مقالات

كورونا.. أصل الحكاية | أين تذهب مليارات دعم اللقاح؟

(Getty)
(Getty)

عشرات المليارات من الدولارات تم جمعها والتعهد بها من الجهات المانحة على مدار العام الجاري لمواجهة فيروس كورونا المسبب لكوفيد-19، والإنفاق على أبحاث تطوير وإنتاج اللقاح وتوزيعه، وضمان وصوله إلى الدول الفقيرة مع الدول الغنية في الوقت نفسه، مع وعود أنه سيتم إنتاج ملياري جرعة لقاح مع نهاية 2021، سيوزع مليار منها على الدول الغنية، ومليار آخر على الدول الفقيرة. مرت الشهور وتم إنتاج اللقاح عن طريق شركات استثمارية تضاعفت قيمة أسهم أصحابها فور الإعلان عن إنتاج اللقاح، وتوالت طلبات الدول الغنية على الشركات المنتجة؛ لتحجز الكمية كلها حتى نهاية العام القادم، ولا صوت للفقراء.

فلماذا المطالبة بتوفير كل هذه المليارات باسم الفقراء ما دامت اللقاحات مملوكة للشركات؟ وإذا كانت قيمة المليار جرعة من اللقاح تعادل ملياري دولار حسب السعر المخفض الذي تم التعهد به للدول الفقيرة، ما الحاجة إلى المطالبة المستمرة بتقديم المزيد من التبرعات؟ أين تذهب هذه التبرعات، ومن المستفيد منها؟ ومن يراقب عملية صرفها؟ أسئلة تثيرها المعلومات التي يحتوي عليها هذا المقال أمام الجهات المعنية لتبحث عن إجاباتها.

 

عشرات المليارات تم جمعها والتعهد بها لصالح مكافحة فيروس كورونا المسبب لكوفيد-19، لا يُعرف أين ذهبت ولا كيف أنفقت، وتقرير يقول إن الفوائد الاقتصادية لمشروعات مكافحة الفيروس عالميا تصل إلى 153 مليار دولار لعام 2020-2021، وإلى 466 مليار دولار حتى عام 2025.

 

مليارات مسرّع اللقاحات

في مارس/آذار الماضي 2020 أطلقت "مؤسسة بيل وميليندا غيتس" (Bill & Melinda Gates Foundation) بالشراكة مع مؤسستي "ويلكم" (Welcome) و"ماستركارد" (Mastercard)، مبادرة لتسريع أبحاث علاجات فيروس كورونا، وتعهدوا بمبلغ 125 مليون دولار، ولم يمض شهر حتى تحولت المبادرة إلى مبادرة عمل ضخم في نهاية أبريل/نيسان الماضي 2020 تحت اسم " تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19″ (ACT Accelerator)، وهو تعاون عالمي لتسريع إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا، وضمان الوصول العادل إلى فحوصات الإصابة بالفيروس، والتطعيم لكل دول العالم الغنية والفقيرة عند إنتاج اللقاح، انطلقت فكرته في اجتماع ضم بيل غيتس والرئيس الفرنسي ورئيس المفوضية الأوروبية والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تحولت الفكرة بعده إلى تجمع عالمي يضم حكومات وعلماء وشركات ومجتمع مدني، وعلى رأسه منظمة الصحة العالمية ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، ومؤسسة "تحالف ابتكارات التأهب الوبائي" (CEPI) ، و"مؤسسة التشخيص الجديد المبتكر" (FIND)، و"التحالف العالمي للقاحات" (Gavi)، ومؤسسة الصندوق العالمي، ومؤسسة "يونيتد" (Unitaid)، ومؤسسة "ويلكم" (Wellcome)، والبنك الدولي.

أعلن المؤسسون عن حاجة المبادرة إلى 38 مليار دولار، كي يستطيعوا تسريع عملية مكافحة الفيروس وإنتاج ملياري جرعة لقاح و245 مليون علاج و500 مليون اختبار، وحتى سبتمبر/أيلول الماضي، بلغ مجموع ما تلقته المبادرة فعليا من مجموع التعهدات مبلغ 2.7 مليار دولار. وقد أكد قادة العالم المجتمعون في الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، التزامهم بالتعجيل في إنتاج اللقاح ليكون متاحا لأي شخص في أي مكان من العالم، والعمل على دعم مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" بمبلغ 35 مليار دولار، ورغم تحذير الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" في هذا الاجتماع، من أن العالم سيفقد فرصة سانحة إذا لم يضخ 15 مليار دولار لمواجهة كوفيد-19 حتى نهاية عام 2020؛ إلا أن الفجوة المالية ما زالت كبيرة، تقدر بحوالي 28 مليار دولار، إضافة إلى حوالي 5 مليار ينبغي توفيرها بشكل عاجل.

محاولة مستميتة لجمع المزيد من المليارات

ولتشجيع الدول الغنية على الاستثمار في مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" قامت مؤسسة بيل وميلندا غيتس، بتكليف "مجموعة أوراسيا" (Eurasia Group)، لتحليل اقتصادات 10 دول غنية هي: كندا وفرنسا وألمانيا واليابان وقطر وكوريا الجنوبية والسويد والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، والتي بلغت مساهماتها حتى الآن في المبادرة  2.4 مليار دولار، ويأتي التحليل بهدف تقييم الفوائد الاقتصادية، التي تجنيها الاقتصادات المتقدمة من مساهمتها في دعم المبادرة لتسريع مكافحة كوفيد-19 في العالم في وقت واحد، وقد صدر تقرير أوراسيا بداية الشهر الجاري، وأبرز ما جاء فيه:

1. عدم حصول البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل على اللقاحات ضد فيروس كورونا سيسبب ضررا اقتصاديا كبيرا من شأنه أن يعرّض التقدم الاقتصادي، الذي تم إنجازه على مدى العقود الماضية، سواء بالنسبة لاقتصادات هذه البلدان أو لاقتصادات الدول المتقدمة.

2. الفوائد الاقتصادية للدول العشرة، الناجمة عن توفير اللقاح على الصعيد العالمي بشكل منصف، ستبلغ ما لا يقل عن 153 مليار دولار في فترة 2020-2021، وستصل إلى 466 مليار دولار بحلول عام 2025، وهو ما يعادل أكثر 12 مرة من التكلفة الإجمالية المقدرة لمبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" والبالغة 38 مليار دولار أميركي.

3. إذا لم يتم سد فجوة التمويل في موارد المبادرة، فسيتأخر حصول البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل على علاج الفيروس في 2021؛ مما سيؤدي إلى إطالة أمد الجائحة، ويخلف عواقب اقتصادية وخيمة على الاقتصاد العالمي.

إن هذا التقرير بمثابة محاولة مستميتة من شركاء مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" لجمع المبلغ المأمول عن طريق الإنذار تارة، والتحفيز والإغراء تارة أخرى، حيث ركز على الآثار الكارثية على الاقتصاد العالمي من جهة، وعلى الأرباح التي ستجنيها الدول الداعمة من جهة أخرى، حتى إن مؤسسة "ويلكم" الشريك في المبادرة، ذكرت أن المبلغ المطلوب سيتم استرداده في غضون 36 ساعة بعد أن يتعافى العالم من الجائحة.

ألكسندر كازان، المدير الإداري للإستراتيجية العالمية في مجموعة أوراسيا وأحد مؤلفي التقرير، علق عليه محفزا الدول الداعمة بقوله "هناك مبرر إنساني وأخلاقي واضح لدعم مبادرة (تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19) و"كوفاكس" (Covax)، فضلا عن المكاسب الاقتصادية الواضحة التي ستجنيها البلدان النامية منهما"، ثم يحذرها بقوله "إن البقاء مكتوفي الأيدي يهدد بتقويض التقدم الاقتصادي، الذي تحقق على مدى سنوات أو ربما عقود"، ثم يبالغ في تمجيد مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" بقوله "إنها فرصة فريدة لإنقاذ الأرواح، وإصلاح الاقتصاد العالمي، وتكوين رأس مال دبلوماسي سيمتد على مدى جيل بأكمله".

وفي الاتجاه نفسه، دعا الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، البلدان إلى الالتزام بعمل المبادرة، قائلا "إن مبادرة (تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19) هي الحل العالمي لإنهاء المرحلة الحادة من الجائحة في أسرع وقت ممكن.. إنها ليست التصرف السليم فحسب؛ بل التصرف الذكي أيضا بالنسبة لجميع البلدان، سواء اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا".

أما حسن دملوجي، نائب مدير مؤسسة بيل وميليندا غيتس، فقد علق على نتائج التقرير بأن تمويل هذه المبادرة يعد الخطوة الصحيحة، التي يجب القيام بها، ويعد استثمارا من شأنه إنعاش الاقتصاد العالمي، الذي يوجد على حافة الهاوية؛ مما يعود بالنفع على جميع الدول.

مثل هذه العبارات يتكرر كثيرا في المحافل والمؤتمرات الإقليمية والدولية عند دعوة الدول والمؤسسات المانحة لدعم المشروعات الإنسانية الصحية والتنموية بشكل عام.

لكن، ورغم المناشدات الكثيرة في لدعم المبادرة في ذروة الجائحة؛ إلا أنها لم تلق اهتماما من الدول المانحة بالقدر المطلوب حتى الآن، فهل ستغري هذه النسبة المضاعفة من الأرباح التي لا مثيل لها في العالم على الإطلاق، ولا تجدها حتى في تجارة الأسلحة والمخدرات التي تعتبر فيها الأرباح من أعلى المعدلات، هل ستفتح هذه النسبة التي بلغت 1200% شهية هذه الدول وغيرها؛ لتضخ المزيد من الأموال في مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19″؟.

ويبقى السؤال الأهم بعد أن ظهر اللقاح في الأسواق، أين ذهبت المليارات؟، وأين الوعود التي وعدت بها المبادرة بالمساواة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وإيصال اللقاح إلى جميع سكان العالم في وقت واحد؟

معلومات كثيرة صادمة وصاعقة ستتكشف مع الأيام، وعما قريب سيدرك الناس أن الموضوع ليس موضوع جائحة ولا فيروس ولا لقاح ولا تطعيم، إنه أكبر من ذلك بكثير، إنه جزء من برنامج تحويل العالم، الذي انطلق مع بداية الألفية الثالثة.

مبادرة "تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" ليست الوحيد التي جمعت مليارات الدولارات لمواجهة كورونا، فهناك العديد من المؤسسات الأخرى، وعلى رأسها التحالف العالمي للقاحات والتحصين "غافي" (Gavi)، التي أسسها بيل غيتس أواخر تسعينيات القرن الماضي، والتي سنتناولها في موضع آخر بإذن الله.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة