسان الثور والقرينعة وذراع أبو عبد والطيون والخرفيش وطقش البريد وغيرها الكثير من نباتات التراب الأحمر، وفوق أزهارها النحل والدنان والعصفور وحتى الدبور يمتصون الرحيق ويسبحون بحمد الخالق.

لن أنسى سخولي ترعى العشب الأخضر الطري برقة ولطف، وكأن الواحد منها تدرب على موائد أرقى مدارس الإتيكيت في باريس.

أجري أمامها قبل المغيب إلى البيت، فتسابقني وهي تنتظر ضروع أمهاتها المكتنزة.

يفيض سعننا باللبن تمخضه جدتي، تشمر عن ساعديها، وتمدهما في السعن، وتناديني " افتح فمك يا حبيبي".. زبدة لم تفارق ولن تفارق لساني، ولا ذاكرتي رائحتها المنعشة وطعمها الألذ. شيء مما يجود به التراب الأحمر في قريتنا وما أكثره!.

في بيتنا كل شيء يصحو مع صياح الديكة وصوت الآذان، يتلاشى السكون رويدا وتدب الحياة. آه كم أشتاق إلى تلك الأيام والسويعات. ما أعذب ثغاء شويهاتنا وخوار بقراتنا تستعد ليوم جديد مع المحراث والتراب الأحمر!.

قبل يوم يقول أبي لأمي "يا فاطمة غربلي البذار بكرة أول أيام العفير". في ذلك اليوم دجاجاتنا على موعد مع الفرح وطقات الغربال، فتتجمع حوله لتلتقط الزوان.

وأسأل أبي "ليش يابه تطلب غربلة قمح البذار ما دام سترميه في الأرض".

"لأن أرضنا يا بني طاهرة، ولا تقبل إلا ما هو نقي وطاهر".

يحمل أبي خرج البذار على كتفه، ويغرف باليمنى من البذار، ويقول قبل أن تخرج حبات التبر من كفه الخشنة "بسم الله اللهم أطعم منا ومنه".

كيف يا أبوي يطعم منه مين يعني؟

"الله يرضى عليك يابا. هذه الأرض لله وَكَّلَنا بها، فندعوه أن يرزقنا منها ويرزق البشر والحيوان والطير وصاحب الغلة والسراق ومراق الطريق وكل مخلوقات الله".

ينمو القمح في موارس التراب الأحمر، ويكبر ويتمايل مثل شعر عروس يغالبها الهوى، مع نسائم الغرب، وقد قبَّلت قبل وصولها صفحة المتوسط غير البعيدة.

ترابنا الأحمر طاهر وقمحنا يرفض الغث من الزوان ودخيل النبات، كما يرفض اليوم "العابرين" من سارقي الأحلام.

تحمل أمي وصويحباتها مهود أطفالهن الرضع على رؤوسهن في موسم العشب لتعشيب القمح، تضع المهد وسط الزهور، وما أن يصيح الرضيع حتى تتجاوب صرخاته في أرجاء الدنيا، فتلقفه ثديها فيهدأ وتهدأ معه الدنيا.

يرتفع القمح وتمتلئ السنابل، ثم يأتي يوم الحصاد الندي. ينطلق الناس قبل الفجر بساعة، فالحصاد يطيب قبل أن يطير الندى، ويشتد القيظ فوق التراب الأحمر.

ما أعذب خشخشة المناجل وعزم سواعد الرجال! تتناثر الغمور وراءهم وتتكوم الحلل. ويتكدس القش على بيادرنا ندرسه طرحة طرحة، ونذريه كلما طاب هوانا، ترتفع صليبة القمح مثل عنقود تبر عملاق، صفراء تسر الناظرين. بركة التراب الأحمر والحمد لله.

أبو العبد شيخ معروف ببركة الدراويش يبدأ بتكييل الصليبة، يقول أبي قبل أن يعد صاعات التبر "صاع شيخ المسجد يا أبا العبد، وصاع الزكاة، وصاع الحلاق أولا"، يقول الدرويش " الله واحد"، ذلك هو الصاع الأول. وفي الثاني يقول "ماله ثاني" وهكذا.. وعند السابعة يقول "سمحة" بالصلاة على النبي. هذا هو حمد الله على ما رزق وما جاد به ترابنا الأحمر.

تفيض خوابينا بالقمح والشعير والبيقية والكرسنة والعدس والفول والذرة البيضاء، وتتخم متابننا بالتبن، وحتى طرقات قريتنا تصبح في ليل مقمر مثل مجرة درب التبانة، من كثرة ما تناثر فيها من تبن تتناقله النسوة على رؤوسهن في الجونات الكبيرة، وربما جاءت من هنا تسمية المجرة بدرب التبانة، وكأنها هي الأخرى نشأت في ترابنا الأحمر ونبتت وتكاثرت منه نجومها وكواكبها.

يوم أمر آخر.

كان أبي رحمه الله لماحا صاحب خيال يحن إلى ما سلف، قال ستذهب إلى المدرسة في يومك الأول بقمباز وطربوش أحمر. آه لو كان عندي في تلك الأيام كاميرا لعلي أرى اليوم الصبي يعتمر الطربوش ويرفل بالقمباز، رغم أنه كان ذلك اليوم مثار تندر وضحك من أترابه.

رحم الله شيخنا وأستاذنا محمد حسن أبا معن، من حسن الطالع أنه درسنا في الأول الابتدائي العربي والدين.

مدرسة قريتنا على ربوة ترى منها في يوم صاف صفحة المتوسط.

كان الشيخ ممن هُجِّروا عام 1948. يأتينا كل صباح من نابلس بلباسه الأزهري، وعلى رأسه عمامة ناصعة على طربوش أحمر غامق مثل ترابنا الأحمر، وما أن تتوقف السيارة التي يستقلها حتى نتسابق لتقبيل يده وحمل حقيبته، فيوقفنا ويستدير غربا، ويقول: قفوا قفوا! ويشير بيده نحو المتوسط ويهتف: تلك أرضنا، ذاك بحرنا.

العبارة نفسها كل يوم، وأعود إلى البيت وأقول لأبي "يابا الشيخ مجنون كل يوم يقول لنا الشيء نفسه"، ويقول أبي: ستكبر يا بني وتعرف أن الشيخ أعقل العاقلين وأفضل المربين.

نعم أعرف اليوم يا شيخنا وأستاذنا أنك كنت خير المربين وسيد المجاهدين، وأنت تبدأ الدرس، وتكتب على اللوح كل صباح:

بلاد العرب أوطاني… من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن… إلى مصر فتطوان

ترعرع الصبي فوق التراب الأحمر، وأصبح شابا أمردا، وجاء يوم أمر آخر يودع فيه شويهاته وبقراته ومراعيها.

كانت جدته قد ودعت الدنيا، وما زال يحن لأنفاسها ويدها الحانية. وقفت الأم تفيض عيناها بالدمع، وهي تدعو "الله معك يا حبيبي ويحفظك ويرجعك بالسلامة". أما الوالد صاحب الكف الخشنة، فغالب دموعه؛ لكنها غلبته، والسيارة الخضراء تغادر شوارع القرية، وتأخذ معها شيئا من كبده، في بداية رحلة ما غاب التراب الأحمر عن فصولها ولن يغيب.