مقالات

تأملات حول "الربيع العربي"

(رويترز)
(رويترز)

قبل 10 سنوات، وتحديدا في منتصف ديسمبر/كانون الأول من عام 2010، عدت لمصر في زيارة سريعة من بريطانيا حيث كنت أعمل وقتها على أطروحة الدكتوراه في جامعة دورهام العريقة. وقتها كانت الأجواء السياسية ثقيلة، والنظرة للمستقبل كئيبة.

فقبل أسابيع قليلة كان قد سيطر حزب السلطة، "الحزب الوطني الديمقراطي" السابق، على البرلمان بعد مهزلة انتخابية جرت خلال شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، وكان سيناريو توريث السلطة من الرئيس الأسبق حسني مبارك لابنه جمال يسير على قدم وساق، أو هكذا بدا الأمر وقتها، ولم يكن هناك أي حضور رسمي للمعارضة، سواء الإسلامية ممثلة في جماعة "الإخوان المسلمين" أو المعارضة المستأنسة من الأحزاب التقليدية سواء الليبرالية أو اليسارية، وذلك بعدما تم إٍقصاؤها تماما عن المشهد السياسي لصالح من كانوا يُعرفون وقتها بـ"الحرس الجديد" في الحزب والدولة. هذه الأجواء سجلتها صفحتي الشخصية على الفيسبوك التي كتبت عليها "جئت مصر قبل يومين.. ولا أجد أفضل مما قاله فاروق جويدة (هذه بلاد لم تعد كبلادي)". وفي بوست أخر كتبت "لم يعد أمام هذا الشعب إلا الانتفاض أو الموت للأبد" أو شيء قريب من هذا المعنى.

بعد ذلك بأيام، سوف ينزل آلاف التونسيين إلى الشوارع متظاهرين احتجاجا على ما حدث لبائع الخضار والفاكهة، محمد البوعزيزي، الذي أضرم النار بنفسه في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، اعتراضا على سلوك الشرطة التونسية، التي أهانته، وصادرت عربة الخضار التي كان يتكسب منها رزقه. اشتعلت الثورة التونسية، فلم يجد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي سبيلا سوى الهروب خوفا من غضب الجماهير التونسية، وخرج المواطن التونسي عبد الناصر العويني ليردد هتافه الشهير "بن علي.. هرب".

اللافت في حكاية "الربيع العربي" فهو الإفلاس السياسي والأخلاقي للغرب. ففي الوقت الذي تعطي فيه الحكومات الغربية للأخرين دروسا في احترام الديمقراطية، فإن سلوكها على مدار العقد الماضي كان يسير عكس ذلك. فقد أخفق الغرب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي في مصر وليبيا وتونس واليمن؛ بل على العكس، دعمت بعض حكوماته الأنظمة السلطوية العربية، التي تعادي الربيع العربي.

بعد ذلك توالت الانتفاضات والثورات، خرجت الجماهير في مصر وسوريا وليبيا واليمن، احتجاجا على جرائم وانتهاكات حكامها، فأسقطت رؤوس الاستبداد واحدا تلو الآخر باستثناء سوريا، التي اختار دكتاتورها بشار الأسد تدميرها بدلا من الاستجابة لمطالب الثّوار والمتظاهرين. 10 سنوات مرّت على بداية "الربيع العربي"، ورغم محاولات إسكات الشعوب العربية، فما تزال قطاعات كبيرة منها، خاصة الشباب، تتوق للحرية والكرامة والعدالة. وليس أدل على ذلك من أنه في كل مرة تتوقف فيها المعارك بسورية يخرج المتظاهرون السلميون للتعبير عن رفضهم لبشار الأسد، ويطالبون برحيله من السلطة. كذلك الحال في مصر التي تشهد توترا واحتقانا متزايدا، مع ارتفاع نبرة الانتقادات التي يوجهها الغاضبون للجنرال عبد الفتاح السيسي بشكل يومي سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو من خلال الاحتجاجات، التي تحدث بين وقت وأخر، وذلك رغم القبضة الحديدية التي يمارسها السيسي. فقبل عدة سنوات لم يكن لأحد أن يجرؤ على انتقاد السيسي سرا أو علانية. أما الآن تعج وسائل التواصل الاجتماعي بانتقادات واتهامات للسيسي وعائلته وللمقربين منه بالفساد والتربح واستغلال السلطة لتحقيق مكاسب مالية. ناهيك عن توريطه الجيش المصري في كافة مجالات الاقتصاد بما أغضب شرائح كثيرة، خاصة من رجال الأعمال، الذين كانوا يدعمونه بقوة عندما وصل للسلطة قبل 6 أعوام. ومع إغلاق السيسي لكافة منافذ التعبير، واستمرار استخدام العنف والقمع ضد المعارضين، فمن المتوقع أن تنفجر الأوضاع في وجهه إن آجلا أو عاجلا.

أما اللافت في حكاية "الربيع العربي" فهو الإفلاس السياسي والأخلاقي للغرب. ففي الوقت الذي تعطي فيه الحكومات الغربية للأخرين دروسا في احترام الديمقراطية، فإن سلوكها على مدار العقد الماضي كان يسير عكس ذلك. فقد أخفق الغرب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي في مصر وليبيا وتونس واليمن؛ بل على العكس، دعمت بعض حكوماته الأنظمة السلطوية العربية، التي تعادي الربيع العربي. فالحكومات الأوروبية والإدارة الأميركية تتواطأ علنا وبدون مواربة مع الأنظمة السلطوية في مصر والسعودية والإمارات والبحرين.

اقرؤوا مذكرات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون كي تعرفوا كيف خذلت أميركا "الربيع العربي" وأجهضته، وذلك على عكس ما يردد أنصار الثورات المضادة. وليس أدل على ذلك من الصمت المخجل لإدارة أوباما على انقلاب السيسي في مصر صيف 2013، وكذلك الصمت عن الانتهاكات المروّعة ضد حقوق الإنسان، التي يقوم بها نظامه بشكل لم تشهد مصر لها مثيلا من قبل. كذلك تواطأت الحكومات الغربية مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي ببشاعة في 2 أكتوبر/تشرين الثاني 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

كما أنها تصمت على اعتقال بن سلمان للعشرات من الصحفيين ورجال الأعمال وعلماء الدين والنشطاء السياسيين خاصة من النساء بدون أي سند قانوني. وهي تجعل الأولوية لصفقات السلاح والاستثمارات على حساب حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي، وذلك مثلما يفعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع السيسي ومحمد بن زايد، أو ما فعله ترامب مع محمد بن سلمان على مدار السنوات الأربعة الماضية. ولعل أحد الدروس المهمة للشعوب العربية على مدار العقد الماضي هو عدم الاعتماد على الدعم الخارجي من أجل مواجهة الأنظمة السلطوية وإقامة الديمقراطية.

قد تبدو حصيلة الربيع العربي هزيلة مقارنة بالتضحيات التي وقعت حتى الآن سواء في مصر أو ليبيا أو سوريا أو اليمن؛ لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن "الربيع العربي" أصبح بمثابة مرجعية للشباب العربي، الذي يحلم بالحرية والكرامة والعدالة، والذي لن يتوقف حتى يحقق حلمه.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة