مقالات

إدارة بايدن ومستقبل الديمقراطية العربية

(أسوشيتد برس)
(أسوشيتد برس)

ثمة شعور بالتفاؤل لدى كثير من المراقبين والمواطنين العرب، خاصة المعارضة السياسية، بفوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأميركية، ورحيل إدارة ترامب "المفترَض" في 20 يناير/كانون الثاني المقبل. ولعل أكثر القضايا التي استحوذت على انتباه النشطاء والمعارضين هي الضغط الذي قد تمارسه إدارة بايدن على الأنظمة السلطوية العربية خاصة في مصر والسعودية والإمارات وسوريا من أجل المزيد من الحريات والتوقف عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وكما قلنا في مقال سابق، فإن هذا التفاؤل به كثير من التفاؤل، ولا يجب الارتكان إليه كأساس للتحليل. صحيح أن إدارة ترامب كانت، وما تزال، تمثل حليفا مهما للأنظمة السلطوية العربية، وتعطيها شيكا على بياض فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان سواء كما هي الحال في مصر، حيث يعتبر ترامب أن عبد الفتاح السيسي هو "دكتاتوره المفضل"، أو في السعودية التي تمثل حليفا تاريخيا للولايات المتحدة، وصلت إلى حد أن يفاخر ترامب بأنه يحمي عرش ملكها، وأنه لو رفع يده عنه لسقط في غضون أسبوعين؛ لكن يظل من المبالغة توقع حدوث تغير جوهري فيما يخص السياسة الأميركية تجاه هذه الأنظمة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية والحريات واحترام حقوق الإنسان.

وذلك لعدة أسباب أولها تاريخي ويتعلق بسجل الولايات المتحدة السيئ في دعم الأنظمة السلطوية حول العالم منذ أوائل الخمسينيات حين دعمت انقلاب الشاه على حكومة محمد مصدق في إيران، وهو الانقلاب الذي اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 2013 بتدبيره فيما يعرف بـ"مشروع تي بي إيه جي إيه إكس" (TPAJAX Project). كذلك دعمت أميركا الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية خلال الستينيات والسبعينيات في إطار مواجهة المعسكر الشرقي كما هو الحال في البرازيل والأرجنتين والسلفادور ونيكاراغوا وهندوراس ومؤخرا دعم محاولة الانقلاب في فنزويلا وما حدث في بوليفيا عام 2019، حين تم إجبار الرئيس إيفو موراليس على الاستقالة وترك البلاد، ناهيك عما يشاع من تورط واشنطن، أو على الأقل صمتها على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا صيف 2016.

كذلك تغاضي وصمت الولايات المتحدة عن انتهاكات حقوق الإنسان المختلفة سواء في العالم العربي أو خارجه، وذلك مثل ما كان يحدث في مصر تحت حكم مبارك، وفي سوريا تحت حكم حافظ الأسد، ولاحقا مع بشار الأسد وغيرهم. كذلك لم تقم واشنطن بأي تحرك لوقف انقلاب السيسي في مصر صيف 2013، وكان بايدن وقتها نائبا لباراك أوباما.

أما السبب الثاني فهو سبب إستراتيجي متعلق بطبيعة العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن وحلفائها العرب خاصة في مصر والخليج كما هي الحال مع الإمارات والسعودية. وتحتل قضايا التعاون الأمني والدفاعي والاستخباراتي والاقتصادي على قمة أولويات هذه العلاقات، وليس ما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ثمة سبب شخصي يجعل التفاؤل بإمكانية حدوث تغير في السياسة الأميركية تجاه الأنظمة السلطوية العربية أمرا صعبا، وهو المتعلق بطبيعة شخصية بايدن ذاته. فالرجل ينتمي للمدرسة التقليدية في السياسة الخارجية، والتي تقوم على إعطاء أولوية للمصالح الإستراتيجية مع الحلفاء على حساب أية مسائل أخرى كالديمقراطية وحقوق الإنسان

وإذا حدث أن ثمة اهتمام توليه إدارة بايدن لهذه المسألة، فسيكون من أجل تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة، وليس دعما قيميا أو أخلاقيا. خذ مثلا الحالة المصرية حيث تحصل مصر على ما يقرب من 1.4 مليار دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية سنوية من أميركا وذلك منذ أواخر السبعينيات وحتى وقتنا هذا. وعلى مدار أكثر من 40 عاما لم يتم وضع أي شروط على هذه المساعدات مقابل تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ولعل المرة الوحيدة التي حدث فيها ذلك كان تعليق جزء من هذه المساعدات في أكتوبر/تشرين الأول 2013، وذلك بعد المذابح التي وقعت في مصر خاصة مذبحتي رابعة العدوية والنهضة؛ لكن تم رفع الحظر عن هذا الجزء من المساعدات لاحقا تحت ذريعة دعم مصر فيما يسمى بمكافحة الإرهاب.

كذلك الحال مع السعودية والإمارات، فصفقات السلاح بين الرياض وواشنطن كبيرة تصل قيمتها لمليارات الدولارات على مدار عقود كاملة، وبالتالي لا يتوقع أن يتم وضع شروط على هذه الصفقات أو وقفها من أجل قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. من جهة أخرى، فإن الذي يدير العلاقات الإستراتيجية بين أميركا والأنظمة العربية ليس ساكن البيت الأبيض فقط، وإنما هناك مؤسسات أخرى كوزارة (البنتاغون) وهيئة الأمن القومي وشركات السلاح ولوبيات الضغط السياسي… إلخ. صحيح أن الرئيس له دور؛ ولكن لاعتبارات كثيرة منها الأمن القومي والتخوف من ذهاب الحلفاء العرب إلى روسيا والصين، كل هذا يضع قيودا كبيرة على الرئيس الأميركي فيما يخص ربط بيع السلاح بمسألة حقوق الإنسان.

وأخيرا، فثمة سبب شخصي يجعل التفاؤل بإمكانية حدوث تغير في السياسة الأميركية تجاه الأنظمة السلطوية العربية أمرا صعبا، وهو المتعلق بطبيعة شخصية بايدن ذاته. فالرجل ينتمي للمدرسة التقليدية في السياسة الخارجية، والتي تقوم على إعطاء أولوية للمصالح الإستراتيجية مع الحلفاء على حساب أية مسائل أخرى كالديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أنه حسب كثير من التقارير لم يكن بايدن متحمسا للربيع العربي أو نصيرا له عندما انطلق أواخر 2010؛ بل عبر عن رغبته مثلا في بقاء مبارك في السلطة، أو نقلها لشخص أخر داخل الجيش مثل عمر سليمان، وذلك من أجل الحفاظ على المصالح الإستراتيجية لأميركا. كذلك تمت عسكرة الثورة السورية بينما كان بايدن في السلطة، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات لردع بشار الأسد، خاصة عندما استخدم الأسلحة الكيماوية في مجزرة الغوطة في أغسطس/آب 2013 التي حدثت في عهد بايدن وأوباما، ولم يحركا ساكنا.

وأخيرا، وعلى عكس ما يتوقع البعض، فلن تولي إدارة بايدن الشرق الأوسط أهمية كبيرة، وذلك من أجل التركيز على صراعها مع الصين وروسيا.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة