أن نعرف أنفسنا أولا قبل أن نفتي في غيرنا

جدارية "تاريخ وحضارة" وضعت في زقاق يؤدي إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل
(الجزيرة)

تعود بي الذاكرة إلى عام 1961، وقد كنت آنذاك صبيا في 11 ونيف، يخنق أبواب الطفولة البريئة، ويطرق مغاليق الفتوة. وقعت في يدي يوما مجلة نشرت تحقيقا مصورا عن الرئيس الأميركي الجديد، "جون كينيدي"، الشاب الكاريزمي الوسيم، وزوجته الجميلة حد الفتنة "جاكلين كينيدي".

يومها كم طوَّف الخيال بالفتى، وهو يقرأ عن أميركا ورئيسها الشاب، وحمله إلى ربوعها حتى قبل أن يجاوز في حله وترحاله القرية، التي وُلِد فيها، اللهم إلا مرة أو مرتين في العام إلى المدينة المجاورة، كي يستعد ببنطال وقميص جديدين للعام الدراسي الجديد.

يُقْتَلُ جون كينيدي غيلة بعد عامين، ويشتد عود الفتى، ويزداد نهمه للقراءة عن أميركا وعن الأحلام التي أطلق لها العنان، ذلك التحقيق المصور عن كينيدي وعروسه. وكلما قرأ، عرف الفتى أكثر، وأخذ حلم أميركا في خياله يخبو قليلا، ويحيره مستعصيا على فهمه المحدود، وهو يسمع في الإذاعات ويطالع في الصحف والمجلات القليلة، التي تصل إلى القرية، أخبار الدعم المتعاظم من أميركا وحلفائها في الغرب لإسرائيل، وكانت آنذاك تعد العدة لاحتلال ما تبقى مما تسميه أرض إسرائيل الكبرى.

احتلت فلسطين كلها عام 1967، وبعد عام خرج الفتى في رحلة اغتراب حملته مرات إلى أميركا وأحلامها، وشاهد كم هي جميلة ومتقدمة وقوية أكثر مما قرأ، وأتيح له أن يعرف. وحين ولج عالم الصحافة تسنى له أن يحاول الإلمام بأميركا وقضاياها وأحوالها، وأنَّى له ذلك، وهي التي يستعصي فهمها حتى على كثير من أهلها الموزعين في فضائها الواسع بين محيطين كبيرين.

كانت أول مهمة صحفية لي إلى أميركا عام 1984 حين غطيت مؤتمر الحزب الديمقراطي لترشيح وولتر مونديل  مقابل الرئيس  الجمهوري رونالد ريغان، الذي فاز فوزا كاسحا على مونديل. ومن يومها بت أتابع الانتخابات الرئاسية الأميركية كل 4 سنوات، وأحاول أن أفهم سياسات القوة الأعظم، ودافعي الأساس في ذلك موقف أميركا من إسرائيل ودعمها لها في كل الظروف والأحوال.
ومنذ أن تَسَوَّدت أميركا المشهد العالمي، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإنها كانت تقود العالم بفعل "القدوة" (example) المقرونة بالقوة، وما في ثنايا ذلك من أحلام تطلع إليها الناس في البلدان المحرومة من الحرية، والفرص السانحة لتحقيق أحلامهم الموؤودة في أوطانهم، كما هو حالنا في الوطن العربي.

لكن هذه المرة ظهرت صورة أخرى لأميركا تبددت معها صورة القدوة، وكاد الحلم الأميركي يتحول إلى كابوس إذ تمسك أميركا بتلابيب بعضها بعضا، في مشهد قد يعتبره البعض مأساويا، وقد يعتبره آخرون ملهاة كوميدية، بطلها رئيس غارق في نرجسية مرضية، لا يقبل أنه هُزِمَ، ويأبى أن يعترف بالخسارة، كما يفعل أي رجل دولة يستحق أن يتبوأ المنصب، الذي وجد دونالد ترامب نفسه فيه.

إن كنا نجهل أو نتجاهل أن كياناتنا السياسية التي أفرزتها الحربان العالميتان ما زالت تدور في رحم الاستعمار، الذي نفث الحياة في بعضها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب الأولى، ثم استولد المنتصرون في الحرب الثانية بعضها بعمليات قيصرية، وسَوَّدوها على رؤوس شعوب ما حَلِمَتْ ولا حَمَلَتْ بها يوما، ولم تشعر بمخاضها أبدا.

وكما في كل انتخابات أميركية، انبرى هذه المرة أيضا كثير من الكتاب والأساتذة والصحفيين العرب، على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم، لتحليل نتائج الانتخابات ومآلاتها على المشهد العربي المتداعي. ويتهيأ لك وأنت تستمع لأولئك المحللين أن واحدهم ضم أميركا من شواطئ هاديها إلى شواطئ أطلسها فعرفها معرفة يقينية. لا ضير! فالشاشات المتسابقة بأنفاس متقطعة بحاجة للكثير مما تملأ به وقتها.

يقول لك أولئك المتحدثون في كل مرة كيف سيتعامل الرئيس الأميركي الجديد، أو الرئيس الحالي في ولايته الثانية، مع القضايا العربية، وكأن أحدهم كان حاضرا منذ سنوات في اجتماعات المكتب البيضاوي أو في دهاليز الكونغرس بمجلسيه. ولو أتيح لنا أن نراجع تلك التحليلات، بعد انقضاء سنوات الرئيس في ولايته الأولى أو الثانية، لوجدنا أن هوامش الخطأ فيها أوسع وأعمق من المتن نفسه.

وفي ظني أن السبب فيما يعتور تلك التحليلات من خلل، ليس هو الجهل بما يعتمل واقع أميركا وحياتها الصاخبة؛ بل هو لعمرك، جهلنا نحن العربَ أو تجاهلنا لحقيقة واقعنا، فيرتد علينا، فتحيد حساباتنا عن السداد والصواب.

وقديما قالوا اعرف نفسك حتى تعرف غيرك. فإن كنا نغفل عن أسباب ضعفنا وتشتتنا وهواننا على الأمم، أو نتجاهلها من منطلقات قطْرية ضيقة، كيف لنا أن نعرف مآلات أميركا وما ستأخذ نفسها عليه وتأخذنا به؟.

وإن كنا نجهل أو نتجاهل أن كياناتنا السياسية التي أفرزتها الحربان العالميتان ما زالت تدور في رحم الاستعمار، الذي نفث الحياة في بعضها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب الأولى، ثم استولد المنتصرون في الحرب الثانية بعضها بعمليات قيصرية، وسَوَّدوها على رؤوس شعوب ما حَلِمَتْ ولا حَمَلَتْ بها يوما، ولم تشعر بمخاضها أبدا.

وإن كان الأمر كذلك، فكيف ستأخذنا أميركا على محمل الجد لا الهزل، تماما كما لا يأخذ السيد المتسلط مواليه من العبيد والتابعين؟

وإن كنا نتعامى عما في مجتمعاتنا من تصدعات، أو نأبى أن نعترف بها ولا نعمل من أجل أن نعالجها، فكيف لنا أن نتوقع من العالم أن يحسب لنا حسابا أو يحترمنا؟

وإن كنا لا نعرف من نحن، فكيف لأميركا؛ بل للعالم كله، أن يعترف بنا في سياق توازناته ومعادلات القوة التي تحكم العلاقات بين دوله الفاعلة، وتوجه سيرورته التاريخية؟

فكم منا من تتنازعهم هويات متشاكسة بين تعصب قومي، وتشدد في فهم الدين أو تفريط فيه، وانحيازات طائفية ومذهبية بغيضة، وانتماءات إقليمية وقطْرية ضيقة.

وإذ صودرت حرياتنا منذ زمن بعيد، كم منا من يَعْمَهُ من خشية سطوة الجلاد ولا يَنْبِسُ، فيستوي عنده الحق والباطل، وتتطاير شخصيته كأن لم يكن أبدا، فكيف للناس إذن أن يستشعروا وجودنا أو يقيموا لنا وزنا؟.

وكيف للواحد منا أو للجماعة أن تشعر بالعزة، وقد آل بنا الحال أن نرى في العدو حليفا وحاميا نُهْرَع إليه صاغرين، ونرى في بعض أهلنا خصما وتهديدا نستقوي عليه مستعلين؟.

على أن كاتب هذه السطور لم يأت بما لم تستطعه الأوائل، إذ كلنا ندرك هذا الواقع الأليم، الذي ترزح الأمة تحته؛ لكن لماذا لا ننزِع إلى العمل فننهض بما تستوجبه ضرورات حركة التاريخ وسنن التدافع بين الأمم؟.

ألم تكن لنا في يوم من الأيام دورة حضارية مستنيرة، إذ كان من يستذلنا اليوم غارقا في الظلام؟ ألم نكن نموذجا يحتذى ونورا نمشي به في الناس فيمشون معنا؟ ألم نكن أحرارا كما ولدتنا أمهاتنا، وعرفنا كذلك العدو قبل الصديق؟

أزعم أن الحرية هي ضالتنا والبلسم، الذي يداوي جراحنا الراعفة، فكيف لنا أن نستعيدها في أنفسنا وفي داخل أوطاننا بدون احتراب بين ظهرانينا؟ وكيف لنا أن نطوي صفحة الذل الذي سقطنا فيه منذ قرنين وزيادة من الاستعمار والوصاية الغربية؟

لعل أولئك المحللين لنتائج الانتخابات الأميركية كل 4 سنوات، وما أكثرهم! يصفون لنا الطريق إلى الحرية، فننعتق من علقم الذل والمهانة بين الشعوب حتى نصدقهم؛ لكن عليهم أولا أن يعرفوا واقعنا بشجاعة وصدق، ونعرف وإياهم أنفسنا.