سورية المستفيدة.. هل من حل سياسي في الأفق؟

(الجزيرة)
(الجزيرة)

سورية صائرة إلى حل سياسي ذات يوم، وتلك ساعة آتية لا محالة، وحتى تلك الساعة ينهمك السوريون في أتون تساؤلات كبرى حول كيف؟ وعلى ماذا؟ ومتى؟.

ومازال التلكؤ الدولي في معالجة الجرح السوري والضخ الإعلامي يوحيان بأن كل احتمالات الحل مفتوحة، في حين أن جرحا غائرا في ضمير الإنسانية بهذا الحجم، ومشهودا من كل شعوبها، وموثقا من أرفع المنظمات الدولية تتعذر معالجته بعودة ما كان إلى ما كان عليه وفق تسوية سياسية صورية، وهذا أمر له شواهده من التاريخ الحديث، وهو بالغ الأهمية في استطلاع المخارج من الأزمة، والتحضير لها.

وبين حرص النظام على شراء الوقت سعيا وراء تغيرات دولية تضغط لتجديد شرعيته مستندا بذلك إلى حق القوة التي يبديها هو وداعموه، وتمسكه بالحل الصفري، الذي يبقيه كما هو، ويأتيه بالمعارضة فرادى، وهم صاغرون، وبين عجز المعارضة المتمسكة بقوة الحق عن كسب الوقت على افتراض أنه سينتهي بحل يترجم ذلك الحق، ويفتح الباب واسعا أمام مستقبل سوري ليس فيه من النظام بنيته ورموزه وأركانه، ويستمر هذا التكلس فيما تتأجج الساحة السورية الساكنة ظاهريا بجمر اجتماعي وسياسي وحقوقي، يغطيه رماد الوقت المهدور أمام عيون المنكوبين الحانقين.

والحق أن ولادة الحل السياسي متعسرة ما لم تتبلور إرادة دولية ضاغطة، وكذلك رغبة سورية صادقة، وأن تكلس المنخرطين في العملية السياسية جزء من إطالة أمد الأزمة، وسبب في دحرجتها إلى المستقبل ما لم تعِ كل الأطراف أنها تعاني من أزمة شرعية ومشروعية.

فلا النظام قادر على إقناع حاضنته بسرديته في مقاومة إسرائيل بمحاربة الإرهاب، وهي ترى احتفاظه بحق الرد بعد كل ضربة إسرائيلية، وترى أيضا اندفاعه في التدمير، وعناده في قتال (الإرهابيين)، وكيف يدفعهم نحو إدلب بدل (القصاص) منهم، ولا هو قادر على تبرير فشل منظومته الأمنية في كشف (شبكات العمالة) لإسرائيل، التي (سهلت) المؤامرة الكونية، وكذلك فشلها في كشف الفساد المستشري حتى فاحت رائحة حيتان المال الجدد وتجار الأزمة، وفشل الحكم والحكومات في ضبط الانحدار الاجتماعي، وتفشي الجريمة والمخدرات، ولجم التدهور المريع لاقتصاد سورية، فلا هو قادر على هدهدة المخاوف من قادم اقتصادي ومعاشي وصحي أسوأ، وليس بقادر على تبرير تعطيله لحل سياسي، سيأتي بوقف العنف وإعادة الإعمار، ففقد مصداقية سردية المقاومة وصدقية الدولة، وصارت حاضنته أقرب إلى الانتفاض بعد تصاعد النقمة وعلنية التذمر.

لا بد أن يدرك كل الأطراف أن كل طرف في أزمة، وأن الكل في أزمة، وأن الكل جزء من الأزمة، وأن النظام بصيغته الحالية سيكون جزءا من الماضي، وأنه لا بد من الكل حتى نبلغ المستقبل المنشود، وأن المكان المستقبلي رهن بالأداء الحالي، وأن المستقبل لا يرسم في جنيف وأستانة فقط، بدون قيام كل الأطراف بقسطهم من المسؤولية تجاه الوضع الهش المنذر بانفجارات أخطر وأشد ما لم يسارعوا لبلورة حل سوري مستدام.

ولا المعارضة السياسية بكل مؤسساتها وأطيافها ورموزها وأركانها، ولا حملة السلاح سواء دفاعا عن النفس والعرض والمال، أو اندفاعا لتحقيق أجندات أو أيديولوجيات، ولا المجتمع المدني الذي بات معظم أقطابه يتنعمون اليوم بما لم يحلموا به في الأمس، ويخشون زواله في الغد، تملك أمام حاضنتها مصداقية المسار الثوري، وصدقية المشروع التغييري نحو دولة جديدة بعد انزياحاتها من الثورة إلى ثنائية الثورة والمعارضة، فالتحول إلى معارضة فمعارضات فمعارضات للمعارضات، ولكل منها تناقضاتها وتخبطاتها بعيدا عن المشتركات، التي ألهبت الثورة وأعطتها زخمها وعنفوانها.

وتشاركت حاضنتا المعارضة والنظام في تصاعد التذمر، وتصلب الاحتجاجات، واتهام المتصدرين بعدم الأهلية، وتشاركت المعارضة مع النظام في تهاوي شرعيتها لولا الإسناد الدولي.

ولم يعد يجدي كل الأطراف تقاذف التهم فالكل شركاء؛ لكنهم شركاء متشاكسون، ومن إدراك هذا الواقع بالعمل الجاد لتزخيم الشراكة، وتفكيك عوامل التشاكس للخروج من الأزمة وتلافي تداعياتها الكارثية.

ولا بد أن يدرك كل الأطراف أن كل طرف في أزمة، وأن الكل في أزمة، وأن الكل جزء من الأزمة، وأن النظام بصيغته الحالية سيكون جزءا من الماضي، وأنه لا بد من الكل حتى نبلغ المستقبل المنشود، وأن المكان المستقبلي رهن بالأداء الحالي، وأن المستقبل لا يرسم في جنيف وأستانة فقط، بدون قيام كل الأطراف بقسطهم من المسؤولية تجاه الوضع الهش المنذر بانفجارات أخطر وأشد ما لم يسارعوا لبلورة حل سوري مستدام.

ولن يكون ذلك إلا بالاستفادة من دروس السنوات الماضية والحالات المشابهة كالبوسنة والعراق وليبيا واليمن وغيرها، وحينئذ يمكننا رؤية سورية المستفيدة من أخطائها الكبرى ومن قراءتها للواقع ولمآلات أي ترقيع وقفز فوق الحقائق الدامية، وحتى ترى سورية ذلك اليوم فلا بد للسوريين من عمل ناضج وشجاع على مختلف الأصعدة بتكامل وتناغم.

على صعيد الممارسة الميدانية: لن يأتي المستقبل ببيئة سياسية تعددية ترسخ الحرية وتتحلى بالمسؤولية، فيما تسيطر الفوضى اليوم على المشهد، وهنا لا بد لمؤسسات المعارضة وقواها؛ أن تسعى للمأسسة والانتظام بإطلاق نواظم لنشأة قوى سياسية وجمعيات مدنية، وتنهي دوامة التنازع على التمثيل بافتراض أنه الحل لكل المشاكل، وتوجه الطاقات صوب المشتركات الوطنية.

وأن تسعى بذات الوقت لتجديد شرعيتها وتعزيز مشروعية مطالبها بأدائها التراكمي المترجم لتلك المطالب والمعبر عن قيمها، وأن تلحظ سبل الانخراط الواسع في العمل الوطني، وهنا يجدر التفكير مليا بالاستفادة من (الشرعية التاريخية) للشخصيات الوطنية وللنخب، التي حملت أطوار العمل العام في المؤسسات المتعاقبة، وإن قيل إن الزمن تجازوها، فإن الظرف الضاغط يقتضي الاستناد إليها سعيا لمؤتمر وطني جامع.

وأن تجتهد لتحفيز دور المجتمع المدني، خصوصا قواه المهنية من نقابات واتحادات تهتم، إضافة لمعالجة المتطلبات المعيشية لأعضائها بالتحضير لتحسين المهنة ورفع سوية معاييرها بالخبرات المكتسبة في بلاد اللجوء، وترفد العمل على المشتركات الوطنية الجامعة، وتعزز ثقافة الانخراط في الشأن العام بشكل إيجابي بناء.

وأن تجتمع القوى السياسية كذلك على ثوابت وطنية ومشتركات سياسية تلحظ مستقبلا بلا عنف واستبداد، أو تكفير سياسي وتخوين وطني، وتضع رؤية مشتركة وخارطة للطريق.

على صعيد البناء الوطني: عانت شرائح عديدة في المجتمع السوري من تمييز صارخ ألحق بها مظالم تاريخية، من سياسات وممارسات رسخت التمييز بين الريف والمدينة وبين المحافظات، وهنا ينبغي العمل الحاذق على الحيلولة دون تحوُّل التمييز إلى تمايز سياسي وفئوي يشرخ المجتمع شاقوليا، بالعمل على وحدة الأرض والشعب من خلال إجراءات ضامنة للمساواة في المواطنة والتنمية واهتمام الدولة.

ولذلك يمكن التفكير بجعل التصويت في الانتخابات على مستوى المحافظة وعلى مستوى الدولة في آن معا، بحيث يحتاج المرشح للفوز بأغلبية الأصوات على مستوى الدولة، وبأغلبية راجحة من المحافظات، وهذا يضمن للمحافظات الأصغر عناية خاصة من المرشحين، ويمنع المحافظات الكبرى سكانيا من تقرير الفائز بدون اعتبار لوزن باقي المحافظات واحتياجاتها وطبيعتها السكانية.

وكذلك التفكير بدعم الدور المدني غير المسيس بصناعة القرار وإصدار التشريعات عبر تمثيل الشعب في غرفتين أو مجلسين يكون أحدهما للتمثيل المستقل بنخب محلية ذات خلفيات علمية ومهنية ومكانة اجتماعية، ولهذا المجلس دور رقابي وتشريعي، وكذلك في مراجعة وإقرار التشريعات المقترحة من مجلس النواب ورئاسة الدولة.

وكذلك التفكير بتوسيع نطاق عمل البلديات وصلاحياتها وميزانياتها، وبتوزيع عوائدها المالية بين المحافظة والخزينة المركزية، مع مساحة من المرونة والخصوصية المحلية في إطار الخطط التنموية للدولة.

على الصعيد الإجرائي: بعد أن وصلت سورية لحالها المريع بسبب ثلاثية الاستبداد والفساد والتمييز، فهي تحتاج معالجة آثارها الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، بالعمل المنهجي من الآن على تقييم التشريعات الحالية ومدى ملاءمتها، وعلى تطوير أفكار لتشريعات يستلزمها الواقع، الذي يحتاج لاستجابات استثنائية وجهود خلاقة تلحظ التناسب الطردي بين عوامل الأمان والإنماء وتعزيز الانتماء، وحماية المجتمع من عواقب المال السياسي والإعلام التحريضي.

وتعمل بنيتها السياسية على ترسيخ المشتركات الوطنية، وعلى تعميم الأمان والاطمئنان الاجتماعي؛ لتحسين الاقتصاد والمداخيل بحلول واقعية تحاصر الفساد وتشجع الاستثمار بالاستفادة من موقع سورية وملكيات الدولة انطلاقا من مرونتها التشريعية وكفاءتها الإدارية، وتعزز دور الشركات المحلية، وتنظم علاقتها بالشركات الأجنبية في التنمية وإعادة الإعمار، وتلحظ إطلاق قوة المدخرات بإيجاد بيئة آمنة للاستثمارات، وتشجيع الشركات المساهمة، وتحفز عودة المال السوري المهاجر والكفاءات المغتربة.

وتعيد للحياة الاجتماعية وئامها ببرامج جادة وذات كفاءة لجبر الأضرار والتشجيع على الزواج من الأرامل، واحتضان الأيتام، وكفالة فاقدي الإعالة، وخلق فرص عمل مناسبة للمتضررين بدنيا من العنف.

ما ذكرناه من ملامح قد ترسم وجه سورية القادم، إن أحسنت أطرافها وأطيافها العمل لمستقبل يتشارك الجميع مغانمه لا مغارمه؛ ليس بدعا من القول، ففي التاريخ الحديث عدة تجارب شاهدة كبولندا ورواندا، وأكثر ما يحتاجه لتنبعث روح جديدة تلهمها، وترسم طريقها؛ قاطرة وطنية تعيد الزخم إلى شعب عرفه التاريخ إيجابيا على الدوام، وتحسن دفع الطاقات نحو غد تشاركي مفيد لسورية وكل السوريين.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة